Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مخاطر إيران تجاه أمننا القومي (الحلقة الثانية)

علاقة اليهود بالفرس المجوس تعود إلى عهود الأخمينية والساسانية... لذا ليس مستبعداً أن تتمكن هاتان الجهتان بشكل خفي من صناعة القرار السياسي الصفوي

أسس الخميني نظاماً دينياً سياسياً يستمد أصوله من التشيع الصفوي الذي يجمع بين السلطتين الروحية والزمنية (أ.ف.ب.)

في عهد عباس الصفوي (1588- 1629) ازداد الاضطهاد والتعسف الطائفي بشكل مريع، ولقد نال العراق الحيز الأكبر منه. فعندما توجه عباس صوب بغداد في العام 1624، أعطى الأمن والأمان للبغداديين شريطة أن يسلّموا أسلحتهم، وما إن فعلوا حتى غدر بهم، فأخذ يسفك الدماء ويهتك الحرمات بلا هوادة. وخرّب الجوامع ونهب المراقد، ومنها مرقدي أبو حنيفة وعبد القادر الكيلاني.

وكذلك حوّل المدارس الدينية إلى "إصطبلات". وبما أن معظم أهل بغداد فضّلوا الموت على أن لا يغيّروا عقيدتهم بالتشيع الصفوي، لذلك كان الهلاك نصيبهم، وأخذ أطفالهم ونساءهم وباعهم كعبيد إلى إيران، ولم يُعرف لهم خبر، وكان ينوي إبادة "أهل السُّنة" في بغداد، فطلب من سادن كربلاء أن يعد قوائم حول هذا الشأن، واستمر على هذا المنوال بعد سيطرته على الموصل وكركوك ومعظم مناطق البلاد، وإمعاناً منه في النهج الطائفي المقيت والتفريق بين وحدة المسلمين، فقد حجّ إلى النجف وكربلاء وعمّرهما، وأغدق على علمائهما بسخاء، ثم عاد إلى إيران في العام 1628، بعد أن ترك 5 آلاف جندي تحت إمرة القائد الفارسي صفي قلي خان، لحماية الأضرحة والمراجع الدينية.

كان هجوم عباس الصفوي على بغداد وبقية المناطق العراقية بسبب انهماك العثمانيين في حروبهم بأوروبا، والنمسا والمجر (هنغاريا). فالدولة الصفوية كانت على توافق وتعاون مع دول غرب أوروبا ضد الدولة العثمانية. ويرى بعض الباحثين الغربيين أن "أحد أهم الفصول الممتعة في تاريخ إيران بعد الغزو المغولي صلتها بالغرب، وكانت الأسباب الرئيسة سياسية واقتصادية، وفيها مغازي دينية وثقافية أيضاً". (إيران وأميركا الحُبّ المفقود، ص 180، 2005)، طبعة بالإنجليزية.

ومما نود ذكره هنا، أن تطابق السلوكية الممنهجة التي مارسها ويمارسها النظام الطائفي الإيراني في العراق، ليست أكثر من صور مكررة لِما عمد إليه عباس الصفوي في احتلاله بغداد، حيث فعل بأهل السُّنة ما يلي:

1- تصفية كبار رجال الدولة من السياسيين والموظفين.

2- تصفية القادة العسكريين.

3- تصفية علماء الدين السُّنة.

4- قتل الرجال والشباب.

5- اغتصاب النساء والفتيات.

6- الاستيلاء على أموال وممتلكات أهل السُّنة.

7- شراء ذمم شيوخ بعض العشائر العربية.

8- نشر التشيع في وسط وجنوب العراق بالترغيب والترهيب.

أما في عهد السلطان حسين (1694- 1722) فقد ضرب التعصب الطائفي أطنابه، مما دفع بأهل السُّنة في قندهار أن يرسلوا وفداً رفيعاً إلى أصفهان، يشكون الظلم والضيم والطغيان، فقال لهم السلطان حسين "إننا نُؤجر ونُثاب بإذلالكم يا أيها الخونة، اغربوا عن وجهي"، فعاد الوفد خائباً. فاشتدّت الممارسات الصفوية الطائفية بالقهر والفساد واستباحة الممتلكات والأموال، مما دفع بثورة "القبائل الغلزوية" والكثير من المناطق الأفغانية ضد التسلط الصفوي الجائر. ولقد قاد هذه الثورة الشعبية ميرويس الغلزوي، مدعوماً بفتاوى من علماء الحجاز بمكة المكرمة، حيث تجيز لهم الخروج على الطغمة الظالمة المستبدة.

وما أن حقق الأفغان الانتصار بثورتهم في 1119هـ - 1719م، حتى بدأوا الزحف نحو أصفهان وأسقطوا الدولة الصفوية في 1722. وبعد فترة من خلع السلطان حسين، أٌعدم في العام 1726، واستمر من بعده أربعة سلاطين صفويين لا يمتلكون من السلطات السياسية شيئاً، سوى الرمزية التي تلاشت نهائياً في 1785. ومع زوال الدولة الصفوية خفّت حدة الطائفية وسياستها الممنهجة ضد العرب والمسلمين السُّنة.

وإذا كانت الظروف الداخلية جعلت إيران هادئة تجاه جيرانها العرب، فإن الأساطيل البحرية العسكرية العربية في سلطنة عُمان وإمارات الساحل لعبت دوراً بارزاً في تلك المرحلة، سواء ضد الوجود البرتغالي أو الإيراني، حيث فرضت وجودها العسكري على ضفتي الخليج العربي ردحاً من الزمن. (مختصر التاريخ السياسي للخليج العربي، 2012).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا، ومن اللافت للنظر أن أخطر ملوك الدولة الصفوية، كانت أعمارهم في استلام السلطة لا تتناسب وما أقدموا عليه من سلوكية دموية فتاكة بقتل المسلمين، بحجة فرض التشيع الإمامي. وكذلك في مخططاتهم السياسية والعسكرية، التي تتطلب حنكة ودراية وخبرة وممارسة على الصعيد الشخصي. إذ كيف لـ"إسماعيل" أن يؤسس دولة بقوة السلاح وهو لم يكتمل نضجه العقلي والجسدي؟ وكيف لـ"عباس الأول" أن يضبط الفوضى العارمة في إيران ويسفك الدماء بوحشية رهيبة وهو أقرب إلى سن المراهقة؟ بل كيف تسنى لعباس أن ينقل "ولاية الفقيه" من التنظير إلى التطبيق ليمتلك "نائب الإمام" في السلطتين الروحية والزمنية؟ ولماذا كان التركيز على دعوة علماء العرب الشيعة والإغداق عليهم بالمال والمناصب، ثم اضمحلوا بعد استتباب التشيع الصفوي؟

هذا يعني أن هناك قوة متوارية خلف الستار هي التي ترسم الخطوط البيانية للدولة. وبما أن الشعوبية الفارسية مستمرة الجذر بإيران، وأن علاقة اليهود بالفرس المجوس تعود إلى عهود الأخمينية والساسانية، لذا ليس مستبعداً أن مدّت هاتان الجهتان أحابيلهما لتتمكنا بشكل خفي من صناعة القرار السياسي الصفوي. كما أن تاريخهم العدائي للعرب وللمسلمين من جهة، والتعاون الصفوي مع أوروبا ضد الخلافة العثمانية من جهة أخرى، علاوة على منهجية البطش والتنكيل والحروب داخل العالم الإسلامي، التي اتبعتها سياسة الدولة الصفوية، تؤكد لنا وجود تلك الصلة الخفية المتوارية عن الأنظار، والموجودة أفعالها على أرض الواقع.

انظر إلى هذه الطرفة وتمعن في أبعادها، في إحدى المراسلات بين الملك الصفوي إسماعيل الأول والسلطان العثماني سليم الأول، بعث الأخير رسالة معها خرقة ومسبحة وكشكول وعصا، ليذكّره بأصله الصوفي وطريقة جده الصوفية. فأرسل له الملك الصفوي هدية عبارة عن علبة ذهبية مليئة بالأفيون، قائلا "أعتقد أن هذا الخطاب كُتب تحت تأثير المخدر". 

جمهورية الملالي (1979-)

على الرغم من أن السياسة الطائفية الدموية التي اتبعتها الدولة الصفوية قد ولّت، إلا أن إحياءها تجدّد على يد زمرة العمائم الحاكمة في إيران. فالثورة الشعبية العارمة التي انفجرت في 1978، واستمرت حتى أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي (1941- 1979)، قد جاءت بالخميني (197- 1989) إلى السلطة، وأزاح هو بدوره جميع معارضيه السياسيين، وحتى منتقديه من داخل دائرته. إذ "كانت العشر سنوات من حُكم الخميني، بارزة بتصاعد سلطة أتباعه وتسقيط الآخرين، غالباً ما تكون بالعنف، رغم مقاومة المجاميع المعارضة له، فضلا عن ازدياد هيمنة الإلزام التنظيري الفكري والسلوكي على السكان". (جذور إيران الحديثة ونتائج الثورة، ص 241، 2006)، طبعة بالإنجليزية. 

ولقد أسس الخميني نظاماً دينياً سياسياً يستمد أصوله من التشيع الصفوي، الذي يجمع بين السلطتين الروحية والزمنية. وهذا ما يخالفه عليه التشيع العربي، الذي يفصل ما بين الدين والسياسة. وحسب مفهوم الخميني "إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي (ص) منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا". (الحكومة الإسلامية، ص 49).

ويشير الخميني إلى أن هذه الولاية لا تخصّ المنزلة الخاصة بالنبوة والأئمة، بل هي اعتبارية عقلانية تخصّ "الوظيفة العملية" فقط. لكن في هذا الجانب العملي أو التطبيقي لشرع الله، الذي يكون فيه الحاكم منفّذاً لأمر الله وحكمه، فإن هذا الحاكم قد يكون "نبياً أو إماماً أو فقيهاً عادلاً".

ويوظف الخميني الحديث الشريف "العلماء ورثة الأنبياء"، بطريقة يرى فيها أن التوريث لا يقتصر على العلم والحديث، بل إن الولاية قابلة للانتقال والتوريث أيضاً. كما أن هذا الوضع ليس مفتوحاً لجميع العلماء أو الفقهاء، وإنما يختص بها مَنْ ثبتت له الولاية قبل غيره. وعليه، لا يجوز "لأحد من الفقهاء الدخول فيما دخل فيه فقيه آخر لذلك". لكن هذا تبرير أكثر منه تحليل، لكيلا يتزاحم الفقهاء على الرئاسة أو الولاية، ويتصدى بعضهم لبعض. كما أنه المسلك الذي اختطّه الخميني لنفسه، إذ حاز على الولاية بالتصدي، رغم وجود غيره من الفقهاء "الوارثين للأنبياء"، بيد أنها تنتقل إلى غيره بالانتخاب من قِبل "مجلس الخبراء"، وهذا ما جرى مع خامنئي ومَنْ سيأتي من بعده؛ وهكذا دواليك حتى ظهور الإمام الغائب منذ 1185 سنة تقريباً.

ويرى الخميني أيضاً أن صلاحيات الوليّ الفقيه مطلقة على البلاد والعباد. وفي تاريخ 31 ديسمبر (كانون الأول) 1988، بعث الخميني برسالة إلى خامنئي، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس الجمهورية، يشرح له فيها تصوراته عن الأطر والصلاحيات الواجبة لدى الولي الفقيه. ولقد أُدرجت هذه الرسالة في الدستور الإيراني، فيما بعد. ومما يذهب إليه الخميني، إذا "كانت صلاحية الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية، لوجب أن تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى نبي الإسلام (ص)، وأن تصبح بلا معنى... ولا بدّ أن أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله (ص) المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج... إن الحكومة تستطيع أن تمنع مؤقتاً في ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك، أن تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية. وما قيل حتى الآن، وما قد يقال، ناشئ من عدم معرفة الولاية المطلقة الإلهية".

ومن الأمور التي اهتمّ بها الخميني في سياساته الخارجية تصديره للثورة. وما إن جاءت مناسبة الذكرى السنوية الأولى، حتى أصدر الخميني بياناً في 11 فبراير (شباط) 1980، جاء فيه "إننا نعمل على تصدير ثورتنا إلى مختلف العالم، لأنها ثورة إسلامية. فما دامت صرخة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) لا تدوي في المعمورة، فالصراع موجود. وحيث وجد الصراع ضد المستكبرين في أية نقطة في العالم، فنحن موجودون". (تصدير الثورة كما يراه الإمام الخميني، ص 14، بلا تاريخ).

على الرغم من أن مناطق المسلمين في جمهوريات الاتحاد السوفييتي كانت أولى بتخليصهم من النظام الشيوعي "الملحد"، إلا أن "تصدير الثورة" لم يتجه نحو الشمال الإيراني، بل صوب الجنوب، حيث البلدان العربية المسلمة أصلاً. وبما أن النظام الديني السياسي، الذي شيّده الخميني، ينظر إلى الإسلام والمسلمين من أفكار ومفاهيم صفوية العقيدة والتفكير، لذلك أباح لنفسه ولنظامه التدخل في شؤون الدول العربية، من منطلق طائفي بغيض، يفتت به عضد التماسك الوطني والنسيج الاجتماعي. وهذا ما جرى، فيما بعد، من تدمير في العراق وسوريا واليمن، والانقلاب الفاشل في البحرين، وخلية العبدلي في الكويت، وسيطرة حزب الله في لبنان، وما تم كشفه من تحركات سلبية طائفية في مصر والجزائر والمغرب والسودان، والإرهاب الذي ضرب السعودية والأردن وغيرها. 

إن "الثورة الإيرانية مشدودة الصلة بالمذهب الشيعي، ليس عبر مجموعة الكتابات، بل كتاريخ. إذ إن هوية المذهب الشيعي في إيران تعكس العملية التاريخية، التي ظهرت في مرحلتين: الأولى في اعتناق إيران للمذهب الشيعي تحت الحُكم الصفوي خلال القرن السادس عشر الميلادي، والأخرى عدم قبول الأقليات الشيعية الأجنبية إلى الأيرنة المفروضة، بإقرار متقدم في التسيّد الإيراني، والنفوذ ومركزية رجال الكهنوت، وفي هذا الشأن تُعدّ هذه بدعة كبيرة بالنسبة إلى المذهب السُّني". (فشل الإسلام السياسي، ص 168، 1994)، طبعة بالإنجليزية.

للحديث بقية...

المزيد من آراء