موقف بريطانيا من إيران يسحب أوروبا معه

العلاقة بين لندن وطهران كانت دوماً معقدة وتتسم بالريبة

البيان المشترك من جانب ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، باعتبار إيران مسؤولة عن الهجمات على منشآت النفط الإيرانية قرب الأطراف الأوروبية الثلاثة في الاتفاق النووي مع إيران من الموقف الأميركي، "خطوة مهمة"، على حد تعبير كثير من المراقبين.

جاء الموقف الثلاثي بعد تصريحات رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وهو في طريقه إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، والتي حمّل فيها إيران المسؤولية عن الهجمات على السعودية، وأكد أن "بلاده تدرس الانضمام للجهد العسكري الأميركي في الخليج وأنها تنتظر فقط طلباً سعودياً أو أميركياً".

وتبع جونسون تلك التصريحات بمطالبة إيران والولايات المتحدة بالعمل على التوصل إلى اتفاق جديد. وعلى الرغم من أن بريطانيا لا تزال رسمياً ضمن الاتفاق، ومعها الدولتان الأوروبيتان وروسيا والصين، بعدما انسحبت منه أميركا العام الماضي، إلا أن الموقف بعد الاعتداءات على منشآت "أرامكو" يتغير.

الضغط على إيران

أضف إلى ذلك، أن تصرفات إيران بالتخلي التدريجي عن التزاماتها في الاتفاق النووي تقلل من فرص نجاح محاولات إنقاذ الاتفاق. ويزيد ذلك من الضغط على إيران للتفاوض على اتفاق جديد يتضمن القضايا كافة، مثل برنامج إيران الصاروخي ودعمها للجماعات في الدول الأخرى، مثل "الحشد الشعبي" في العراق و"حزب الله" في لبنان والحوثي في اليمن، ودعمها للإرهاب الدولي وتدخلها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وتهديد الأمن والسلم العالميين وحرية الملاحة البحرية في الخليج.

وعلى الرغم من أن بعض المحللين يرون أن بوريس جونسون بموقفه من إيران، إنما يحاول القفز للأمام بسبب مشاكل البريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، إلا أنه يعكس نمطاً معتاداً في العلاقات البريطانية - الإيرانية على مر التاريخ.

جاء الرد الإيراني على تصريحات جونسون الأولى عاجلاً ومتشدداً، إذ تدرك طهران أن موقف بريطانيا يمكن أن يسحب معه دول أوروبا. ومن شأن ذلك التغير أن يفقد إيران أوراق المناورة في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة. وما يزيد من أزمة إيران أن تجد نفسها مطالبة بالتفاوض مع بقية أطراف الاتفاق النووي، الذي يوشك على "الانفراط".

علاقات معقدة

وعلى الرغم من أن بريطانيا تسعى الآن للحفاظ على علاقات جيدة مع الجهات كافة، لحاجتها لاتفاقات تجارية بعد البريكست، إلا أنها لا يمكن أن تخاطر بعلاقتها مع السعودية ودول الخليج مقابل الحفاظ على علاقات مع إيران.

كما أن العلاقات البريطانية - الإيرانية على مر التاريخ، تتسم بالريبة وامتزاج الحذر العدائي مع احتمالات المصالح. ويعود ذلك إلى أكثر من قرن من الزمان. ففي الحرب العالمية الثانية كان أول الحكام من أسرة بهلوي رضا شاه، يدعي الحياد في الحرب بين الحلفاء والمحور، لكن بريطانيا رأت أنه منحاز لألمانيا النازية فقررت هي وروسيا غزو إيران واحتلالها عام 1941، وخلع رضا شاه وانتهى الاحتلال عام 1946.

وفي مطلع الخمسينيات، عندما حاول رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق تأميم شركة النفط البريطانية أنجلو إيرانيان، فرضت بريطانيا عقوبات على إيران وطلبت مساعدة الولايات المتحدة للإطاحة بمصدق في انقلاب عام 1953.

وفي الخمسينيات أيضاً، قادت بريطانيا حلف بغداد الذي ضم إلى جانب إيران، العراق وباكستان وتركيا وانضمت إليه أميركا بعد ذلك عام 1958. واستمر التعاون في إطار الحلف إلى نهاية حكم أسرة بهلوي مع ثورة الخميني عام 1979.

عندها قطعت بريطانيا علاقتها مع إيران حتى 1988 لتعود العلاقات لحوالى عام، ثم يصدر الخميني فتوى قتل الكاتب البريطاني من أصل إيراني سلمان رشدي، وتقطع العلاقات مجدداً لتبدأ في التحسن نهاية التسعينيات.

حوادث عدة

ومع صعود محمود أحمدي نجاد للرئاسة في بدايات القرن الحالي، توترت العلاقات مجدداً وشهدت حوادث عدة من جانب إيران بحق البريطانيين، إلى أن قامت تظاهرات 2009 الشهيرة، وقت إعادة انتخاب أحمدي نجاد. واتهمت إيران بريطانيا بأنها ساهمت في تأجيج الاحتجاجات التي كادت تطيح بنظام الملالي في إيران.

وفي عام 2011 فرضت بريطانيا، ضمن كثير من دول العالم، عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، وظلت العلاقات بين لندن وطهران متوترة حتى توقيع الاتفاق النووي عام 2015. لكن إيران لم تمنح بريطانيا فرصاً اقتصادية بعد رفع العقوبات عنها، كما منحت الفرنسيين مثلاً أو غيرهم.

اتفاق جديد

ومع ذلك، ظلت بريطانيا ضمن الاتفاق حتى بعد انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب منه في مايو (أيار) 2018، وشاركت حتى الآن في الجهد الأوروبي للحفاظ على الاتفاق، على الرغم من التشدد الإيراني بتعليق بنوده.

والآن، مع زيادة التصعيد الإيراني، تبدو بريطانيا في طريقها للعمل مع أميركا على اتفاق جديد، بما يعني موت الاتفاق القديم، ولن تجد الأطراف الأوروبية مانعاً من مشاركة بريطانيا في ذلك. وواضح أيضاً عزم بريطانيا على العمل بفاعلية مع الولايات المتحدة والسعودية وبقية حلفائهم، على التصدي لإيران إذا رفضت عروض التسوية والاتفاق، حتى إذا تطلب ذلك العمل العسكري.

وكانت بريطانيا أول دولة تلبي دعوة الولايات المتحدة لتحالف حماية الملاحة الدولية في الخليج، ورفض بوريس جونسون في حواره مع الصحافيين استبعاد أي احتمال لمواجهة إيران بما في ذلك العمل العسكري.

المزيد من تحلیل