Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مأساة "قارب طرطوس" تحيي في أذهان أهالي شمال لبنان مشاعر التهميش

"عشرات اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين راحوا ضحايا صورة متخيلة عن الهجرة باعتبارها مثالاً للخلاص من الضيق وشظف العيش"

تعيش مناطق شمال لبنان حالاً من الحزن الشديد على قوافل الضحايا التي لم تكتمل فصولها بعد (اندبندنت عربية)

أيقظت فاجعة "قارب طرطوس" مشاعر التهميش التي يعيشها سكان شمال لبنان، وجاءت هذه الكارثة لتميط اللثام عن معاناة ثلاث شرائح كبرى في لبنان، ممن شكلوا الأغلبية الساحقة من ضحايا قارب الهجرة غير النظامية. لكن الجديد اليوم، هو ما كشفت عنه هذه الواقعة، عن اعتبارها محطة في حركة هجرة جماعية انطلقت منذ سنوات من المناطق الأكثر ضعفاً في لبنان. كما اتسع التيار الداعي إلى إدانة الفاعلين في جرائم الهجرة غير النظامية، من مهربين وسماسرة وأمنيين، وتجاوز مهاجمة الركاب المغرر بهم.
فمناطق شمال لبنان، وبالتحديد مثلث "طرابلس، المنية – الضنية - عكار"، هي الرقعة التي لم تصل إليها سياسات الإنماء والإعمار المتوازن إلا في الوعود والخطابات، لذلك من الطبيعي أن تكون الأكثر تأثراً في زمن الانهيار، والأكثر نقمة على زعاماتها التقليدية والوجوه السياسية الناشئة. ولا تقتصر المعاناة على اللبنانيين، وإنما تتجاوزهم لتصل إلى اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، وكذلك المجنسون الذين لمسوا تمييزاً في المعاملة خلال عمليات تسليم الجثث والعودة إلى لبنان.

ليالي الشمال الحزينة

وتعيش مناطق شمال لبنان حالاً من الحزن الشديد على قوافل الضحايا، التي لم تكتمل فصولها بعد. وينظر هؤلاء بحسرة على أبناء يئسوا، ولم يجدوا لهم مخرجاً إلا الهرب في عرض البحر، وربما نحو المجهول. وشكل قارب سبتمبر (أيلول) 2020، جرس إنذار لخطورة الرحلات المتزايدة. ولكن لم يستجب أحد لذاك النداء، عندما تاه قارب للهجرة في طريقه إلى قبرص، وبقي في عرض البحر لأيام، قبل أن يتسلل الموت بين الركاب ويرحل عدد من الأطفال.
تعيش طرابلس اليوم أصعب أيامها منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، لا ماء ولا كهرباء، الطبابة للأغنياء، والتعليم بالدولار للنخبة، والحركة التجارية معطلة. ويختصر المحامي خالد صبح وضع طرابلس بالقول إن "المدينة التي تركتها الدولة اللبنانية وحيدة لتتدبر مصيرها بنفسها في ظل غياب تام للخدمات العامة. كما أن مدن الشمال تعيش من دون حاضنة سياسية وتنظيمية واضحة لمواجهة الأزمات". وأضاف أن "الأغنياء في المناطق الأخرى أمنوا لمواطنيهم الحد الأدنى من الخدمات للبقاء، أما في الشمال فالأمر غير موجود، الناس قد تموت على أبواب المستشفيات أو في البحر على حد سواء". كما تطرق المحامي صبح إلى "حال من نقص الوعي، تحوم حول الناس الذين يخرجون في البحر، فهم يغفلون عن خطورة الخروج في البحر، وهم لا يعلمون أن الظروف الموضوعية في أوروبا اختلفت بعد الحرب الأوكرانية، فتلك البلدان تتجه أكثر نحو اليمين، ومنح الأولوية لمواطنيها، لا لخدمة الأجانب". ورجح أن "ما يجري مخطط له وليس عفوياً، ولا بد من محاسبة المقصرين ومن يتغاضى عن تلك الرحلات التي تنطلق من سواحل شمال لبنان بمعرفة الأمنيين والرسميين كافة".
وكان لافتاً خلال اليومين الماضيين، مشهد احتفال الشباب في أحد الأحياء الشعبية بقدوم الكهرباء العمومية، بعد أكثر من شهر من الانقطاع، إذ عاد التيار الكهربائي لساعة واحدة في بعض نواحي طرابلس والضنية. في المقابل، شاع مشهد النساء والأطفال الذين يصطفون من أجل تعبئة الأوعية البلاستيكية (الغالونات) بالماء من أجل استعمالها في المنازل بسبب غياب الكهرباء. يؤكد رئيس نقابة مستخدمي وعمال مؤسسة مياه لبنان الشمالي كمال مولود، أن "طرابلس أصبحت أمام معادلة لا كهرباء ولا ماء، بعدما استنفذت مصلحة مياه طرابلس ولبنان الشمالي موازنتها على شراء المازوت لتشغيل محطات الضخ، فهي تحتاج إلى 12 ألف ليتر مازوت يومياً للتشغيل"، وعليه بعد انعدام إمكانية شراء المازوت بجهود المصلحة الخاصة، بات تأمين المياه من محطات الكهرومائية في الليطاني شرطاً أساسياً لتزويد طرابلس بالماء".
ولا تتوقف معاناة طرابلس عند هذا الحد، وإنما تتجاوزها إلى الاشتراكات بالمولدات الخاصة، إذ تبلغ تسعيرة الأمبير الواحد 30 دولاراً، وعلى أعتاب المدارس فإن أجيالاً مهددة بأكملها في طرابلس، كون أغلبية أبنائها يتعلمون في المدارس الرسمية التي ضربها الانهيار في الصميم. كما يشكو المواطنون من أن الحاجات الأساسية غير مؤمنة، ويقول سليمان رب أسرة من 5 أشخاص، "بات الدخل اليومي غير كاف لتأمين الخبز، فسعر الربطة الواحدة أصبح بـ 25 ألف ليرة لبنانية بعدما كان قبل الأزمة عند حوالي 2000 ليرة، والدخل اليومي لأغلب المياومين لا يتجاوز 100 ألف ليرة لبنانية"، لذلك يشعر السائل بصدمة عندما يأتيه الجواب عن إمكان خوض المخاطرة والذهاب في البحر بعد ما حصل، حيث يجزم أنه في حال تيسرت له فرصة للهجرة لن يتأخر، سواء أكان جواً براً أو حتى في البحر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


المخيمات تختنق

اليوم وبعد سنتين، عاد الموت ليطوق الشمال بالحزن، عشرات اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين المقيمين، راحوا ضحايا "صورة متخيلة عن الهجرة" باعتبارها مثالاً للخلاص من الضيق وشظف العيش. وهذا يقودنا إلى الحديث عن عوامل موضوعية تدفع الناس إلى الهجرة، ولا يقتصر الأمر على الفقر، وإنما البحث عن فرصة حياة أفضل والمزيد من التطور المهني. وهذا ما يمكن التماسه في سيرة الفنان الفلسطيني المفقود يحيى وهبة (25 سنة) فهو مصور محترف، ومشارك في أعمال فنية عدة، كما أنه متعهد حفلات، وفق ما يؤكد عمه باسل، إذ يقول إن الشاب "ميسور الحال، وعمله مزدهر، ويمتلك كاميرات بآلاف الدولارات، إلا أنه أراد توسيع عمله". فالشاب العشريني ظن أن الرحيل سيفتح أمامه أبواب رغد العيش، والعمل وفق شروط أفضل، إلا أن البحر كان غادراً بيحيى وآماله. وما ينطبق على يحيى ينطبق على أسامة حسن الذي خرج برفقة زوجته وأبنائه الأربعة، من أجل تعليم منتظم وطبابة مؤمنة وحياة كريمة. ويقول باسل إن أسامة (35 سنة) وهو ابن شقيقته، كان يمتلك عملاً ووضعاً اجتماعياً جيداً، وكان يعمل في البحر، ويمتلك قارباً جديداً بآلاف الدولارات. ولكنه أراد لأولاده مستقبلاً مستقراً. ويضيف باسل "قالوا له في بلجيكا، وباقي دول أوروبا ستجد راحة البال وتؤمن مستقبل أبنائك"، ويلفت إلى أن أسامة "لديه أطفال تتراوح أعمارهم بين العامين والسبعة أعوام، وهؤلاء يحتاجون إلى كثير من الجهد والمال ليكبروا، كما أن الأهل يحاولون تأمين حياة مستقرة وجيدة لأبنائهم وهذا غير متيسر في المخيم".
ويؤكد باسل أن "ظروف مخيم نهر البارد لا تطاق، فقد خرج منه 40 شخصاً في الرحلة الأخيرة وحدها، أغلبهم من المفقودين الذين يحتاجون إلى إجراء فحوص الحمض النووي لاكتشاف هويتهم وجلاء مصيرهم". ويقول "في المخيم لا كهرباء منذ شهرين ولا ماء للشرب، فالماء في المخيم مالحة غير مكررة والبطالة منتشرة، ناهيك عن الظروف الصحية السيئة، وغيرها من المعاناة"، كما أن هناك مهناً عدة يمنع على اللاجئين الفلسطينيين ممارستها في لبنان.

المجنسون واللاجئون السوريين ممنوعون من العودة

حمل قارب طرطوس على متنه عشرات اللاجئين السوريين والمجنسين، منهم حاملو الجنسية اللبنانية، إلا أن اللافت في القصة كان في عدم إعادة جثث هؤلاء إلى لبنان. وتعتبر حادثة الشاب أيمن قباني واحدة من تلك القصص، فالشاب البالغ من العمر 19 سنة، لم يتمكن من العودة إلى لبنان، ويقول صهره بشار إن "أيمن من أم لبنانية وأب لبناني مجنس، إلا أن الوالد توفي منذ حوالى خمسة أشهر"، وخرج الشاب في القارب على أمل تأسيس مستقبل له في أوروبا، إلا أن الموت عاجله. توفي الشاب غرقاً، إلا أنه لم يتمكن من العودة إلى حيث ولد وترعرع في بلدة عيات العكارية". ويضيف "اضطررنا إلى دفنه في حمص، لأن الأمن العام اللبناني رفض انتقاله إلى لبنان بحجة أنه سوري"، وتأسف العائلة لهذا الأمر، لأن الوالدين لبنانيين، والأبناء يستحقون التعامل معهم على أنهم مواطنين. تكررت حادثة الدفن في سوريا مع الشاب مصعب رحمون، حيث ووري الثرى في غياب أمه وعائلته في لبنان، إذ ينتمي هؤلاء إلى محافظة إدلب في الشمال السوري التي ما زالت خارج سلطة النظام، لذلك لم يجرؤ الأهل على التوجه من لبنان إلى مستشفى الباسل، ولكن جاء بعض الأقارب في سوريا ونقلوه إلى الشمال السوري ودفنوه. يؤكد الأهل أنه "خرج من دون علم عائلته. وفي الأيام الأخيرة، ظنت العائلة أنه يمزح عندما جاء على سيرة الهجرة غير الشرعية، ولكنه فعلها وذهب من دون إبلاغ أهله. وعلموا بوفاته غرقاً من صورة جثث انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي". 


طرابلس يئست ولن تثور

تسلل اليأس إلى نفوس كثيرين من أبناء طرابلس، فخيار الهجرة له الأولوية على الثورة، وبالفعل هرب عدد كبير من الناشطين إلى الخارج، لأن آذان المسؤولين صمت عن سماع مطالبهم. وقال الناشط جيمي كرم "كانت طرابلس أول المدن التي نزلت إلى الثورة، وآخر من خرج من الشارع. وقد عانت من الملاحقات الأمنية، والإدانة والمحاكمة في المحكمة العسكرية. شعر الطرابلسيون أنهم خذلوا عندما انسحبت باقي المناطق من الشارع"، لذلك يعلق أحد الشبان الذين نزلوا إلى الشارع واستوطنوا فيها لزمن، "عندما ينزل كل الناس نحن ننزل مجدداً إلى الشارع".

من ناحية ثانية، يجد هؤلاء ضيقاً في أنفسهم بسبب تراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فهم يعتقدون أن الأولوية حالياً هي لتأمين لقمة العيش، وليس للتحركات غير المنظمة. ويؤكد ناشطون أن الحركة دخلت في مرحلة إعادة النظر والتنظيم، لأن "الناس ستتحرك تلقائياً في القريب عندما تحمى الأرض"، وعليه ستتجه الناس لترجمة غضبها ضد الدولة وزعامات المدينة، وما التحركات المتفرقة احتجاجاً على انقطاع المياه والكهرباء إلا مقدمة لما سيحدث.