دلالات زيارة مقتدى الصدر إيران في احتفالات عاشوراء

المناسبة رغم أنها دينيَّة فإنها تنقل رسائل سياسيَّة عديدة منها أن طهران لا تزال الوسيط الرئيس بالعراق

علاقة إيران بتيار مقتدى الصدر قصيرة الأجل وتكتيكيَّة لزعزعة وجود القوات الأميركيَّة بالعراق (رويترز)

ظهر رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر في الـ10 من سبتمبر (أيلول) بحضور المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وقائد قوة القدس قاسم سليماني في طهران لإحياء ذكرى الإمام الشيعي الثالث الإمام الحسين بن علي. المناسبة رغم أنها دينيَّة فإنها تنقل رسائل سياسيَّة عديدة.

مقتدى الصدر رجلٌ سياسيٌّ متمرسٌ، يعرف كيف يتنقَّل بين النخبة الدينيَّة والسياسيَّة في إيران، وعاش سنوات بمدينة قم من قبل، واتسمت علاقة إيران بتيار مقتدى الصدر بأنها قصيرة الأجل وتكتيكيَّة لأغراض زعزعة وجود القوات الأميركيَّة بالعراق، كما لم يعبر تيار الصدر عن أي علاقات استراتيجيَّة مع إيران، فهو ذو خلفيَّة عربيَّة وقوميَّة، وارتبط بإيران لأسباب علاقات التوازن بين الفصائل السياسيَّة في هيكل السلطة الجديد بالعراق.

كما عززت إيران علاقتها بالتيار الصدري لشعبيته الواسعة، فساندته من خلال حزب الله في تأسيس جيش المهدي عام 2003 لمحاربة القوات الأميركيَّة، وقدَّمت إليه السلاح والتدريب والأموال، كما شارك في الاقتتال الطائفي بالعراق عام 2006 الذي نتج عن التطهير الإثني للسُّنة في مدينة بغداد، فعملت إيران على إحداث قلاقل من وقت إلى آخر، وكانت تعمل على تعجيل الانسحاب الأميركي لخلق فرص لها داخل العراق من خلال ظهور حكومة قويَّة قوميَّة شرعيَّة يقودها الشيعة، ثم حدث بعد ذلك انشقاقٌ في جماعة الصدر، وقامت إيران بمساعدة حزب الله في تدريب تلك المجموعة المنشقة، وشكَّلت جماعة عصائب أهل الحق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تعي إيران أن الصدر لن يخضع بالكامل إليها، لكن خامنئي يعتبره حليفاً قوياً موثوقاً به، ويشاركهم عداء الولايات المتحدة، بما يجعل إيران توظّف العراق باعتباره سيبقى حليفاً استراتيجياً إليها، كما أنها تود إرسال إشارة إلى العراق والمنطقة بأنها لا تزال الوسيط الرئيس في السياسة العراقيَّة، وقد يشير الصدر بوجوده في التجمع مع خامنئي وسليماني بإيران إلى أنه يحاول استئناف دور آية الله علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى.

إذن، الهدف من وجود الصدر عند خامنئي في عاشوراء هو الإشارة إلى أن طهران هي الحكم الرئيس الخارجي للسياسة العراقيَّة، في حين لم يقطع الصدر علاقاته بإيران، فإن رسائله القوميَّة في العراق وهجومه على قوات الحشد الشعبي، وكذلك زيارته السعوديَّة في عام 2017، لم تُستقبل جيداً من قِبل إيران. لذا تفضّل طهران تخفيف حدة الصدر للخطاب المناهض، وجعله يعيد توجيه شعبيته إلى معارضي السياسة الإيرانيَّة، ومنهم الولايات المتحدة وإسرائيل، وحتى يهاجم السعودية.

تمثل زيارة الصدر إيران فرصة لإدارة ترمب. تحتاج الولايات المتحدة إلى التنافس مع إيران في العراق، وقد تحدَّث البنتاغون في الأسابيع الأخيرة حول التزام ترمب بالسيادة والشراكة العراقيَّة. ومن ذلك بيانه أخيراً عن أن أنشطة إيران المزعزعة الاستقرار تقوّض أمن العراق، وتزيد من خطر نشوب صراع إقليمي، وذلك عبر جعل العراق حليفاً موثوقاً للولايات المتحدة، وليس مجرد أداة أو وسيلة لسياسة "أقصى قدر من الضغط"، من خلال الاستمرار في إشراك كل من الرئيس ورئيس الوزراء العراقي كشريكين في محاربة تنظيم داعش والتعامل مع القضايا الإقليمية. تحتاج الولايات المتحدة إلى التنافس مع إيران في العراق، فوحدة العراق وقوته يمثلان مصلحة مشتركة للولايات المتحدة والعراق، وأفضل رد على مكائد إيران لإبقاء العراق ضعيفاً ومنقسماً.

من جانب آخر على السعوديَّة أن تتبع نهجها المعهود تجاه العراق، وأن تقدم نموذجاً مستداماً للمشاركة الطويلة الأجل، تقوم على الاستفادة للجانب العراقي بالرأسمال الاقتصادي والثقافي. إن استمرار العودة السياسيَّة والاقتصاديَّة يمكن أن تستفيد منها كل الأطراف المحليَّة في العراق وتعززها المشاعر المعاديَّة لإيران، ورغبة العراق في علاقات إقليميَّة متوازنة، وإعادة تشكيل تحالفاته الإقليمية.

المزيد من آراء