المصري محمد عطا... مهندس "هجمات سبتمبر"

التقى قيادات القاعدة بأفغانستان وقاد مجموعة مكونة من 4 أفراد... ورُفعت عنه المراقبة الأميركية قبل الحادث بعامين

يسأل أحد العاملين على جهاز المراقبة بهيئة الطيران المدني الفيدرالي: "هل هذه الرحلة رقم 11 على أميركان التي تحاول الاتصال؟" ليرد "شخص ما" لم تُعرف هُويته حينها بعد من قمرة الطائرة: "لدينا بعض الطائرات. فقط حافظوا على هدوئكم وسنكون بخير. نحن عائدون إلى المطار"، يسأل الموظف ذاته سؤالاً آخر: "من يحاول الاتصال بي هل الرحلة رقم 11؟". لحظات وتتغير لهجة مستقبل الرسالة، وتتصاعد تحذيراته لركاب الطائرة: "لا أحد يتحرّك. سيكون كل شيء على ما يرام. إذا حاولتم أن تقوموا بأي حركة ستؤذون أنفسكم وكذلك الطائرة. فقط ابقوا هادئين. حدثت بعض التغييرات وسنعود إلى مطار بورتلاند".

هكذا كان الحوارُ بين محمد عطا مع مسؤول المراقبة الجويَّة قبل لحظات من ارتطام "الطائرة المختطفة" من طراز (بوينغ 767) المتجهة إلى بوسطن، وتحمل رقم رحلة 11 لشركة أميركان إيرلاينز، التي اترطم بها عطا ابن الـ33 عاماً، في تمام الساعة الثامنة و46 دقيقة صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك، وفق ما أظهرت التسجيلات الرسميَّة لقمرة القيادة من قبل السلطات الأميركية.

دقائق وينهار المبنى، وكذلك توأمه الملاصق له، وآخر أقل طولاً يحمل الرقم "7"، لتدرك السلطات الأميركية أنها تحت رحمة "هجمات إرهابية غير مسبوقة"، تتهم على إثرها تنظيم القاعدة وخلية مكونة من 19 شخصاً، وفي صدارتهم يتردد اسم محمد عطا أو محمد الأمير، القادم من مركز بيلا بمحافظة كفر الشيخ (شمالي مصر)، مروراً بإحدى المناطق النائية بشارع الهرم بمحافظة الجيزة (غربي القاهرة)، وصولاً إلى هامبورغ الألمانية حتى آخر محطات حياته، مهندساً ومنفذاً لأحد أكثر العمليات الإرهابية التي تغير معها وجه العالم، وفق توصيف كثر، هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 ضد برجي التجارة العالمي في نيويورك، فمن يكون محمد الأمير أو "أبو عبد الرحمن المصري"، وفق كُنيته بين رفاقه في تنظيم "القاعدة"؟

الشغف بالعلم

حسب شهادة ميلاده المصريَّة، ولد محمد محمد الأمير عوض الساجد عطا في محافظة كفر الشيخ بدلتا مصر (شمال) في الأول من سبتمبر (أيلول) عام 1968، واستمرَّ بها سنوات قليلة، قبل أن ينتقل رفقة أسرته إلى حي العمرانية بشارع الهرم محافظة الجيزة (غربي القاهرة).

عُرف عن عطا تفوقه العلمي، وتعلَّم اللغة الإنجليزية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، ثم أتبعها بالألمانية بمعهد "جوته"، بعد تخرجه في كلية الهندسة قسم العمارة بجامعة القاهرة عام 1990.

على مدار العامين التاليين، وفق ما رواه والده محمد الأمير، الذي كان محامياً وناصري الهوى، (من محبي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر)، وظلَّ متمسكاً بنفي أي تهمة أو مسؤولية عن نجله إلى أن رحل قبل سنوات.

"في خضم تعلُّمه اللغة الألمانية، قرر نجله المحب الحياة والشغوف بالتعلم السفر إلى ألمانيا لاستكمال دراسته"، حيث وصل الأخير إلى مدينة هامبورغ الألمانية في الـ24 من يوليو (تموز) 1992.

