Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نجم والي يفتح صندوق العمة الحالمة في أزمنة الخراب

رواية "عمتي الرومانتيكية" تسرد ذكريات ومصائر وخيبات في عراق الماضي والحرب

بغداد في السنوات الستين (صفحة أرض الذكريات - فيسبوك)

اختار الروائي العراقي المقيم في ألمانيا، نجم والي، أن يفتتح روايته "عمتي الرومانتيكية، وصديقاتها ورجالها وأنا"، الصادرة عن دار "روايات"، بأبيات شعرية للشاعر رينيه برودوم من قصيدة "منفى"، تجمع بين عنفوان الحب وتدفقه، وقسوة ليالي المنفى بعد هجرة الوطن. وكأن الكاتب عبر هذا المفتتح يوجز مآلات أبطاله وخيباتهم، سواء بسبب الحروب ونتائجها الوخيمة، أو سلطة الأنظمة الشمولية الغاشمة.

تستدعي "عمتي الرومانتيكية"، رواية عزيز نيسن "بتوش الحلوة"، التي يروي فيها البطل أيضاً حكاية عمته "بتوش" واختفاءها الغامض، ومغامراتها الكثيرة. بيد أن العمة الرومانتيكية هنا، يندمج في سيرتها الحياتية جزء من تاريخ الوطن. إنها بلاد الرافدين، تخوض حروبها الكثيرة منذ الثمانينيات وحتى سقوط بغداد؛ حد أن الراوي يتساءل بين حين وآخر: "أي حرب؟"، لأن كثرة الحروب وامتداداتها، جعلت من أزمنتها تتداخل في الذاكرة، فلا يمكن الفصل بينها، بل إن الحرب تتخذ مظهراً وجودياً تتجلى تأثيراته على الواقع الخارجي المعيش، وعلى اختيارات الشخوص مصائرهم التراجيدية.

هزائم عاطفية

تنقسم الرواية إلى أربعة فصول واضحة الدلات في عناوينها، هي: "في خبر رجالها"، "في خبر صديقاتها"، "في خبر الحب وتبعاته"، "في خبر التدرب على العيش دون عمتي". وجاء وصف الرومانتيكية للعمة، من الحالات الفكرية والعاطفية التي تمر بها، فهي تحلم دائماً بالحب، وتقرأ الشعر العاطفي على صديقاتها، وتحب مشاهدة الأفلام القديمة. والبطل السارد، الذي تسميه العمة صبري، وهذا ليس اسمه، بدأ اهتمامه بعمته منذ كان في الخامسة من عمره. يرتبط الراوي بعمته ارتباطاً وثيقاً يجعلها أقرب إليه من أبيه وأمه، يمضي معها الوقت، يرافقها في الذهاب والإياب إلى المدرسة، يلعب معها، يرتاح لعدم زواجها لأنه يضمن أن يظل قريباً منها. يقول: "آه، له كل الحق من أطلق عليك رومانتيكية. هذا الجواب الذي سمعته جاء من صديقاتها سوياً، جاء على شكل كورس، يؤيد ما ذهبت إليه، وهو أن أحداً ما قد منح عمتي ذاك اللقب، لكن صديقاتها لم يصرحن باسمه، لا في تلك الجلسة، ولا في جلسات أخرى". وبالتوازي مع ارتباط الراوي بعمته، فإن العمة ترى في ابن أخيها حافظ الأسرار، وصندوق الذاكرة، وهذا الامتياز سوف يكتشف قيمته في السنوات اللاحقة، وهو يتوغل في حياتها أكثر، ويكشف عن الطبقات المحجوبة، التي تمثل نموذجاً من حيوات النساء في العراق. فالعمة التي تظل من دون اسم على مدار النص، وهذا يبدو متعمداً، تحمل في وقائع حياتها وخباياها حكايات رمزية، تشير لحيوات نساء أخريات أيضاً.

يسكن البطل الراوي في أحد أحياء بغداد العريقة، القريبة من دجلة، وهو يتميز بعماراته المبنية على الطراز البغدادي القديم، مع الشناشيل في واجهة البيت، والأزقة الضيقة التي تجعل البيوت قريبة بعضها من بعض. لكن الحياة محكومة في الرواية بمنطق الحرب، وصوت صفارات الإنذار وهدير الطائرات المحلقة في السماء. لكن العمة تود أن تتجاهل كل هذا، وتعيش في عالمها الخاص، كما لو أن الحرب في مكان آخر. هكذا يبدو اختيارها لهذا المنطق نابعاً من كينونتها الذاتية، التي تهشمت بفعل أدائها دوماً لدور المتلقي، في جذبها للرجال المهمشين والضعفاء، ممن يتوسلون يداً تمتد إليهم لإنقاذهم.

 يمضي السرد في أجزاء منه، بين الواقعية والافتراضات، في البداية عبر اختيار الراوي أن يكون في الخامسة أو السادسة من عمره ليروي حكاية عمته، واحتفاظه بصندوق لها، ائتمنته عليه، وطلبت منه ألا يفتحه إلا حين يُصبح متيقناً من قدرته على استيعاب ما فيه. لكن البطل السارد في لحظات مفصلية يتبرأ أيضاً من بعض المواقف، مبرراً بأنه غير متأكد مما حدث، ربما رسمت له ذاكرة الطفولة الأحداث بهذا الشكل. في فصل "عمتي ورجالها"، الذي يُمثل بدايات الخسائر والنكبات في حياة العمة، لا يمكن إغفال الدلالات الرمزية للشخوص، واعتماد الكاتب في سرده أكثر الأحداث عنفاً وإيذاءً، على ذاكرة طفولية سرابية، تود أن يكون ما حدث مجرد وهم، مع إدراك كامل أنه حقيقة؛ لأن الذاكرة، على المستوى النفسي، وبحسب تحليل فرويد تود أن تلغي ما وقع بسبب قسوة الذكرى البعيدة.

