Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بنيامين صفنيا... كان منفتحا طيب القلب مثل شعره

أجرت الكاتبة مقابلات مع الشاعر والكاتب في مناسبات عدة قبل وفاته. في هذه المقالة تتحدث عما جعله مميزاً للغاية، سواء بالنسبة إليها أو بالنسبة إلى ابنها المصاب بالتوحد الذي كان لشعره تأثير عميق فيه

توفي بنيامين صفنيا في وقت مبكر من يوم الخميس الماضي وزوجته إلى جانبه (شاترستوك)

كتب بنيامين صفنيا في إحدى قصائده: "كونوا رحماء مع الديوك الرومية في عيد الميلاد هذه السنة"، وأنا متأكدة من أنه سيفخر بمعرفة أن كلماته تركت أثراً عميقاً في نفوس كثيرين من الأطفال في مختلف أنحاء المملكة المتحدة، ودفعت بهم إلى اتباع أسلوب حياة نباتي. أنا أستخدم مصطلح "كتب"، لكنني أعتقد في الواقع، أنه بسبب تلاوته القصيدة بنبرة دافئة ومميزة، أن عدداً أكبر من الأطفال، أنصتوا لهذا السطر المقروء على مسامعهم بصوت عال أكثر من قراءته بأنفسهم.

واغتنم المعلمون الفرصة لتقديم شاعر تحدى الصورة النمطية للشعراء، ويمكنني أن أتخيلهم يقولون: "انظروا يا أطفال! بن هو أسود اللون وينحدر من بيرمنغهام! إنه شخص فكاهي!"، لكنه للأسف، هو اليوم يجسد الحالة النمطية التي يربطها الأطفال بالشعراء: الرحيل.

وفقاً لأغلب الروايات، فقد شخصت إصابة صفنيا بورم في الدماغ قبل نحو 10 أسابيع، مما أدى في النهاية إلى وفاته عن عمر يناهز 65 سنة. وأعتقد أنه سيقدر صراحتي، لذا فأنا لن أبالغ في هذا الأمر. ففي إحدى قصائده عن الإعلام، طرح سؤالاً على القراء: "كيف تود أن تتلقى الحقيقة؟" تريدها مقاطع صوتية صغيرة الحجم يسهل استيعابها، يقول فيها أحدهم إن الضحية هي من أمثالك. وعندما تستوعب الأهوال التي تراها، تجد الخير والشر، ولا فارق بينهما. "كلا. صفنيا كان يحب الوضوح في التعبير عن الأمور. لذا سأكون صريحة وأقول بوضوح: لقد مات".

بعدما أجريت مقابلات مع الشاعر في مناسبات عدة، أجد صعوبة في استيعاب فكرة فقدان روح لطيفة كانت مفعمة بالحياة والبهجة كتلك التي اختزنها، في لحظة خاطفة. فغالباً ما أشعر ببعض التوتر لدى إجراء مقابلات، لأنني أضطر إلى طرح أسئلة شخصية - قد يعتبرها بعضهم عدوانية. إنه أمر صعب، لكن صفنيا جعل الأمر سهلاً. فقد قال لي في الدقائق الأولى من لقائنا الأول، "هل تعلمين أنني مصاب بالعقم؟". وبعد فترة وجيزة، شاركني بجرأة حزنه العميق الذي رافق معرفته بأنه لن ينجب أطفالاً على الإطلاق. تحدث عن طريقة تأثير ذلك في علاقاته بالنساء، وطلب معرفة وجهة نظري، وقام بتوجيه المحادثة بدقة إلى مسار يسلط الضوء على استكشاف الفروق الدقيقة في الأمل المحتمل وإمكان مواجهة التحديات. وكصحافية شابة، شعرت بأنني عديمة الخبرة، وبأنني غير مستعدة تماماً للتعامل مع مثل هذا الموقف الحرج.

بعد مغادرتي إلى محطة القطار، شعرت وكأنني اضطررت إلى التعامل بسرعة مع كثير من التفاصيل العميقة والحساسة. ومع ذلك، عندما استمعت إلى التسجيل في المنزل، لاحظت أن صفنيا كان يتحدث ببطء - أبطأ من معظم الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات - وبلغة سلسة وبسيطة. ولاحظت فترات التوقف اللطيفة التي أحاطت بحديثنا، وكيف أنها أصبحت أكثر وضوحاً، في وقت كنت أواصل فيه القيام بدوري، عندما سألته عن حقائق صارخة مرتبطة بماضيه.

 

ولد صفنيا في بيرمنغهام في عام 1958، لأب من باربيدوس كان يعمل ساعي بريد، وأم من جامايكا كانت تعمل ممرضة. وأدى اضطراب عسر القراءة لديه إلى فصله من التعليم العادي. وفي معرض تأمله لتجربته، قال لصحيفة "غارديان" في العام 2015: "أتذكر معلمةً كانت تتحدث عن إفريقيا و’المتوحشين المحليين‘، وأجبتها، "من أنت كي تصفي أناساً بأنهم متوحشون؟‘. وردت علي بالقول: ’كيف تجرؤ على أن تتحداني؟‘ - وكثيراً ما كان ذلك يوقعني بمشكلات. في إحدى المرات، عندما كنت أعاني عسراً في الكتابة وطلبت المساعدة، علق أحد المعلمين بالقول: ’لا بأس. لا يمكننا جميعاً أن نكون أذكياء، لكن سينتهي بك الأمر بأن تصبح رياضياً جيداً، فلماذا لا تخرج وتلعب كرة القدم؟‘. في البداية، قلت في نفسي: ’إنه لأمر عظيم‘. لكنني أدركت لاحقاً أنه كان يقولبني ضمن إطار صورة نمطية سائدة".

