Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شبح التأجيل يطارد الانتخابات البلدية في لبنان

دعوات للتمديد للمجالس عاماً واحداً بذريعة الحرب في الجنوب تقابلها مطالب باحترام الاستحقاقات

لبنانية تدلي بصوتها في انتخابات سابقة (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - مواقع التواصل الاجتماعي)

ملخص

لبنان يواجه احتمال تأجيل الانتخابات البلدية لعام 2024 للمرة الثالثة رغم الدعوات للاستعداد لها في 26 مايو. مع وجود ذرائع أمنية بسبب النزاعات، يرتفع النقاش حول تمديد ولاية المجالس الحالية سنة إضافية، فهل سيؤثر هذا التأجيل مرة أخرى على الخدمات وحياة المواطنين؟ 

يتجه لبنان إلى تأجيل الانتخابات البلدية للمرة الثالثة على التوالي، رغم دعوات وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال بسام المولوي إلى الاستعداد لانتخاب هيئات محلية جديدة، وذلك بتاريخ الـ26 من مايو (أيار) المقبل، فيما تعقد جلسة نيابية بعد ساعات يتوقع أن تنتهي بقرار التأجيل حتى نهاية مايو 2025.

لم يكن نمط إجراء الانتخابات البلدية في لبنان ثابتاً منذ أن حصل على استقلاله، إذ لم تحصل حينها الانتخابات البلدية إلا مرتين، في عامي 1952 و1963. بعد ذلك، شهد لبنان فترة توقف دامت 35 عاماً عصفت خلالها الحرب الأهلية بمدنه وبلداته كافة، حيث لم تجر أي انتخابات بلدية حتى عام 1998.

استمرت الانتخابات بعد ذلك بانتظام كل ست سنوات بحسب مدة ولايتها في الدستور اللبناني في الأعوام 2004 و2010 و2016.

يأتي عام 2024 ومعه ترقب لإمكانية تأجيل الاستحقاق البلدية مرة جديدة بسبب الأحداث الأمنية الجنوبية والخوف من اندلاع حرب شاملة، فيما تنتهي ولاية المجالس البلدية في أواخر مايو المقبل، وجرى نقاش حول إجرائها مع استثناء ثلاث محافظات من أصل سبع هي: الجنوب والنبطية وبعلبك الهرمل، وذلك "لأسباب أمنية مرتبطة بالحرب الإسرائيلية في الجنوب".

بالأرقام توجد في لبنان 1064 بلدية، بحسب وزارة الداخلية والبلديات، إلا أن 134 منها في حكم المنحلة، وهو رقم مرشح للارتفاع في حال التمديد مجدداً.

فهل يحصل التمديد مرة جديدة كما يتوقع غالبية اللبنانيين والمتابعين، وإلى أي مدى سيؤثر التمديد على حياة المواطنين؟

 

التاريخ يعيد نفسه

حالياً، تبرز في لبنان فئتان رئيستان: فئة تدعم تأجيل الانتخابات البلدية، وأخرى تنادي بضرورة تسريع إجرائها والتزام الاستحقاقات الدستورية، مع تأييد تأجيل الانتخابات بشكل جزئي فقط في المناطق التي تعاني النزاعات العسكرية.

في السياق، أوضح رئيس لجنة الدفاع والداخلية والبلديات النيابية النائب جهاد الصمد، في حديث خاص لـ"اندبندنت عربية"، عن مشروع القانون الذي قدمه للتمديد الموقت لمجالس البلدية لمدة سنة واحدة كحد أقصى قائلاً: "هذا القانون يأتي في ظل الوضع الطارئ الذي نعيشه، خصوصاً أن حالة الحرب المستمرة تفرض تحديات كبيرة". 

ولفت إلى أن "هناك آراء متباينة حول إمكانية إجراء الانتخابات في المناطق الآمنة فقط، مقابل تأجيلها بشكل كامل حتى استقرار الأوضاع"، معتبراً أنه "من غير العدل استثناء مناطق من دون أخرى، فالوضع يؤثر على كامل الأراضي اللبنانية. لذا، أميل إلى فكرة التمديد، لكن القرار النهائي سيكون بيد مجلس النواب الذي سيقرر مصير هذا الاقتراح. بغض النظر عن القرار، فالمسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً لمواجهة هذه الظروف الاستثنائية". 

وأشار إلى أن "الحكومة تزعم قدرتها على تنظيم الانتخابات، لكن الواقع يظهر عدم جهوزيتها، ويتضح أيضاً من عدم وجود مرشحين حتى اللحظة في محافظة جبل لبنان، مما يشير إلى الفراغ الذي قد ينجم عن عدم إجراء الانتخابات، وهو ما يهدد بتأثيرات سلبية على المجتمع، خصوصاً بالنظر إلى الدور الحيوي الذي يلعبه المخاتير".