حكاية قصة الحب بين العمة وحبيبها الأول إبراهيم، الشاب المتفوق الخجول، اليتيم، الذي يربيه خاله الضابط المطرود من الجيش، بعد أن هجره أولاده بسبب عنفه، نراه يمارس سادية مفرطة على إبراهيم، ثم في مشهد مفجع يمرره الكاتب بسرعة، كما لو أنه حدث عابر، يقوم الخال باغتصاب العمة على مرأى ومسمع من إبراهيم، ومن دون أن يحرك الأخير ساكناً.

تتشعب دلالة الحدث، لو وضعنا الأبطال الثلاثة ضمن مثلث يُمثل كل ضلع منه شريحة اجتماعية. هناك العمة الشابة الحالمة التي تشجع محبوبها على التمرد ضد السلطة القهرية التي يمثلها الخال، والشاب إبراهيم الضعيف والمستسلم، يتجاوب مع تحريض حبيبته على الثورة، فيضعه خاله في السجن الصغير داخل البيت. وهناك الخال الذي يجسد السلطة القهرية في البلاد، تمارس بلا رادع، قهراً على الرجال والنساء. هكذا يبدو كما لو أن كل فرد منهم يعبر عن طبقة اجتماعية وفكرية معينة، ويعكس مواقفها وسلوكها. لذا لا تبدو شخصية العمة ممثلة لحالة فردية، إنها نموذج لسيرورة حياة الفتيات في تلك المرحلة الزمنية، اللواتي يتعرضن لاعتداءات، لا يمكنهن الحديث عنها إلا أمام طفل ما دون الحلم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثم في مشهد درامي آخر يبدو لقاء العمة مع إبراهيم في الشارع بعد ثلاث سنوات من الاغتصاب، وهو يرتدي زي الضابط، وتعلو كتفيه النجوم، تأكيداً لقدرة السلطة الغاشمة على القضاء على كل الأحلام الرومانتيكية. لقد مضى إبراهيم في مسيرة خاله بشكل أو بآخر، على رغم تعرضه للإخصاء كما يتضح لاحقاً، فيبدو الأخصاء هنا مادياً ومعنوياً في آن واحد. أما العمة التي تلتقي صدفة مع إسماعيل الذي تسميه سمعان، تبدو كما لو أنها لم تعِ الدرس تماماً، إذ ما زالت تستقبل الحياة مع أمنياتها الداخلية التي لم تخب بعد. يصفها الراوي بأنها لم تكن لتكمل لقاءاتها مع سمعان، لو لم يكن رساماً. يصفها قائلاً: "لا اغتصاب من دون جيش، هكذا كانت تفكر، الجيش خرب حياتنا، وإذا دخلت في علاقة جديدة، فإنها تفضلها مع رجل لا علاقة له بالجيش. وهي تعرف استحالة الأمر مبدئياً. الضابط هو صورة رجل الأحلام الذي تتمناه كل فتاة باستثناء عمتي، لأنها لم تكن امرأة عادية".

أما الرجل الثالث في حياة العمة، فهو آدم الذي تجمعها به فكرة الرحيل عن البلاد، الهجرة إلى باريس، وتنتهي هذه القصة أيضاً نهاية دامية.

السجن والحرية

قامت فصول الرواية على الانتقال في سيرورة الأحداث من مرحلة إلى أخرى في حياة العمة، مع الاحتفاظ بصوت الراوي، وبعض الشخصيات المؤثرة والفاعلة في حياتها.

على مدار السرد، اختار والي أن يضع المتناقضات المُعبرة عن وجوه الحياة المختلفة، العقل والجنون، الأنوثة والذكورة، الحرب والسلم، الثقافة والجهل، العنف والرومانتيكية، السجن والحرية. هذه التمثلات تشتبك في البناء الروائي ضمن مرايا عاكسة للفعل ونقيضه. أحلام العمة ورومانسيتها تتقاطع مباشرة مع نماذج تناقضها، وتودي بها إلى انهيارات جسدية ونفسية. وفي كل مرة تحاول المقاومة والوقوف من جديد لتتحدى الواقع، وتحافظ على ذاتها الداخلية. في الحادية والعشرين من عمرها تجد نفسها في السجن، مع حكم مدته خمسة أعوام، لكن بدلاً من أن تنكسر من الظروف غير الإنسانية للحياة في السجن، فإن العمة تشعر بالقوة وهي ترى منظر السجينات اليائسات. لذا تتحلى بالشجاعة والقدرة والجرأة وتقوم بإنشاء كورال غنائي، وفرقة رقص شعبي، ومدرسة محو أمية للسجينات. تحولت العمة من المرأة الحالمة إلى المرأة القائدة، وكأنها تدرب نفسها على مرحلة ما بعد السجن.

اختار الكاتب الانحياز إلى الزوال، حين تخبو ذاكرة العمة، ويختفي البريق من عينيها. ولا يبدو البحث عن كتاب "مئة قصيدة عن الحب وفنونه"، في الفصل الأخير، مُنقذاً للحالة العبثية التي لم ينج منها أي من الشخوص، بل إن الشعر والفن والأدب والروايات تشغل المسرح الخلفي للأحداث، على رغم دورها المؤثر في حياة العمة، وسائر الأبطال. إلا أنها تزيدهم اغتراباً عن الواقع، مع غياب الأمان والحرية، مما يؤكد وقوع الهزيمة، ليس فقط للعمة، بل لكل من تجرأ على الحلم في بلاد مسها الخراب.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة