Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهجرة غير الشرعية في المتوسط من لبنان... الموت فقرا أو غرقا

يستغل تجار البشر هدوء البحر في الربيع والصيف لتسريع رحلاتهم نحو قبرص

ملخص

يختار مئات السوريين واللبنانيين الذهاب في رحلات الهجرة غير الشرعية على رغم خطر الموت. ووزير الداخلية القبرصي يكشف لـ "اندبندنت عربية" عن أعداد الواصلين بحراً.

مُثقلة بالآلام والآمال، تنطلق قوارب الهجرة غير النظامية من سواحل شمال لبنان، باتجاه قبرص التي تبعد نحو 200 كيلومتر في أشهر الشتاء، فيما تشكل إيطاليا منصةً لدخول أوروبا الغربية خلال موسم الصيف وهدوء البحر والعواصف. ويعتبر السوريون الهاربون من ويلات الفوضى، واللبنانيون الراغبون بـ "حياة كريمة" العمود الفقري لتلك الرحلات، فيما يتردد الحديث عن فراغ المخيمات الفلسطينية من فئة الشباب.

قبرص تتحرك وترفع الصوت

بعد مرور خمس سنوات على الهجرة الناشطة، رفعت قبرص الصوت عالياً، مستشعرةً خطورة سقوط لبنان في الفوضى الشاملة، وضعف المؤسسات الأمنية، حيث لا تتجاوز مدة الرحلة من الشاطئ اللبناني إلى السواحل القبرصية الـ 18 ساعة في أفضل الأحوال، ومن شأن الهامش الزمني أن يتراجع في أوقات سكون البحر، والتجهيز الجيد للقارب. وأصبح مؤكداً منذ عام 2022، أن رحلات الهجرة ارتقت من مرحلة المحاولات الفردية إلى العمل المنظم الذي يجني من ورائه "تجار البشر" ملايين الدولارات، مما يؤهلهم لاجتذاب بعض العناصر الرسمية إلى جانبهم، والحصول على مساعدتها لقاء بدل مادي جيد.
أمام هذا المشهد، تحركت حكومة نيقوسيا خلال عام 2023 نحو بيروت، وزار موفدون قبارصة بيروت مرات عدة للحد من هذه الرحلات، وتنسيق العمليات لإعادة ما أمكن من المهاجرين.
وفي مقابلة حصرية مع "اندبندنت عربية"، أكد وزير الداخلية القبرصي كونستانتينوس يوانو "انخفاض عدد طلبات اللجوء الجديدة في قبرص بنسبة 50 في المئة تقريباً خلال عام 2023 مقارنةً بعام 2022، نتيجة لسلسلة من الإجراءات التي نفذتها الحكومة القبرصية". وحذر الوزير القبرصي من ارتفاع عدد الواصلين بحراً، موضحاً أنه "كان هناك انخفاض بنسبة 82 في المئة تقريباً في أعداد المهاجرين غير الشرعيين الواصلين عبر الخط الأخضر من مناطق قبرص التركية (التي لا تعترف قبرص اليونانية باستقلالها عنها)، ومعظمهم من أصل أفريقي، إلا أن هناك ارتفاعاً في عدد الوافدين عبر الطرق البحرية". وأضاف "تقريباً جميع المهاجرين الذين يصلون إلى قبرص عبر البحر هم من السوريين، وينطلقون في رحلتهم إلى قبرص إما من سوريا أو لبنان".

