Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خامنئي يضبط إيقاع مواقف الصدر

التعامل مع الساحة العراقية والملفات الإقليمية يخضع لإشراف المؤسسة العسكرية التي بدورها تتبع للمرشد

المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي (رويترز)

في الوقت الذي يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعمل على ترتيب بيته الداخلي بما يتوافق مع رغبته في تحقيق إنجاز "تاريخي" في المعضلة "المزمنة" مع النظام الإيراني، بعقد لقاء على هامش الجمعية العمومية للأمم المتحدة مع نظيره الإيراني حسن روحاني، من خلال سلسلة من التنازلات العسكرية بتوجيه رسائل طمأنة لطهران باستبعاده الخيار العسكري في المواجهة معها، وتنصله من تحمل المسؤولية في تشكيل ائتلاف دولي لحماية حرية الملاحة وطرق إمدادات الطاقة في مضيقي هرمز وباب المندب وبحر العرب، وصولا إلى الخطوة الأخيرة بالإعلان عن إقالة مستشاره للأمن القومي جون بولتون في تغريدة جاءت كنتيجة طبيعية لمسار من التكهنات استمرت على مدى الأسابيع الماضية، التي يمكن القول إنها تشكل هدية "ثمينة" لرأس الدبلوماسية الإيرانية محمد جواد ظريف الذي حمّل "بولتون" مسؤولية التصعيد الذي تعتمده إدارة البيت الأبيض تجاه إيران، والمحرض الرئيس في فرض عقوبات اقتصادية ضد النظام وصولا إلى وضعه شخصيا على هذه اللائحة من العقوبات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فإن النظام الإيراني في المقابل، كان يعمل بدهاء وصمت وهدوء على إعادة ترتيب ملفاته الإقليمية وإزالة الشوائب التي اعترتها في الآونة الأخيرة، فهو ينظر بعين الارتياح إلى قرار الرئيس الأميركي بإلغاء اللقاء الذي كان مقررا مع قيادات من حركة طالبان والحكومة الأفغانية، خصوصا أن المسار التفاوضي الذي انتهى إلى ترتيب هذا اللقاء ابتعد في مراحله الأخيرة عن مصالح النظام الذي أبدى وأسهم منذ البداية في تسهيل هذا الحوار ومواكبته بشكل أو بآخر.

وبالتوازي مع الملف الأفغاني، فإن النظام في طهران، أعلن ومن دون تردد احتضانه المباشر لجماعة الحوثي في اليمن، وسهل عملية عقد لقاء بين هذه الجماعة وسفراء الرباعية الأوروبية المعتمدين في إيران (فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا)، في ظل تزايد الحديث عن لقاء بين هذه الجماعة والإدارة الأميركية في المرحلة المقبلة.

إلا أن المؤشر الأبرز على المساعي الإيرانية لترتيب هذه الملفات وإحكام السيطرة عليها ومنع أي إمكانية لحدوث خرق في الموقف، هو المرتبط بالساحة العراقية. فمنذ الأيام الأولى لشهر محرم 1441 هـ - 2019، والأسئلة تدور حول الأسباب التي تمكن وراء وجود رجل الدين العراقي مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري في مدينة قم الإيرانية، خصوصا بعد المواقف التصعيدية التي اتخذها ضد حكومة عادل عبدالمهدي إلى حد إعلان "وفاتها" على خلفية اتهامه لعبد المهدي بالخضوع لإرادة قيادات في الحشد الشعبي والسكوت عن مساعي تشكيل قوات جوية خاصة بهذا التشكيل. وهي مواقف لا تقف تداعياتها على الصراعات على الساحة الداخلية العراقية بين القوى السياسية المتنافسة، بل تطال بشكل مباشر العمق الذي تعتبره طهران استراتيجيا بالنسبة لها في الإقليم. الذي إذا ما اهتز فإن تداعياته ستطال جميع الملفات الأخرى التي يمسك بها النظام، ليس فقط في سوريا بل على الساحتين اللبنانية والفلسطينية والطريق الواصل بينها جميعا مع طهران.

لم تطل الأمور كثيرا لتتكشف أبعاد هذه الزيارة للصدر إلى إيران، إذ شكلت مشاركته في "مجلس العزاء" الذي أقامه المرشد الأعلى للنظام علي خامنئي وجلوس الصدر إلى جانبه في المكان المخصص لرئيس الجمهورية، الجواب على ما يمكن أن يدور من تساؤلات، خصوصا أن من يليه في الصورة يقتصر على جنرالات حرس الثورة وفي مقدمتهم المسؤول عن الملف العراقي من ضمن الملفات الإقليمية قاسم سليماني وإلى جانبه قائد الحرس حسين سلامي. ما يعني أن غياب الرئيس روحاني عن هذه المشهدية يؤكد ما يدور عنه الحديث من أن التعامل مع الساحة العراقية والملفات الإقليمية لا يقع في دائرة العمل الدبلوماسي، بل يخضع مباشرة لإشراف المؤسسة العسكرية التي بدورها تتبع للمرشد.

والتعقيد الذي تشهده الساحة العراقية، خصوصا المواقف غير المنضبطة التي يعبر عنها مقتدى الصدر في المفهوم الإيراني، فرض على قيادة النظام التدخل المباشر في محاولة احتواء مواقفه المعارضة لتصرفات الجماعات المحسوبة على إيران في السلطة والحشد وحتى في القرارات والإجراءات التي يتخذها عبد المهدي المتساهلة مع هذه الجماعات على حساب الدولة العراقية ومؤسساتها ومصالحها الوطنية، وهي في الوقت نفسه تكشف فشل المسؤول المباشر عن الملف "سليماني" في احتواء مواقف الصدر على الأراضي العراقية، ما أجبره على استخدام "احتياطي" الضغط، من خلال ترتيب زيارة الصدر إلى إيران وعقد لقاء بينه وبين المرشد تتويجا لما تم التوافق عليه مع هذا الضيف من تفاهمات، لا يستبعد أن يكون لأمين عام حزب الله حسن نصرالله دورٌ في التمهيد لها قبل انتقال الصدر إلى إيران، التي من المفترض أن تصب بأحد الاتجاهات، أما أن يخفف الصدر من مواقفه المنتقدة لمشروعات الحشد وطموحاته العسكرية والأمنية والسياسية، وأما في الحد من التصويب على الحكومة ورئيسها من أجل تمرير هذه المرحلة، أو في عقد صفقة مستقبلية معه حول دور تياره في إدارة العراق، وكلها تصب في مسار ترويض مواقفه حتى لا تشكل إرباكا للمشروع الإقليمي للنظام.

وفي موازاة هذه الجهود، تأتي المواقف التصعيدية التي أعلنها نصرالله من لبنان في العاشر من محرم، والتي هدد فيها بحرب تشمل المنطقة كلها في حال تعرضت إيران لأي اعتداء إسرائيلي أو أميركي بما تمثله من "قلب محور المقاومة"، وهو ما يعزز الاعتقاد بوجود مخاوف لدى النظام في طهران وحليفه اللبناني من تحرك إسرائيلي لقلب الطاولة وإفشال كل هذه الجهود وقطع الطريق على أي تفاهم بين طهران وواشنطن، خصوصا أن الرئيس الأميركي وبموازاة رفع مستوى الضغوط الاقتصادية والعقوبات ضد إيران وحلفائها يؤكد استعداده لعقد لقاء مع نظيره الإيراني ومن دون شروط بالتزامن مع إقالة بولتون.

المزيد من آراء