ماذا يجري في الشرق الأوسط؟

بوتين متحدثاً إلى مركل وترمب خلال احتفال في ذكرى 100 عام على نهاية الحرب العالمية الأولى في باريس (أ ف ب)

"لا أنا ولا أنت"، يقول ناصر الدين النشاشيبي، الصحفي المقدسي المعروف، "ولا أحد من جهابذة الفكر والعلم والسياسة، يستطيع أن يستكشف الخطوط العريضة التي تسير عليها السياسة العربية في بلدان هذا الشرق... لا أنا ولا أنت نستطيع أن نفسر هذا الذي يحدث، أو نتنبأ بهذا الذي سيقع" (ناصر الدين النشاشيبي، ماذا جرى في الشرق الأوسط؟ الطبعة الثانية، 1962، ص 411). الآن، بعد مرور أكثر من ستة عقود على مقولة النشاشيبي هذه، لا يزال الوضع على ما هو عليه، وربما أسوأ، فلا أحد قادرا اليوم، كما في الأمس، على فهم ما يجري، أو استشراف ما سيجري، في ظل اختلاط أوراق لا مثيل له، وكأنه كتب على هذا الجزء من العالم أن يعيش دائماً في حالة من اختلاط الأوراق، والضبابية التي تقف حائلاً أمام القدرة على الفهم والاستشراف، فالوضع في الشرق الأوسط غامض الملامح، بمستقبل كالسراب، تراه من بعيد ماء، لكنه أبعد ما يكون عن الماء، فلو استعرضنا الوضع في دول هذا الشرق، لوجدنا أنه عصي على الفهم، وتالياً لا يمكن توقع ما يمكن أن يجري، كل شيء جائز وممكن، وكل شيء غامض وغير ممكن، وذلك أشبه ما يكون بالوضع عقب الحرب العالمية الأولى، حين كان أقطاب السياسة العالمية آنذاك يحددون مصير هذه البقعة من العالم، وهم يخربشون على الخرائط في غرف مغلقة يملؤها دخان السيجار الفاخر ورائحة البراندي، مشروب تشرتشل الأثير.