أرقام متزايدة من المرضى 

وكشف كونستانتينوس يوانو عن "تقديم 11617 طلب لجوء جديداً، من ضمنهم 6148 طلباً لسوريين وصلوا عبر البحر. ووفق آخر تحديث في 27 فبراير (شباط) الماضي، وصل 1713 مهاجراً غير شرعي، منهم 1134 سورياً عبر البحر".
وتحدث الوزير يوانو عما أسماه بـ "النهج الجديد" لمعالجة أزمة الهجرة خلال العام الماضي، "ويقوم على سياسة من أربع ركائز تشمل تقليل عدد الوافدين، وتحديث البنية التحتية، وتسريع طلبات اللجوء، وزيادة أرقام العائدين. وخلال هذه الفترة، اتخذنا عدداً من التدابير للتعامل بشكل أفضل مع المشكلة". وعدد المسؤول القبرصي الخطوات المعتمدة، من بينها "مضاعفة عدد العاملين على فحص ملفات اللجوء، وبالتالي النجاح في تقليل الوقت اللازم للبت في كل ملف. وزيادة عدد القرارات، وتقليص إمكانية الوصول إلى سوق العمل، ناهيك عن الترويج المكثف لبرنامج العودة الطوعية مع تقديم حوافز مالية".

نتائج ملموسة

وأدت هذه التدابير بحسب وزير الداخلية القبرصي إلى انخفاض عدد الوافدين، والطلبات الجديدة، مضيفاً "لأول مرة، لدينا معدل إيجابي من حيث المقارنة بين عدد الأشخاص الذين يغادرون قبرص بمن يصلون إلى الجزيرة. وحقيقة، أنه في عام 2023، وصل معدل العودة مقارنةً بالوصول إلى 116 في المئة، أي أن نسبة المغادرين فاقت نسبة الواصلين، وهو أمر لافت. كما تظهر البيانات، أن معدل العودة بالنسبة إلى الوصول في يناير (كانون الثاني) 2024 وصل إلى138  في المئة".

المخاوف مستمرة

وعلى رغم النجاحات التي حققتها قبرص في التعامل مع حركة الهجرة غير النظامية، يستمر الوزير القبرصي في التعبير عن مخاوفه، مشيراً إلى أنه "نظراً إلى القرب الجغرافي بين قبرص وسوريا ولبنان، تواجه قبرص أعداداً كبيرة غير متناسبة من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من المنطقة، مما يشكل ضغطاً على نظام الاستقبال لدينا". من هذا المنطلق، تحدث عن مبادرة داخل الاتحاد الأوروبي، تهدف إلى إعادة تقييم الوضع في سوريا، أو على الأقل مناطق محددة في البلاد، بناءً على حقائق قائمة وتقييم وكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي.

خشية من الحرب في غزة

كذلك عبّر المسؤول القبرصي عن خشيته من استمرار الوضع السيئ في قطاع غزة، مشيراً إلى أن "الوضع في لبنان والأردن ومصر وقدرات تلك البلدان على الصمود في مواجهة عواقب الأزمة في غزة يثير قلقنا البالغ. خصوصاً في ما يتعلق بلبنان، البلد الذي يستضيف أكثر من مليوني نازح سوري، ونتيجة لذلك يكافح للتغلب على المشكلات الناجمة عن الاكتظاظ السكاني للاجئين. ويضاف إلى هذه المخاوف، الوضع الاقتصادي والمخاوف الأمنية الملحة، إلى جانب القدرة المحدودة بالفعل لسلطات البلاد على السيطرة على حدودها"، حيث "تشهد قبرص بالفعل زيادة حادة في عدد الوافدين السوريين المغادرين من لبنان، وبينما لا يمكن أن تعزى هذه الأرقام مباشرة إلى الحرب في غزة، فإنه يجدر الأخذ في الاعتبار حقيقة أن لبنان لديه أولويات أخرى في ما يتعلق بتوزيع موارده لمراقبة الحدود".
من هنا، عبّر المسؤول القبرصي عن اعتقاده بأن "هناك حاجة لتحرك الاتحاد الأوروبي تجاه لبنان، قائلاً "نحن على قناعة كبيرة بأن دعم الاتحاد الأوروبي للبنان يجب أن يتجاوز، من دون تأخير، ما جرى تقديمه بالفعل، لأن خطر تدفقات أكبر من لبنان إلى الاتحاد الأوروبي أصبح وشيكاً"، مضيفاً "نسعى لتعزيز وجود اليوروبول أي وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال إنفاذ القانون، في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، من أجل مكافحة تهريب المهاجرين بشكل أفضل"، معرباً عن إيمانه بأن "التعاون بين اليوروبول والشرطة القبرصية والسلطات اللبنانية ضروري في هذه المرحلة، خصوصاً مع الأخذ في الاعتبار التطورات الجيوسياسية في منطقتنا".