حق دستوري

في سياق آخر، يشدد وزير الداخلية والبلديات اللبناني الأسبق المحامي زياد بارود لـ"اندبندنت عربية"، على "أهمية إجراء الانتخابات البلدية في مواعيدها المحددة"، مشيراً إلى أنها "حق دستوري يجب على الحكومة تحقيقه بغض النظر عن أي تحديات قائمة"، لافتاً إلى أن "هذه ليست المرة الأولى التي تمدد فيها ولاية المجالس البلدية، فقد سبق أن مُددت مرتين، الأولى بسبب التزامن مع الانتخابات النيابية، والثانية نظراً لعدم توفر الاعتمادات المالية اللازمة لإجراء الانتخابات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار بارود إلى أنه "في الماضي، جرى تأجيل الانتخابات جزئياً في المناطق التي كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى عام 1998"، منوهاً إلى أن "بعض الأصوات ترفع مقترحات بتأجيل الانتخابات فقط في المناطق المتأثرة مباشرة بالاعتداءات، بينما يرى آخرون ضرورة التأجيل في كل البلاد".

وعن إعلان وزارة الداخلية والبلديات جهوزيتها لإجراء الانتخابات، رأى بارود أن "هذا الإعلان يعزز موقف الوزير في النأي بنفسه عن أي مساءلة مستقبلية في حال عدم دعوة الناخبين لصناديق الاقتراع"، مشيراً إلى أن "التأجيل المستمر للانتخابات لا يعكس صورة سلبية للبنان أمام المجتمع الدولي فحسب، بل يزيد من إحباط اللبنانيين الذين حرموا من ممارسة حقهم الانتخابي"، وأكد "أهمية التجديد في القيادات البلدية لمواجهة الأزمات الحالية وتجنب التمديد المستمر الذي يثقل كاهل البلديات بالتراكمات والأعباء".

 

وعبر بارود عن تحفظاته حيال قانون الانتخابات البلدية الحالي، موضحاً أنه "قدم في عام 2010 مشروع قانون لتعديله وقد نوقش على مدى ست جلسات، استغرق كل منها خمس ساعات في مجلس الوزراء، وتم إقراره لكنه بقي من دون نقاش في مجلس النواب حتى الآن"، مؤكداً أن "هذه التحفظات لا تلغي الحاجة الماسة لإجراء الانتخابات وفق القانون الحالي رغم قصوره"، معرباً عن مخاوفه من أن "يؤدي الاستمرار في التحفظات إلى تأجيل جديد للانتخابات". 

ولفت بارود إلى أن "الانتخابات تأجلت لأول مرة في مايو 1967، قبل حرب يونيو، بحجة أن القانون غير فعال ويتطلب التمديد لعام أو عامين لتعديله"، وأشار إلى أن "هذا التأجيل استمر حتى عام 1998". كما استذكر "وجهات نظر متعارضة من الفترة ذاتها؛ فبينما كان النائب بهيج تقي الدين يرى ضرورة التأجيل بسبب التحفظات على القانون، كانت هناك آراء أخرى مثل النائبين ألبير مخيبر أو جميل لحود، اللذين أصرا على ضرورة إجراء الانتخابات ورفض التأجيل".

تاريخ الانتخابات البلدية في لبنان

تاريخياً، يعود تأسيس أول مجلس بلدي في لبنان إلى أكثر من 150 عاماً مضت، حيث قام حاكم بيروت بإنشاء ما يعرف بـ"مجلس الولاية" المكون من 12 عضواً معيناً من قبله لتنظيم قضايا النظافة، والإضاءة، والحراسة. هذا المجلس لم يكن بلدياً بالمعنى الحقيقي، بل كانت أول تجربة بلدية حقيقية تتمثل في بلدية دير القمر التي تأسست في عام 1864 خلال فترة المتصرفية، تلتها بلدية بيروت بعد ثلاث سنوات في ظل الحكم العثماني.

بعد ذلك، شهد لبنان تأسيس بلديات في المدن الرئيسة مثل صيدا وطرابلس خلال موجة التنظيمات. وخلال فترة الانتداب الفرنسي، شهدت البلديات نهضة جديدة بفضل النفوذ الفرنسي الذي أسهم في تطوير الإدارات العامة. ومع ذلك، لم يتحقق الدور الفعال لهذه الإدارات إلا في عهد رئيس الجمهورية آنذاك اللواء فؤاد شهاب، الذي أصدر قانوناً معاصراً سهل من إنشاء عشرات البلديات الجديدة في البلاد.