وفي هامبورغ التحق عطا بالجامعة الفنية بحي هاربورغ، واُشتهر فيها باجتهاده والتدقيق في التفاصيل، ودرس التخطيط العمراني للمدن، وما لاحظه زملاؤه وأساتذته هو حرصه على أداء الصلوات، وحال مصادفتها وقت المحاضرات يقرر الاستئذان والخروج، حسب رواية أستاذه بالجامعة الألمانية ديتمار ماخوله.

وفي سنواته الأولى بهامبورغ، استضافته أسرة ألمانية في منزلها للعيش، لكنه ضاق بهم، وهو من حرص على تجنُّب مشاهدة التلفاز، حتى اضطر إلى الانتقال لبيت الطلاب في المدينة ذاتها في يوليو (تموز) 1993. وبموازاة دراسته التحق بإحدى شركات التصميم الهندسي لكسب قوت يومه.

دار الأنصار

وفي العام 1994، سافر عطا إلى إسطنبول، ومنها توجّه إلى حلب، لدراسة تخطيط منطقة خارج باب النصر، التي مثَّلت أساساً لأطروحته في رسالة الماجستير، وأنهى تلك الدرجة بعد 5 سنوات، قبل أن يسافر بعدها بعامٍ إلى السعودية لأداء فريضة الحج، وعاد إلى هامبورغ بهيئة جديدة ومهذب اللحية.

يقول "ماخوله"، في أكثر من حديث في أعقاب أحداث سبتمبر (أيلول)، "أصبحت تحركات عطا بعد عودته الأخيرة إلى هامبورغ غريبة، بدأها بتأجير منزل في المدينة بالشراكة مع اثنين من القاعدة هما (رمزي بن الشيبة وسعيد بحاجي)، وسمّوه (دار الأنصار)، وهو ما يشبه في مسماه (بيت الأنصار)، الذي أسسه زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في مدينة بيشاور الباكستانية".

تحول نحو التطرف

في الفترة ما بين 1997 - 1998 غاب عطا شهوراً عدة عن هامبورغ، دون أن يعلم أيٌّ من المقربين منه السبب، إلا أن التحقيقات الأميركية كشفت فيما بعد أنه تردد أكثر من مرة على أفغانستان، إذ التقى قيادات القاعدة، وعلى رأسهم أسامة بن لادن، وذلك بمساعدة من رمزي بن الشيبة منسق هجمات سبتمبر (أيلول)، وكُنِي حينها بين أقرانه في القاعدة بـ"أبو عبد الرحمن المصري".

وبعد عودته الأولى من أفغانستان، طلب عطا من إدارة جامعته الألمانية في العام 1999 تأسيس جماعة إسلامية، وتخصيص غرفة للصلاة، وهو ما لباه مسؤولو الجامعة، ليتوجه بعدها مع زميله في القاعدة مروان الشحي إلى أفغانستان.

وبعد زيارته الثانية لأفغانستان، عاد عطا إلى هامبورغ، واستخرج جواز سفر جديداً، وفي صيف العام 2000 رافق الثنائي مروان الشحي وزياد جراح زميلهما محمد عطا إلى فينيسيا غربي فلوريدا، بالولايات المتحدة الأميركية، بغرض الالتحاق بمدرسة "هوفمان" لتعلم قيادة الطائرات، التي تدرب فيها عطا على الطائرة متعددة المحركات على مدار 5 أشهر، وحصل على رخصة القيادة في الـ21 من ديسمبر (كانون الأول) 2000.

حسب التحقيقات الأميركية عن عطا، ازدادت تحركات الأخير مع بدايات العام 2001، إذ سافر من الولايات المتحدة إلى العاصمة الإسبانية مدريد، ومنها إلى برلين، قبل أن يعود إلى ميامي أياماً معدودة بعدها.

وقبل أشهر من الهجمات، أصبح محمد عطا هو المسؤول عن 18 رجلاً آخرين في الولايات المتحدة، متخذاً من السعودي نواف الحازمي نائباً له، وتوجهوا جميعاً إلى الساحل الشرقي لفلوريدا، وخلال توزيع المهام تولَّى بنفسه قيادة فرقة مكونة من 4 أفراد، واختار تدمير برج التجارة الشمالي.

وفي مايو (أيار) 2011، نقلت صحيفة "آل بايس" الإسبانية نقلاً عن وثائق نشرها موقع ويكيليكس، أن اللقاء الحاسم في مسار التخطيط للهجمات كان ذلك الذي عقد  في إسبانيا للاستعداد والتنسيق الأخير قبيل التنفيذ، إذ التقى رمزي بن الشيبة (يمني الجنسية) المعتقل حالياً في غوانتانامو المصري محمد عطا في بلدة رويس بمقاطعة كتالونيا في شهر يوليو (تموز) عام 2001.

وفيما لا يروي أحد ما حدث في الأيام الأخيرة لعطا في الولايات المتحدة قبل العملية تفصيلا، إلا أن ما توصلت إليه التحقيقات الأميركية فيما بعد الهجمات، أن عطا وقبل يوم واحد من العملية توجه برفقة زميله السعودي عبد العزيز العمري إلى بورتلاند في ولاية ماين، وطلب المبيت وحيداً في غرفة حملت رقم 232، قبل أن يستيقظ صبيحة يوم الـ11 من سبتمبر (أيلول)، ومعه ملابسه وجواز سفره وسكينه. حيث وصل عطا ورفاقه إلى مطار "بوسطن لوغان"، مستقلاً طائرة على خطوط "أمريكان إيرلاينز"، في رحلة حملت الرقم 11، على أن تقلع في الساعة الثامنة إلا الربع، قاصدةً لوس أنجلوس، وأثناء الرحلة تولى عطا تغيير مسار الطائرة إلى منهاتن، قاصداً برج التجارة الشمالي، حتى أصاب هدفه في الثامنة و44 دقيقة.

عائلته تتمسك بنظرية المؤامرة

ورغم مرور 18 عاماً على ذكرى أحداث سبتمبر (أيلول)، فإن عائلة عطا (والداه وشقيقتاه) تنفي أي تهمة أو صلة لنجلها بالأحداث، مؤكدة اعتقادها بأنه ما زال على قيد الحياة.

فبعد أيام من الأحداث وتحديداً في الـ25 من سبتمبر (أيلول) 2001، أعلن محمد الأمير، والد عطا خلال مؤتمر صحافي، أنه على ثقة تامة بعدم تورط ابنه في هذا الحادث، متهماً "جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، بأنه وراء اختطاف نجله، وهو من دبّر الهجمات الإرهابية التي حدثت في الولايات المتحدة".

وحسب والد عطا، الذي ظلّ متمسكاً بروايته حتى وافته المنية عام 2008، فإن نجله "اتصل به عقب الحادث"، متهماً "الاستخبارات الأميركية باختطافه".

الأمر ذاته كررته والدته بثينة مصطفى، قبل ثلاثة أعوام، قائلة إن "نجلها لا يزال على قيد الحياة، وهو معتقل في سجن غوانتنامو سيئ السمعة"، واتهمت الولايات المتحدة بـ"إخفاء الحقيقة والترويج لفكرة أن الإسلام هو الإرهاب".

وحسب مصطفى، التي لم تتمكن "إندبندنت عربية" من الوصول إليها لظروف صحيَّة، فإن الولايات المتحدة "تخفي الحقيقة. لقد خططت لهذا الهجوم للترويج لفكرة أن الإسلام هو الإرهاب. لقد اختارت أشخاصاً يحملون جوازات سفر لتتهمهم وتتهم في الوقت نفسه بلداننا وتقسيمها"، وفق ما نقلت عنها صحيفة "إل موندو" الإسبانية، في الذكرى الخامسة عشرة من الأحداث.

