لقاء الرئيسين... حتى إسقاط آخر المحرمات

يبدو أن ترمب لا يريد العودة إلى دائرة تكون فيها واشنطن هي المبادرة للتحرش بطهران والمبادرة للتواصل معها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الإيراني حسن روحاني (رويترز)

يمكن القول إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يُسقط فقط الاتفاق الذي وقَّعه سلفه باراك أوباما بمشاركة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وألمانيا مع إيران حول برنامجها النووي، بل يسعى إلى تحقيق إنجاز طالما راود رؤساء الولايات المتحدة منذ أربعة عقود على مدى العلاقة الملتبسة مع النظام الذي أسسته الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 الذي أقدم على قطع العلاقة مع واشنطن. بالحديث عن استعداده إلى عقد لقاء مع نظيره الإيراني حسن روحاني، سيكون إنجازاً إذا ما استطاع ترمب تحقيقه على درجة من الأهمية التاريخية قد تتجاوز أهمية أي اتفاق نووي جديد مع طهران حتى ولو أدى إلى إقناع طهران بالتخلي عن طموحاتها النووية.

الضغوط التي يمارسها ترمب على طهران بالعودة إلى نظام العقوبات والحصار الاقتصاديين بشكل غير مسبوق بهدف إيصال النظام الإيراني إلى حافة الانهيار من دون الدفع به إلى السقوط، وذلك من أجل إجباره على الانتقال من مستوى التعامل بالواسطة والشروط المتبادلة والحوار غير المباشر حول المصالح المشتركة في منطقة غرب آسيا إلى مرحلة العلاقة والتفاوض المباشرين.

ويدرك ترمب المراحل التي مرَّت بها هذه العلاقة المعقدة والملتبسة بين واشنطن وطهران، التي غالباً ما تكون مرحلية ومصلحية على مدى السنوات الأربعين الماضية، حتى في الخطوة الأخيرة التي انتهت إلى توقيع الاتفاق النووي في يوليو (تموز) 2015.

فأولى المحطات الرئيسية في اللقاءات المباشرة بين الجانبين الأميركي والإيراني جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1979 في الجزائر على هامش احتفالاتها بذكرى الاستقلال، شارك فيه عن الجانب الأميركي مستشار الأمن القومي زبغنيو بريجينسكي وعن الجانب الإيراني رئيس الحكومة المؤقتة مهدي بازركان ووزير الخارجية إبراهيم اليزدي ووزير الدفاع مصطفى تشمران، وهو اللقاء الذي استمر ساعتين، وانتهى باعتراف أميركا بحكومة بازركان، إلا أنه أسهم في إسقاط حكومة بازركان بعد قيام الشباب الثوري باحتلال السفارة الأميركية في طهران.

أمَّا المحطة الثانية فقد جاءت نتيجة لمفاوضات طويلة ومعقدة بعيداً عن الأضواء وبسرية تامة، جرى جزءٌ منها داخل أروقة البيت الأبيض في عهد الرئيس رونالد ريغان، وانتهت بفضيحة إيران كونترا أو إيران غيت بعد فضح الزيارة التي قام بها روبرت ماكفرلين مستشار الأمن القومي في إدارة ريغان إلى العاصمة الإيرانية ولقائه مع قيادات في الإدارة الإيرانية، التي انتهت بتزويد النظام بصواريخ "تاو" و"هوك"، شحن جزء منها من المخازن الإسرائيلية.

وجاءت المحطة الثالثة متزامنة مع الاستعدادات الأميركية عام 1991 لشن هجومها لتحرير الكويت التي قام نظام صدام حسين باحتلالها، عندما نشطت طهران عبر وفود أرسلتها إلى البيت الأبيض للتفاهم مع واشنطن حول أهداف وأبعاد هذه الحرب والتوافق على عدم السير حتى النهاية فيها بإسقاط النظام في بغداد، إذ التقت المصالح الأميركية والإيرانية بالحفاظ على النظام العراقي ضعيفاً من دون إسقاطه.