الضحايا في البحر المتوسط

تأتي التحذيرات القبرصية الرسمية في وقت جاءت فحوص الحمض النووي لتكشف مصير بعض الركاب الذين كانوا على متن أحد قوارب الهجرة غير النظامية، انطلق من لبنان نحو قبرص، وعلى متنه 85 راكباً من الجنسية السورية. وتكشف وثائق خاصة حصلت عليها "اندبندنت عربية" إلى أن فحوص الحمض النووي أثبتت أن جثثاً عثر عليها في طرطوس تعود إلى ركاب كانوا على متن القارب المفقود الأثر منذ 12 ديسمبر (كانون الأول) 2023.
وقال المحامي محمد صبلوح الذي يتابع ملف الهجرة غير النظامية إن "الفحوص التي أجريت في سوريا أظهرت تطابقاً بين إحدى الأمهات المدعيات في الملف، وإحدى الجثتين المتحللتين اللواتي عُثر عليها عند شاطئ طرطوس، والتي تعود إلى الشاب محمد أحمد الخصاونة، بعدما شكت بأنه ابنها بعد معاينة ملابسه"، مضيفاً "أعطت الفحوص العائدة لجثث طرطوس مؤشراً حول مصير ركاب القارب الذي يُحتمل أنه غرق، أو تعرض لمشكلات قفز على أثرها صاحبا الجثتين".


وتحدث صبلوح عن شروعه بإعداد "ملف لإجراء فحوص الحمض النووي بناءً على موافقة شفهية من مدعي عام التمييز بالإنابة في حينه غسان خوري"، و"بعد التواصل مع محامٍ تركي متخصص تبين أن هناك حاجة لأخذ عينات من الأهالي في لبنان، وكذلك الحصول على موافقة النيابة العامة التمييزية في لبنان، وإجراء مراسلة قضائية عبر النيابة العامة، إلى السلطات التركية، بسبب الشكوك بوجود الجثث في قبرص التركية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


الجرح المفتوح

ويستمر الجرح المفتوح للناجين وأهالي المفقودين من قوارب الهجرة غير النظامية التي انطلقت من لبنان. وعلى رغم مرور عامين على غرق قارب في 23 أبريل (نيسان) 2022، ما زالت الذكرى حاضرة، إذ لا يتمكن الطفل غازي قدور (13 سنة)، وشقيقه محمد (10 سنوات) من التصالح مع تلك الليلة المرعبة، التي فقدت العائلة في نهايتها، الأم خديجة النمر، والشقيق الأصغر أمير. في ذلك المساء، وقبل أسبوع من عيد الفطر، خرج الركاب صائمون، وقبل موعد الإفطار انطلق القارب من القلمون، ولكنه ما لبث أن تعرض لحادث قبالة جزيرة الرامكين، بعد مطاردة خفر السواحل اللبناني لهم. وبحسب رواية الأهالي "تعرض قاربهم للصدم من طراد الجيش، وغرق خلال ثوانٍ آخذاً معه جثث عشرات النساء والأطفال". وتطرق الطفل غازي إلى الأسباب التي دفعت العائلة إلى مغادرة لبنان، قائلاً إنهم حاولوا الهجرة "بحثاً عن حياة كريمة وطبيعية خارج البلاد".
وروى غازي، "عند السابعة مساءً، انطلق القارب من منطقة القلمون، وكان كبيراً، ومليئاً بالركاب الراغبين بالرحيل، كانوا من فئات عمرية مختلفة"، لافتاً إلى "تواصل مستمر مع والده إلى حين اصطدام القارب بطراد الجيش".
ويسترجع غازي محاولات والدته لإنقاذ أبنائها، قائلاً إن "الأم كانت تحاول جمع أبنائها، وإنقاذهم من الغرق، ولكن ضغط الماء كان أقوى"، و"لم يكن هناك وقت للركاب لارتداء سترات النجاة. لذلك اعتمد الركاب على قدراتهم الذاتية من أجل البقاء على قيد الحياة، فيما أعطى البعض الأولوية للنساء والأطفال، فانتشلني أحد الشباب، ووضعني فوق لوح خشبي".
لم يتصالح غازي بعد مع هذه التجربة، على رغم المساعدة النفسية التي حصل عليها في المدرسة، حيث يستعيد الكثير من المشاهد قبل النوم. لذلك، لا ينصح أحد بتكرار التجربة، "لأن الخسارة كبيرة، لا تقتصر على الماديات، وإنما خسارة الأهل، وأعز الناس".
يبحث الطفل غازي عن الراحة النفسية من خلال رعاية القطط التي يحتضنها في منزله، ويعتقد أنها "تلعب دوراً إيجابياً"، لأنها جزءاً من ذاكرته مع والدته، "التي كانت تحبهم".