للمفارقة فإن تاريخ وفاة محمد عطا في السجلات المصرية الرسمية الـ29 من أكتوبر (تشرين الأول) 2008، إذ إنه وطوال السنوات التي مضت بعد أحداث سبتمبر (أيلول) وحتى ذلك التاريخ، لم تصدر السلطات المصرية شهادة وفاة لعطا، ولم تسجل تاريخ وفاته في الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001، إذ انتهجت السلطات الرسمية المسار القانوني لاستصدار شهادة الوفاة في حالات نفي الأسرة الوفاة، وسُجّلت الوفاة بعد الحادث بـ7 سنوات في "مكان ما" خارج الجمهورية عن عمر ناهز 40 عاماً، بعدما أجريت تحريات عنه لغيابه أكثر من 5 سنوات.

كيف رآه المقربون؟

حسب الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، صلاح حسن، كان "محمد عطا في بدايات حياته الهندسية متحفزاً ضدّ القبح والعشوائية، ويميل إلى الطرازات المعمارية القديمة التي امتازت بها القاهرة القديمة"، مضيفاً، "رغم توفقه العلمي فإنه نشأ في بيئة شبه عشوائية (حي العمرانية)، تمتلئ بمئات العناصر التابعين إلى الجماعات الإسلامية".

وفي السنوات الأولى لتعلُّمه الهندسة في أواخر العقد التاسع من القرن الماضي، ووفق ما ذكر حسن، "حسب رواية أغلب أقربائه كان عطا صامتاً خلوقاً خدوماً لمن حوله، لكنّ أحداً ممّن حوله لم يشكّ برهة في أنه متطرّفٌ، لا سيما بعدما بدا عليه من تأثر بالأحداث التي دارت في المنطقة من غزو عراقي للكويت، ودخول القوات الأجنبية بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت، وبدايات اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل على خلفية اتفاقات أوسلو 1993".

وخلال مقابلات أجريت مع زملاء دراسيين لعطا في ألمانيا، ذكر أنه كان لعطا أفكار معادية لسياسة بعض الدول الغربية تجاه العرب، لا سيما ما حدث في اتفاقات أوسلو وحرب الخليج الثانية.

وفي الثاني والعشرين من يوليو (تموز) 2004، نشر الكونغرس تقريراً حول بواعث القائمين على هجمات سبتمبر (أيلول)، ووصف فيه عطا أنه "كانت له أفكار معادية للصهيونية، وكان يعتبر مدينة نيويورك مركزاً عالمياً للحركة الصهيونية، كما كانت له أفكار أصولية متشددة".

 ودلل مراقبون على ذلك بوصية عطا التي يعود تاريخها إلى الـ11 من أبريل (نيسان) 1996، التي أفرجت عنها محكمة أميركية في وقت لاحق من الهجمات، حيث يتضح من الوصية المؤلفة من 18 بنداً طلب عطا اتباعها عند دفنه، منها "لا أريد أن يبكي عليّ أحدٌ. لا أريد شق الجيوب ولطم الخدود، لأن هذا من عادات الجاهلية". وطلب منع النساء من زيارة قبره، وكذلك "لا أريد أن يزورني من لم يكن على وفاق معي في الحياة، وأن لا يقبلني أو يودعني عندما أموت".

ووفق التحقيقات أيضاً، كان عطا موضوعاً تحت المراقبة من الاستخبارات الأميركية، بعد عودته إلى هامبورغ بعد اختفائه منها في الفترة ما بين 1997 – 1998 وذهابه إلى أفغانستان، وظلّ تحت المراقبة حتى يناير (كانون الثاني) العام 2000، حيث رفعت المراقبة عنه، وهو ما عدّه مراقبون إلى أن عطا المكنِّي بــ"أبو عبد الرحمن المصري"، لم تكن لديه رتبة تنظيمية في القاعدة، ولم يكن ذا صلة سوى بأقرانه في هامبورغ.

المزيد من سياسة