ملخص
الموقف الأفريقي من الانتخابات المستحقة العام الحالي متباين طبقاً لظروف كل دولة وأوضاعها
يعد تأجيل الرئيس السنغالي ماكي سال المفاجئ للانتخابات المستحقة هذا الشهر في بلاده عنواناً لجبل ثلج عميق بالمحيط الأفريقي وذلك في شأن مدى مساهمة الانتخابات كآلية ديمقراطية أساس لتداول السلطة في عدد من الاتجاهات، بينها تحقيق شروط الاستقرار السياسي والحكم الرشيد أو المساهمة في تأجيج الصراعات السياسية وبالتالي التأثير السلبي في الاستقرار المطلوب كالحالة في السودان مثلا، أو القبول باستمرار القيادة السياسية أو مجمل النظام بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة والهشة التي يخشي معها الجمهور العام من تفاقم الأوضاع إلى حد التأثير في مستويات المعيشة المتدهورة بالأساس.
الموقف الأفريقي من الانتخابات المستحقة العام الحالي متباين طبقاً لظروف كل دولة وأوضاعها، وإذا كان التدهور السياسي المتوقع في السنغال مرتبط بأن الرئيس ماكي سال وقع مرسوماً في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بشأن عقد الانتخابات خلال الأسبوع الرابع من فبراير (شباط)، وأن إعلانه بالإلغاء جاء عشية بدء المارثوان الانتخابي بين المرشحين، وفي سابقة هي الأولي من نوعها منذ عام 1963 عام استقلال السنغال، كما يجيء هذا التأجيل في وقت تم فيه حرمان مرشحي المعارضة أصحاب الشعبية من الترشح في هذه الانتخابات، وأهمهم عثمان سونكو الذي قاد تحالفا من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني طوال عام 2023، أفضي إلى اضطرار الرئيس ماكي سال لإلغاء ترشحه غير الدستوري لفترة ثالثة من الحكم وفي المقابل وضع سونكو في السجن باتهامات لها طابع أخلاقي تقول بعض الأطراف المحلية في السنغال إنها ملفقة.
في المقابل يحاول حاليا الرئيس السنغالي سال تحجيم فرص التدهور السياسي الداخلي خصوصا في الأوساط الشبابية بالإعلان عن حوار وطني مفتوح بتقدير موقف أن الاحتقان السياسي الراهن يمكن أن يتم تحجيمه بهذا الحوار.
السؤال المركزي هنا ما مدى مصداقية مثل هذا الحوارات التي تعلن عنها النظم الأفريقية الحاكمة في التعبير عن الاتجاهات السياسية والاجتماعية الواقعية في بلد ما، فالخبرة والتجارب تشير إلى أن آلية الحوار الوطني مجرد هندسة من جانب نظم الحكم الأفريقية تستهدف بالأساس استمرارها في الحكم، وتفشل غالباً في تطويق الغليان السياسي ومنع التدهور الاقتصادي، ذلك أن حوار الوثبة السوداني على سبيل المثال لا الحصر والذي تم الإعلان عنه مطلع عام 2014 في محاولة لتطويق أثر احتجاجات سبتمبر (أيلول) 2013 لم ينجح في منع تصاعد الاحتقان السياسي والإقتصادي السوداني بل زاد من وتيرته في ضوء الأداء المرواغ لنظام البشير بما أفضي في النهاية إلى ثورة شعبية في 2018 ثم إلى حرب شبه أهلية في 2023.
قد يكون الموقف في جنوب أفريقيا مغايراً نسبياً ذلك أن الحزب الحاكم حريص على تفعيل الاستحقاق الانتخابي خلال مايو (أيار) المقبل، ولكن الاهتمام بالآليات الديمقراطية في المجتمع الجنوب أفريقي يبدو متراجعاً طبقا لاستطلاعات قياس رأي عام حديثة، في ضوء أن قدرة النظام السياسي الحاكم في جنوب أفريقيا المتوقعة في تحسين أحوال الناس المعيشية تبدو ضعيفة، خصوصاً أن خطاب حزب المؤتمر الوطني الأفريقي يعتمد على مشروعية كونه الحزب القائد للتحرر من نظام التمييز العنصري والاستعمار وهو خطاب ربما قد لا يعني كثيراً للأجيال الجنوب أفريقية الجديدة، طبقاً للآراء المحلية.
قد يتجرع الرئيس الجنوب أفريقي الحالي سيريل رامافوسا هزيمة نكراء في ضوء أمرين، الأول فعالية متوقعة ضده من الجالية اليهودية بجنوب أفريقيا وهي جالية كبيرة ومؤثرة ومرتبطة إرتباطا عضويا بسياسيات تل أبيب وذلك عطفا على موقفه وحزبه المشرفان من العدوان على غزة وممارسة إسرائيل إبادة جماعية فيها، حيث تحركت جنوب أفريقيا ورفعت دعوي قضائية ضد تل أبيب أمام محكمة العدل الدولية.