رحلة التعافي الطويلة

بعد مرور عام ونصف على غرق قارب طرطوس في 23 سبتمبر (أيلول) 2022، بدأ الناجيان زين حمد (27 سنة) وزوجته دعاء رحلة التعافي من الآثار النفسية لتلك الحادثة، من خلال سفره للعمل خارج البلاد. ويستعيد تلك التجربة القاسية. ويقول إنه "بعدما ضاقت بي الحياة، بحثت عن مهرب إلى الخارج، فعلمت بوجود مهرّب في طور تحضير رحلة إلى إيطاليا لقاء خمسة آلاف دولار للراكب الواحد". وبدأ زين ودعاء بتجميع المبلغ، وتزوجا على عجل للحاق بالرحلة. ومن أجل تأمين البدل، باع الشاب كل ما يملك، "حتى جهاز الحاسوب المحمول الخاص بزوجتي بعناه، ولم يبقَ لدينا شيء، واستدنا فوق ذلك ثلاثة آلاف دولار".
وتابع "في مساء الثلاثاء 23 سبتمبر، وعند العاشرة والنصف، تلقيت إتصالاً مفاجئاً، يطالبني بالتوجه إلى ببنين، وعدم إصطحاب أي شخص غير زوجتي".
عند منتصف الليل، توجه الزوجان إلى منطقة ببنين (شمال لبنان)، وبعد ذلك تم نقلهما بواسطة شاحنة بيك آب إلى منطقة زراعية، ازدحم الركاب، لم يتمكن هؤلاء من الجلوس. بعد ذلك، بدأت عملية نقلهم إلى أحد مراكب الصيادين على جري عادة الرحلات الأخرى.
ولفت زين إلى أن "مركب الصيد حمل قرابة 60 شخصاً من جنسيات مختلفة"، اتضح لاحقاً أنهم فلسطينيون، وسوريون، ولبنانيون، واتجه إلى وسط البحر، هناك انتقل الركاب إلى القارب الأساسي الذي أبحر بهم. وأضاف "مع بدء بزوغ النور، كانت الصدمة، أعداد كبيرة من الركاب في الأسفل، والأعلى، وعلى الأطراف. وبعد فترة قصيرة، بدأت المياه بالدخول إلى القارب، أظهر قائد الرحلة تردداً في مواصلة الإبحار. كنت واقفاً في الأمام، على بعد أمتار من القبطان، كان على إتصال مع المهرب (يقول إنه يدعى أبو علي)، حيث أبلغه أنه لا يريد الاستمرار في الرحلة لأن عدد الركاب كبير جداً، وهناك خطر كبير في حال مواصلتها"، مؤكداً "سمعت المهرب يقول له، لا يمكنك العودة، لقد دفعت 170 ألف دولار ثمن السكة من أجل تجاوز الرقابة الأمنية".
وبعد تعطل المحرك، حاول القبطان تركيب محرك احتياطي يعمل على البنزين، إلا أنه لم يعمل. وما هي إلا دقائق حتى انقلب القارب الذي راح ضحيته نحو مئة راكب، ونجت أقلية من الموت.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير