Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مخاطر إيران على أمننا القومي (الحلقة الثالثة)

دعم حروب الحوثيين الست ومحاولات الفوضى المتواصلة في دول الخليج... أبرز تجاوزات طهران بالمنطقة العربية

الحرب الإيرانية العراقية (ويكيبيديا)

معاناة العراق والسعودية

يُعدّ العراق أول بلد عربي عانى تصدير الخميني لثورته، التي يريد بها إشعال نار الفتنة الطائفية، وإذكاء الاقتتال الداخلي. فقد كان الخميني يردد "إن طريق القدس يمر عبر كربلاء". عبارة صريحة للتدخل الإيراني الصارخ والسافر، ومع تكرار العمليات الإرهابية المدعومة من إيران داخل العراق، اندلعت حرب الثماني سنوات (1980-1988)، التي راح ضحيتها نحو المليون شخص، غالبيتهم من إيران نتيجة الزحف البشري في الهجمات البرية.

وعلى الرغم من أن العراق وافق في أكثر من مرة على وقف الحرب، استجابة إلى المساعي العربية والإسلامية والدولية، فإن الخميني كان يطرح شروطاً عويصة مسبقة، دلالة على رفضه لتحقيق هدف "لجنة المساعي الحميدة". وهكذا استمر الخميني بالإصرار على موقفه في مواصلة الحرب، حتى "تجرع السّم" عند إعلانه الموافقة على وقف إطلاق النار، اعترافاً منه بالخسارة المريرة، فخرج العراق منتصراً على إيران.

وكذلك عانت السعودية في سنوات الحج، خصوصاً ما بين (1984-1987)، من النهج في تصدير الثورة الإيرانية الطائفية، حيث يقوم الحجاج الإيرانيون في تظاهرتين: الأولى في المدينة المنورة يطلقون عليها "تظاهرة الوحدة"، والأخرى في مكة المكرمة تحت اسم "تظاهرة البراءة من المشركين". فالحجاج الإيرانيون يعملون بما يأمرهم الخميني الذي لا يفصل الدين عن السياسة، وبذلك لا تنفصل عبادية الحج عن أهدافه السياسية الأخرى، التي شرعها الإسلام من أجل مصلحة الأمة.

ولقد نبهت السلطات السعودية وقتذاك، عبر الدكتور إبراهيم العواجي وكيل وزارة الداخلية في لقائه مع ممثل الخميني في الحج مهدي خروبي، على الالتزام المطلوب في التظاهرة، وإلا سيتم التصدي للمتظاهرين. بيد أن الذي حدث في مكة، يوم الجمعة المصادف 31 يوليو (تموز) 1987م، الموافق 6 ذي الحجة 1407 ه، أن خرجت تظاهرة الحجاج الإيرانيين عن مسارها السلمي بإشعال البلبلة والفوضى والاضطراب بين الحجاج، واصطدمت باشتباكات مع قوات الأمن والشرطة، فسقط عدد كبير من الضحايا بين قتيل وجريح، إذ بلغ عدد القتلى 402 شخص، منهم 275 إيرانياً، و85 شرطياً سعودياً، و42 من جنسيات متنوعة.

وفي عهد علي خامنئي (1989-)، ازدادت التدخلات الإيرانية الطائفية بالساحة العربية على نحو أوسع وأغلظ من ذي قبل. فمن خرق اتفاقية 1971 بين إيران والإمارات، وضم جزيرة أبو موسى عنوة في 1992، إلى التعاون مع المحتل الأميركي لغزو العراق في 2003، مروراً بدعم حروب الحوثيين الست ضد السلطة في شمال اليمن ما بين (2004-2010)، إلى تحقيق الحوثيين بانقلابهم على السلطة الشرعية في 2014، ومستمرون في غيهم وقتالهم لغاية الآن، والإسناد الكبير إلى "حزب الله" في جنوب لبنان، بذريعة دعم المقاومة، الذي بلغت سطوته أن احتل العاصمة بيروت، وفرض وجوده المسلح في 7 مايو (أيار) 2008، ومساعدة الانقلاب الفاشل للطائفيين في البحرين في 2011، وصولاً إلى استمرار مساندة النظام الدموي السوري بقمع ثورة الشعب منذ العام 2011، وما إرسال عناصر "فيلق القدس" الإيراني، والمجاميع الطائفية المسلحة من العراق واليمن ولبنان وأفغانستان وباكستان للمشاركة في قتل الثوار وتدمير المُدن السورية، إلا دالة جلية على مدى تعاظم المشروع الإيراني الصفوي، وما يشكله من مخاطر جبارة على الأمن القومي العربي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لماذا الإدغام الصفوي بآل بيت النبوة؟

قبل ذي بدء، ينص علماء المسلمين السُّنة على أن محبة آل البيت النبوي واجب على كل مؤمن ومؤمنة. وآل البيت هم بنو هاشم: علي بن أبي طالب وولده وذريته، وفاطمة وولدها وذريتها، والحسن والحسين وأولادهما وذريتهما، وجعفر الطيار وولده وذريته، وحمزة وولده، والعباس وولده وذريته رضي الله عنهم جميعاً.

إلا أن الصفوية قد حصرت عدد آل بيت النبوة بدائرة ضيقة، تتحدد وفق مفهومهم في "فاطمة وأبيها، بعلها وبنيها". وبغض النظر عن جعل المركزية في الابنة، وليس في الأب النبي صلّى الله عليه وسلم، ولا الزوج السابق بالإسلام خديجة؛ ولا حتى بقية زوجات النبي وذريته؛ وكذلك زوجات علي وذريته، رضي الله عنهم أجمعين. فإن الغاية الصفوية من هذا التقليل العددي أن يمهدوا لأنفسهم مدخلًا يزعمون فيه انتسابهم بالولاء الروحي إلى آل البيت من جهة. ومن جهة أخرى، يستغلون الخلاف السياسي التاريخي على الخلافة كنزاع ديني مذهبي متواصل عبر الأزمنة والأمكنة، إذ يفرقون فيه وحدة الصف الإسلامي. وبذلك يخلقون وضعاً سلبياً مزمناً تجاه العرب والعروبة نهجاً وفكراً. 

وهكذا تجد هناك الكثير من العمائم الإيرانية السوداء، التي تنتسب إلى البيت النبوي العربي بالحجة السالفة الذكر، أي الانتساب بالولاء. إذ يزعمون أنهم "سادة" بالكرامة والأحقية، كونهم حافظوا ودافعوا عن أحقية فاطمة الزهراء رضي الله عنها. على الرغم من أن رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام يقول، "لعن الله الداخل فينا بغير نسب، والخارج منا بغير سبب". وفي حديث آخر يقول صلّى الله عليه وسلم "مَنْ انتسب إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".

في الواقع إن الصفوية التي مهدت لنفسها الانتساب الباطل إلى البيت النبوي، ومنها إرجاع شيخهم صفي الدين الأردبيلي إلى نسب الإمام موسى الكاظم (128-183 ه) رضي الله عنه، على الرغم من أنه نسب مشكوك فيه. كما أن تداعيات الفترة المظلمة بعد سقوط بغداد في (656 ه-1258 م) على يد المغول التتار، قد ساعدت بدورها على خلق الثغرات، التي دخل من خلالها ضعاف النفوس الطامعين بتحصيل المال أو نيل الجاه أو السيطرة الروحية، فادّعوا انتسابهم لأهل البيت. ففي عصور الدولة العباسية كانت "نقابة الأشراف" مسؤولة عن التسجيل والتدوين والمعاش والمتابعة لجميع أنساب أهل بيت النبوة، أينما كانوا موجودين. لكن بعد زوال الدولة العباسية، والدمار الذي لحق بكل شيء، إذ تعرضت "نقابة الأشراف" إلى نكبات وتفتت، وهاجر أغلب الأشراف إلى الشام ومصر وتركيا. وخصوصاً في الفترات الثلاث للاحتلال الصفوي إلى بغداد ما بين (1508-1523)، و(1529-1534)، و(1623-1639). إذ تم تشتيت الأشراف، ودمروا جامع الكيلاني، ومدرسته ونقابة آل الشيخ عبد القادر الكيلاني، التي آلت إليها رئاسة النقابة.

ولقد أعاد السلطان العثماني سليمان القانوني (1494-1566) بناء الجامع والمدرسة، وأقر الأسرة الكيلانية في رئاسة نقابة الأشراف في بغداد. كما أن سليمان القانوني شن الحملات ضد الدولة الصفوية، بعدما حقق الانتصارات في أوروبا. (عهد سليمان القانوني، 1987) طبعة بالإنجليزية.

إلا أن آثار الصفويين الطائفية بقت متواصلة في إيران، حيث ظهرت حركات دينية خرجت عن الإسلام، مثل البابية والبهائية؛ ومؤسس الحركة البابية هو علي محمد الشيرازي (1819-1850)، الذي ادّعى في عام 1844 بأنه "الباب" إلى "الإمام الغائب" محمد بن حسن العسكري. وبعد فترة ادعى بأنه هو نفسه الإمام محمد المهدي المنتظر. ثم وصل للقول بأنه "نقطة" في الوحي الجديد من الله. فهل لآل البيت النبوي خصلة ما من سلوكية هذا الشيرازي الدّعي. عموماً "كانت البابية على الأرجح متأثرة بالأفكارة المسيحية". (إيران، الدين والسياسة والمجتمع، ص17، 2005). طبعة بالإنجليزية.  

أمَّا مؤسس البهائية حسين على النوري (1817-1892)، نسبة إلى إقليم نور في مازندران، المُلقب باسم "بهاء الله"، فقد كان من أتباع البابية، لكنه أعلن في 1866 بأنه هو المقصود في بشارة الباب "لمن يظهره الله"، فادعى النبوة، وأنكر أن محمداً خاتم الأنبياء والمرسلين، وأتى بتعاليم وأفكار تشتت صف المسلمين وتثبط عزائمهم، ومنها "تحريم الجهاد وحمل السلاح وإشهاره ضد الكفار الأعداء". فحسب معتقده، إنه "يؤمن أولاً في وحدانية الله. وثانياً في وحدة الجنس البشري. وثالثاً في وحدة جوهر الدين". (العقيدة البهائية، ظهور الدين العالمي، ص 74، 2002)، طبعة بالإنجليزية.

بيد أن معتقدات بهاء الله برمتها، ساعدت على تقوية الاستعمار الأوروبي للبلدان العربية والإسلامية، وأسهمت دعوته أيضاً بنشاط الماسونية والصهيونية في بعض البلدان العربية. كما أن أتباعه لا يحجون إلى مكة المكرمة، بل إلى قبره بمدينة عكا في فلسطين.

بلا ريب، إن الادعاء بالنسب لآل بيت النبوة، كان وما زال له أسبابه، سواء بدوافع التسلط الروحي أو السياسي أو كلاهما معاً، كما في نظام الملالي الحالي في إيران، وأبعاد السلطة المطلقة لدى "الولي الفقيه"، التي أرساها الخميني في الدستور الإسلامي الإيراني. إن الذي يهمنا هنا ليس فقط رؤية ومفاهيم الخميني الدينية السياسية، بل إن الخميني وخامنئي وخاتمي وغيرهم من ذوي العمائم السوداء، التي يدل لونها على النسب الطاهر الشريف، سواء أكان نسباً عائلياً، أو نسباً روحياً من خلال الولاء كما يزعمون، فمن المفروض منهم جميعاً أن يعكسوا في سياساتهم القيادية أسمى آيات الانتساب لآل البيت. سواء بالعمل على وحدة المسلمين، أو نبذ كل ما يدعو إلى التناحر والتضاد، أو تقوية العروبة بالتلاحم مع العرب ومناصرتهم في المحافل الدولية.

فهل حصل العرب الأحواز على استقلالهم؟ أو حتى تمتعوا بحُكم ذاتي يقودون فيه شؤون بلدهم المغتصب منذ العام 1925. وهل أرجع "السادة الأشراف" جزر الإمارات الثلاث، التي احتلها الشاه محمد بهلوي منذ العام 1971؟ وهل تم هدم قبر أبو لؤلؤة المجوسي في دولة الحُكم الإسلامي؟ وهل أُطفأت حكومة "ولاية الفقيه" نار المجوس في معابدهم الوثنية؟ وهل الملالي الحاكمون سمحوا في تشيد مسجد سنّي واحد في طهران أو أصفهان أو شيراز؟ هذه وغيرها الكثير من الأسئلة، التي تبرهن أجوبتها على أن النظام الديني السياسي في إيران يحذو على منوال الدولة الصفوية الطائفية.

إن مقارنة أفعال الحُكام الملالي تتطابق مع أفعال الحُكام الصفويين. وبمقارنة النقاط الثماني التي سردناه عما فعله عباس الصفوي في بغداد، وما يفعله اليوم الصفويون الجُدد الذين زادوا على أجدادهم بالإرهاب وبالإعدامات الجماعية وبالسجون السرية، والاغتيالات والاختطافات والمفخخات والتهجيرات. هذا إن لم نتطرق إلى تكرار نفس الصوّر الصفوية المتواصلة في سوريا منذ 2011 وحتى الآن، استناداً إلى الحكم الذي أصدره علي خامنئي بالجهاد لصالح النظام السوري.

وعليه، فإن إدغام العمائم الصفوية السوداء بآل بيت النبوة، غرضه الخفي يكمن في بث النفوذ الروحي المصطنع، وخلق تأثير سلبي على الواقع العربي سياسياً واجتماعياً بغية إخضاعه للمشروع الصفوي، الذي في ظاهره يدعو إلى إقامة دولة الإسلام الحضارية، وفي باطنه أحلام إعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية.

المزيد من آراء