وبعد ذلك شهد لبنان تراجعاً في دور السلطات المحلية، فيما أضافت الحرب الأهلية (1975 - 1990) مزيداً من التعقيدات، مما أدى إلى تمديد ولايات المجالس البلدية حتى عام 1998 واستنزاف مواردها.

عاد لبنان إلى إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية في مايو ويونيو (حزيران) 1998. في هذا الوقت، كانت البلديات تعاني من الحل أو التهميش، ومصادرة العمل والصلاحيات من قبل القوى المسيطرة، إلى جانب المشاكل الراسخة مثل نقص القدرات المادية والبشرية في بلديات الأرياف والمناطق المحيطة. وفي تلك الفترة، كان هناك سعي لمنع إجراء الانتخابات بحجج عديدة، مستندة إلى انقسامات وانشقاقات المجتمع اللبناني. مع ذلك، في السنوات الأخيرة، تعرضت الانتخابات لتأخيرات إضافية بسبب تزامنها مع الانتخابات النيابية في عام 2022، والأزمات المالية والاقتصادية، فضلاً عن الوضع الأمني المتوتر الناجم عن النزاعات في المناطق الجنوبية.

دور البلديات 

في لبنان، تعمل البلديات وفق قانون أُقر عام 1977 وجدد في 1997. المرسوم التشريعي رقم 118 الصادر في 30 يونيو 1977 يعرف البلدية ككيان إداري محلي يتمتع بشخصية معنوية واستقلالية مالية، ويتحكم في شؤونه المحلية ضمن حدوده الجغرافية تحت رقابة الحكومة المركزية.

أما تمويل البلديات، فيأتي عبر الضرائب والرسوم المحصلة محلياً إضافة إلى الدعم الحكومي والقروض. تشمل مسؤولياتها الرئيسة إدارة الصحة العامة، التخطيط العمراني، البناء، الأمن، تنظيم المرور، وخدمات النظافة. تنشأ البلديات بقرار من وزير الداخلية والبلديات، وليس بالضرورة أن تعكس صلاحياتها مساحتها الجغرافية أو الممتلكات. يمكن لعدة بلديات ذات خصائص مشتركة أن تتحد تحت مجلس بلدي واحد.

التمديد وتأثيره على المجتمع

ويمنح النظام الانتخابي المواطنين حق اختيار ممثليهم في المستويات الحكومية المختلفة. ومع ذلك، يؤدي التأجيل المستمر للانتخابات إلى عرقلة العملية الإنمائية ويمنع محاسبة السلطات.

الانتخابات البلدية الأخيرة التي أجريت كانت في عام 2016، ومنذ ذلك الحين، عكرت التأجيلات المتواصلة صفو النظام الإداري، مما أدى إلى تراجع في المحاسبة وفي الخدمات الأساسية كجمع النفايات والإضاءة، رغم تضاعف إيرادات البلديات عشرات المرات. هذا الفشل في تحسين الخدمات رغم زيادة الموارد ينذر بفقدان الثقة بين المواطنين والحكومات المحلية، مما يؤثر على الشفافية والمشاركة المجتمعية.

حالات استثنائية

وأدت المماطلة في إجراء الانتخابات البلدية أيضاً إلى ظهور عديد من الإدارة المحلية الذاتية في لبنان وبرزت مبادرات فردية وجماعية لملء الفراغ الذي تركته الهيئات الرسمية. في ظل الأزمات المتواصلة وغياب الدعم الكافي من الدولة، اتخذت هذه المجتمعات الصغيرة زمام المبادرة لتحسين ظروفها المعيشية، بخاصة في ما يتعلق بالطاقة. على سبيل المثال، تبنت عديد من الأحياء والقرى مشروعات لتركيب الطاقة الشمسية بجهود ذاتية، ساعين إلى تأمين مصدر مستقل ومستدام للطاقة. كما توسعت المجتمعات المحلية في لبنان بتبني دور البلديات، لا سيما في موضوعات مثل مكافحة الحشرات، وهو مجال حيوي يؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة والبيئة. وواجهت بعض المناطق نقصاً في الخدمات البلدية المعنية برش المبيدات للقضاء على الحشرات، مما دفع السكان إلى تنظيم حملات رش مبيدات بشكل ذاتي. هذه المبادرات غالباً ما تمول من خلال جمع التبرعات المحلية أو من خلال تعاون السكان في تغطية التكاليف.

المزيد من تقارير