هذه التفاهمات وجدت فرصة للاستمرار في الأزمة الأفغانية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، التي قادها عن الجانب الإيراني وزير الخارجية الحالي محمد جواد ظريف بصفته عضواً في البعثة الإيرانية الدائمة في الأمم المتحدة، التي انتهت إلى التزام إيران بموقف "الحياد الإيجابي"، الذي سمح للطائرات الأميركية باستخدام الأجواء الإيرانية عند الضرورة القصوى، وتعزز خلال المؤتمرات الدولية التي عقدت حول ترتيب الإدارة الأفغانية الجديدة في طوكيو وبرلين، التي قادها عن الجانب الإيراني ظريف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من الموقف الذي أعلنه مطلع عام 2002 الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بوضع إيران في محور الشر بعد الكشف عن دورها في إرسال باخرة محمّلة بالأسلحة إلى الفصائل الفلسطينية، فإن هذا الأمر لم يحل دون استمرار التفاهم الإيراني الأميركي حول الاستعدادات لشن حرب القضاء على النظام العراقي، واحتلال هذا البلد عام 2003، وهي مفاوضات قادها أيضاً عن الطرف الإيراني السفير في الأمم المتحدة ظريف.

وعلى الرغم من الصراع الحاد على المصالح الذي سيطر على العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران على الساحة العراقية بعد 2003، فإنها لم تشكل حائلاً أمام عقد لقاءات بين الطرفين على الأراضي العراقية، وصلت حد عقد لقاء بين الغريمين اللدودين قائد القوات الأميركية في العراق ديفيد بتريوس وقائد فيلق القدس قاسم سليماني في المنطقة الخضراء في بغداد عام 2007 أو 2008 حسب أحد المسؤولين العراقيين آنذاك، وهي لقاءات وتفاهمات قادت إلى أول حوار مباشر عام 2007 بين وزيري الخارجية الأميركي كونداليزا رايز ومنوشهر متكي في شرم الشيخ المصرية على هامش اجتماع دول الطوق العراقي، الذي حصل فيه تفاهمات حول مستقبل العملية السياسية في العراق. ومهّدت الطريق للقاء الذي جرى عام 2009 بين الوفد الأميركي برئاسة وليم برنز في المفاوضات النووية مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي سعيد جليلي في بغداد.

ويبدو أن ترمب لا يريد العودة إلى دائرة تكون فيها واشنطن هي المبادرة للتحرش بطهران والمبادرة للتواصل معها، كما حصل في الاتصال الهاتفي الذي أجراه أوباما مع روحاني، الذي فتح الطريق لبدء حوار مباشر وعلني بين الطرفين انتهى إلى التوقيع على الاتفاق النووي في يوليو (تموز) 2015، وإذا ما لجأ إلى المبادرة لخطوة مماثلة فإنه يريدها أكثر تأثيراً، وتسجل له كإنجاز تاريخي بين الرؤساء المعاصرين، أي أنه لا يرضى بأقل من اللقاء المباشر بينه ونظيره الإيراني، وهو بهذه الخطوة فإنه يسهم في وضع النظام الإيراني وقيادته العليا في دائرة الإحراج الشديد بين رفض هذا اللقاء والذهاب إلى مواجهة المزيد من الضغوط الاقتصادية وتبدل في مزاج الرئيس بأن يعود إلى اعتماد خيار تغيير النظام بالتوازي مع تشديد العقوبات الاقتصادية حتى الانهيار، وإما الرضوخ إلى رغبة ترمب بالموافقة على عقد هذا اللقاء، الأمر الذي قد يضرب المنظومة الأيديولوجية للنظام التي استمرت طوال هذه العقود من خلال شيطنة الإدارة الأميركية "الشيطان الأكبر"، وما يعنيه ذلك من التحديات التي ستواجهها جراء المزيد من التنازلات التي ستقدمها في ملفات تتعدى الملف النووي، من دون أن يكون لديها رؤية واضحة حول المكاسب التي ستجنيها في حال وافقت على هذه الخطوة، على الرغم من البراغماتية العالية التي تتمتع بها مواقف وسياسات النظام التي تتخذ من مقولة "تتعدد الطرق إلى الله بتعدد أنفس الخلائق" كمبدأ لها.

ما يريده ترمب بإصراره على عقد لقاء مباشر مع روحاني -مدركاً أو غير مدرك ذلك- هو إسقاط آخر المحرمات التي تحكم علاقة النظام الإيراني مع واشنطن، خصوصاً أنه تخلّى عن مطلب عقد لقاء مباشر مع المرشد الأعلى، وتراجع إلى مستوى نظيره الرئيس، ما يعني أن الباب سيصبح مشرعاً أمام الانتقال في الجدل السياسي بين البلدين من مستوى الحوار حول ملفات تعنيهما إلى مستوى العلاقة الثنائية التي قد تؤسس إلى عصر جديد في الإقليم لا تكون فيه طهران مصدر تهديد للمصالح الأميركية.

المزيد من آراء