أميركا وروسيا، إضافة إلى قوى أخرى أقل شأناً، هما اليوم صاحبتا القرار والشأن تحركان بيادق الشطرنج في هذا الاتجاه أو ذاك، من أجل خلق واقع جغرافي جديد في الشرق الأوسط، سواء عن طريق القطع أو اللصق، فهل نرى ميلاد دول جديدة، واختفاء دول قديمة، كما حدث عقب الحرب العالمية الأولى؟ ربما، فكل شيء جائز. فسوريا اليوم مثلاً كيان قابل للتفتيت، حتى لو أكد الجميع ضرورة الحفاظ على وحدتها، فالعداء الطائفي الذي ترعرع في ظل حكم العلوي في الشام، والذي كانت الحرب الأهلية الأخيرة، (وهي بالفعل حرب أهلية ذات طابع طائفي أكثر من كونها ثورة)، زيتاً صبّ على تلك الكراهية الطائفية فحوّلها إلى واقع مرّ، وحوّل سوريا بالفعل إلى فسيفساء متنافرة غير قابلة للذوبان في بوتقة واحدة.
اليوم نشهد محاولات لاحتواء النظام السوري، وإعادة سوريا إلى الصفّ العربي مع الحفاظ على وحدتها وإصلاح داخلها، وقد ينجح هذا المسعى بعض الوقت، ولكنه لن يدوم كل الوقت، وفق ظني بطبيعة الحال، بعد أن تجذّرت الطائفية في المجتمع السوري، وهي الطائفية التي قد تستغلها هذه القوة أو تلك، وتوجهها وفق ما تراه محققاً لمصلحة لها. المحقق اليوم لوحدة التدخل الأراضي السورية هو روسيا وليس النظام الحاكم، إذ لولا التدخل الروسي، مهما مقتناه واستنكرناه، لكانت سوريا اليوم عبارة عن كانتونات طائفية تحكمها الميليشيات، أو واقعة تماماً تحت النفوذ الإيراني أو التركي. مستقبل سوريا في منتهى الغموض، فكل شيء هناك يعتمد على ما يريده الكبيران: الولايات المتحدة والاتحاد الروسي.
والشيء نفسه يمكن قوله عن العراق، الذي دمرته الطائفية المدعومة إيرانياً، ونخرت فيه سوسة الفساد حتى وصلت إلى العظم، فإلى أين يتجه العراق؟ بإستمرار وجود نظام الملالي في إيران، وهيمنة الميليشيات الشيعية على الوضع الداخلي، فإن المستقبل العراقي مظلم وأسود كالحبر، وكل السيناريوهات محتملة، من سيناريو التقسيم على أساس طائفي وعرقي، إلى سيناريو بقاء الأوضاع على ما هي عليه: هيمنة إيرانية مع ميليشياتها في الداخل، وفساد يجعل من العراق فريسة تتكالب عليها الضباع، وهذا يرجعنا إلى ما ذكر آنفاً من أنه مع نظام الملالي في إيران لا مستقبل للعراق كدولة، فالمصلحة الإيرانية تقتضي بقاء الأحوال على ما هي عليه، إذ حتى الفساد في العراق هو مصلحة إيرانية في خاتمة المطاف، يسمح، أي الفساد، لإيران باستنزاف الثروات العراقية من دون رقيب أو حسيب، بل حتى لو تدخلت دولة عظمى كالولايات المتحدة لإصلاح الأوضاع في العراق، تكفيراً عن غلطتها التاريخية حين سلمت العراق إلى إيران على طبق من ذهب، فإن ذلك لن يجدي فتيلاً ما دام نظام الملالي وميليشياته متحكماً بالعراق، بل يمكن التعميم هنا والقول إن الشرق الأوسط لن يتمتع بالإستقرار والازدهار ما دام نظام الملالي حيّاً يرزق، عابثاً بدول المنطقة، من العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى اليمن.
حقيقة الصورة قاتمة في الشرق الأوسط ودوله، وإن كانت هنالك بقعة بيضاء في جلد الثور الأسود، فهي تتركز في منظومة مجلس التعاون، وبخاصة في السعودية والإمارات، فقطر غارقة في مؤامراتها، ولا تملك زمام قيادة نفسها بعدما رهنت نفسها للتركي والإيراني، والكويت تحاول إمساك العصا من النصف، إذ تعتبر نفسها واقعة بين ثورين متناطحين: السعودية وإيران. ففي السعودية الجديدة، هنالك استراتيجية واضحة للمستقبل في ظل استقرار سياسي واجتماعي غير متوفر في معظم دول العرب. حاول الكثيرون زعزعة هذا الإستقرار، بل كانت هنالك خطط لتقسيم المملكة على أسس طائفية وإقليمية، ولكنها فشلت قبل أن ترى النور. السعودية والإمارات بشكل خاص، ومعهما البحرين، تسير وفق مخطط مستقبلي واضح المعالم، على عكس معظم دول الشمال العربي، الغارقة في أوهام الإيديولوجيا على اختلاف أنواعها، والعنف والفساد السياسي والإداري والمالي الواسع النطاق. هذا لا يعني أن السعودية والإمارات خاليتان من الفساد، إذ لا دولة خالية من الفساد بشكل كامل، ولكن الفرق هو أن الفساد يتقلص في دولة كالسعودية، بينما هو يستشري في دولة كالعراق أو سوريا أو لبنان. منظمة مجلس التعاون الخليجي تخلصت من هيمنة الايديولوجيا باستثناء قطر، فأصبحت صورة المستقبل أقل ضبابية وأكثر وضوحاً.
ينهي ناصر الدين النشاشيبي كتابه المذكور آنفاً بسؤال: ماذا جرى في الشرق الأوسط؟ جواب: لا شيء.. لا شيء مطلقاً. ونحن نعيد طرح السؤال بصيغة أخرى: ماذا يجري في الشرق الأوسط؟ الجواب: كل شيء ولا شيء.. كل شيء ولا شيء.
 

المزيد من آراء