أما العامل الأخير فهو داخلي، فوفقاً لدراسة معهد استطلاعات الرأي أفروباروميتر فإن 70 في المئة من مواطني جنوب أفريقيا غير راضين عن المسار السياسي الداخلي ويعتبرون مسألة الديمقراطية تالية لقضايا حل مشكلة البطالة وتحقيق الأمن وكذلك مكافحة الجريمة والفساد، فشركة الطاقة الجنوب أفريقية المتعثرة "إسكوم" غير قادرة على إمداد البلاد بما يكفي من الكهرباء، والاقتصاد في حالة ركود، والثقة في القيادة الحكومية حالياً في القاع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما الوضع في موزمبيق فربما يكون أكثر حرجاً ذلك أن انتخابات أكتوبر 2023 أنتجت أزمة سياسية مستحكمة، إذ يتهم حزب المعارضة رينامو (حركة المقاومة الوطنية) حزب فريليمو (جبهة تحرير موزمبيق) الحاكم بتزوير الانتخابات وهو ما أنتج حالة احتجاجية متواصلة متعددة الوسائل والصور.
تأجيل الانتخابات في دول غرب أفريقيا خصوصا تلك التي أنتجت انقلابات عسكرية تشير إلى أن حالة الاستقرار السايسي في هذه البلدان، ربما غير منظورة ذلك أن مالي تعاني أزمة سياسية ضخمة في ضوء صراع داخلي بين الحكومة المركزية وشمال البلاد فتم تأجيل انتخابات كانت مقررة في فبراير (شباط) 2024، كما تم إلغاء اتفاق سياسي مع حركة تحرير الأزواد الذي ضمن هدوءاً نسبياً في مالي منذ 2015.
وهو الأمر الذي يفتح البلاد على اضطرابات متعددة الأبعاد من النواحي السياسية والاقتصادية والعرقية، وهي نفس الاضطرابات المرشحة لها بوركينا فاسو على الصعيد السياسي نتيجة إلغاء الانتخابات العامة التي كان من المفترض أن تجري في يوليو (تموز) المقبل، وعدم الإعلان عن موعد بديل لها حيث لم يعلن إيراهيم تراوري قائد الانقلاب والمدعوم روسيا عن موعد بديل لعقد الانتخابات في بلاده.
بطبيعة الحال تبدو هناك عوامل خارجية في ضعف الدفع نحو تفعيل أهم آليات الديمقراطية وهي الخيار الانتخابي، ذلك أن النفوذ الروسي المتصاعد في دول غرب أفريقيا، وامتلاكها أداة عسكرية في هذه الدول هي شركة فاغنر يبدو مؤثرا، وهو النفوذ الذي جعل قيادات هذه الدول خصوصا الانقلابية منها في مالي والنيجر وبرركينا فاسو أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الغربية بهذا الشأن خصوصا، وكذلك نجحت في بلورة تحالف ثلاثي بينها بات ينافس تحالف الإيكواس .
علي صعيد مواز فإن إهتمام العواصم الكبرى بالموارد الأفريقية بات مكشوفاً وذلك إلى حد أن هناك قبولاً بالانقلابات العسكرية من جانب واشنطن في النيجر مثلا في إطار تنافسها الجيوسياسي مع باريس من ناحية، وحرصها على تمركزها العسكري هناك بأكثر من قاعدة من ناحية أخري.
وفي ذات السياق فإن هناك قبولا من جانب باريس لموقف غير دستوري في تشاد وذلك بقبول توارث السلطة، بما جعل الدفع نحو ممارسة الديمقراطية من جانب الدول الكبرى في أفريقيا ضعيفاً ومشكوكاً في مصداقيته.
المنافسة الجيوسياسية بين أقطاب النظام الدولي في أفريقيا راهنا أسفرت عن إهمال صراعات مركزية في القارة من جانب واشنطن مثلاً، ذلك أن الاقتتال السوداني المخيف أو التدهور الكبير في الكونغو الديمقراطية تم التغاضي عنهما في مقابل الاهتمام بالصراع في كل من غزة وأوكرانيا، وهو ما جعل سلم الأولويات مرتبكا في ما يتعلق بالعمل على تحقيق الاستقرار السياسي الذي تعد الديمقراطية أهم أدواته.
وهكذا بات قطاع من الجمهور الأفريقي العام غير مبال بقيم الديمقراطية وأهم آلياتها وهي الانتخابات بما يفتح الأسئلة بشأن مستقبل التمثيل السياسي الديمقراطي في أفريقيا بعد أن فقدت قوة الدفع الداخلي والخارجي على السواء وهو ما جعل رؤساء كل من السنغال وومالي وبوركينا فاسو وجنوب السودان يقدمون على خطوة تأجيل الانتخابات من دون أن يخشوا أو ينتظروا مقاومة ذات شأن يمكن أن تغير من قواعد اللعبة وتجعل النظم السياسية الأفريقية أكثر فاعلية في القيام بوظائفها وخدمة شعوبها بدلاً من حالة التكلس الراهنة التي قد تكون مفتوحة على سيناريوهات اضطرابات وعدم استقرار غير مرغوبة ولا تصب في مصلحة لا الشعوب ولا حكامها.