كان بنيامين صفنيا يدرك أن لديه قصائد في ذهنه، حتى في تلك السن المبكرة. ففي العاشرة أو الـ11 من عمره تقريباً، بدأت شقيقته تدونها له. وفي معرض تأمله لمشكلة صعوبة القراءة التي كان يواجهها، قال: "عندما كنت في الـ13 من عمري، كنت أستطيع أن أقرأ بشكل بدائي للغاية، لكن المسألة كانت من الصعوبة بمكان، بحيث شعرت بأنني أتخلى عنها. إلا أنني اعتقدت أنه ما دام في إمكاني قراءة قيمة الورقة النقدية التي في متناولي، فإنني أعرف ما يكفي، أو يمكنني أن أستعين بصديق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شكل التحدي الذي واجهه صفنيا في فك رموز اللغة المكتوبة، أساساً مهماً لمجموعة الأعمال المؤثرة التي أنتجها في وقت لاحق. فابني المصاب بالتوحد، استغرق وقتاً طويلاً في تعلم القراءة والكتابة، على رغم كونه ذكياً للغاية. ولن أنسى أبداً اليوم الذي أدركت فيه أنه كان قادراً على السخرية من البالغين الذين عاملوه كما لو كان أقل قدرة أو جدارة. إذ وجدته يحمل كتاباً من شعر بنيامين صفنيا، وكان منكباً على قراءة إحدى قصائده بعنوان "الجانب المشمس إلى الأعلى" Sunny Side Up، التي قدمت بشكل متعمد في الكتاب، رأساً على عقب، مما شكل تحدياً لنظام القراءة التقليدي. وتضمنت ما يأتي:

عندما يرى الناس/ آخرون يقرأون إلى الأعلى/ من الأسفل/ يفكرون/ ربما/ أن القارئ/ لا يستطيع القراءة/  لكن/ يجب عليك/ أن تبتسم الآن/ لأنك/ وجدت/ قصيدة/ قد كتبت/ لتبدد اعتقادات الآخرين

حفظ ابني هذه القصيدة بسرعة، وكان يستمتع بحمل الكتاب، وغالباً ما كان يأخذه معه لدى استخدامه وسائل النقل العام. وعندما كان يتحتم عليه تحمل عناء يوم قيل له فيه إنه أقل شأناً من أقرانه، كان يجد العزاء في اعتراف صفنيا بذكائه واحتفائه به.

قصيدة "الجانب المشمس إلى الأعلى" قلبت موازين القوى رأساً على عقب بين ابني المصاب بالتوحد ومعلميه، بحيث غرست في نفسه الثقة لمواصلة القراءة. وأسهمت القصيدة - إلى جانب كثير من القصائد الأخرى التي كتبها صفنيا - في تمكين الأطفال، من خلال إظهارها لهم كيف يمكنهم التفوق من حيث الذكاء على معلميهم البالغين. وما نسميه اليوم بـ"التفكير النقدي" كان جزءاً لا يتجزأ من أعماله.

عرف صفنيا على نطاق واسع بنجاحه في تحويل حياته بعيداً من المسار الإجرامي. ففي مرحلة شبابه، واجه عواقب قانونية بسبب عملية سطو ارتكبها خلال نشأته، لكنه تمكن من التغلب على تلك الفترة. فقد تحدى الصور النمطية العنصرية، وقاوم بشدة التوافق مع وجهات النظر الثنائية في شأن أية قضية. حتى في قضايا مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أعرب عن وجهة نظر متباينة، قائلاً: "لأسباب يسارية، أعتقد أننا يجب أن نترك الاتحاد الأوروبي، لكن الطريقة التي نغادر من خلالها هي خاطئة تماماً".

إلا أن بنيامين صفنيا سيتم تذكره كثيراً بسبب حملته من أجل حقوق الحيوان. فقد تحول إلى النظام الغذائي النباتي في سن التاسعة، وأصبح نباتياً متشدداً في سن الـ13. وفي العام الماضي، قال لصحيفة "غارديان" إن جذور قراره تعود للطريقة التي عومل بها في المدرسة، قائلاً: "لقد اختبرت العنصرية داخل الصف وخارجه. وغالباً ما كنت أجد نفسي قابعاً في إحدى زوايا الملعب أتحدث مع القطط المجاورة. وعندما لا أجد أياً منها، كنت أتحادث مع الطيور والنحل. ومن المثير للدهشة أنني لم ألتق قط بحيوان عنصري. كان بعض منها يشعر بتوتر لدى اقترابها مني في بادئ الأمر، وبعضها الآخر كان يقوم بزيارات قليلة لي قبل الاقتراب مني. لكن لم تستغرق المسألة وقتاً طويلاً كي نتمكن من التواصل، ومن ثم التسكع معاً".

النزعة البيئية المتفانية لصفنيا كان لها تأثير عميق في الآخرين. ويمكنني أن أتذكر بوضوح ابنتي وهي تهرع مسرعة من المدرسة الابتدائية إلى المنزل في اليوم الذي ألقيت فيه قصيدة صفنيا بعنوان "الديوك الرومية المتكلمة" Talking Turkeys ، وكانت تصيح قائلة: "أمي! لقد كنت على حق!" فالقصيدة تقول:

كن لطيفاً مع الديوك الرومية خلال عيد الميلاد

لا تتناولها، أبقها على قيد الحياة

بإمكانها أن تكون رفيقة لك، لا وجبة على طبقك

 قل لها: أيتها الديوك، أنا أقف إلى جانبك

يمكن القول أخيراً إن ما يميز صفنيا، هو قدرته على جعلك تتوافق معه في الرأي خلال الحديث معه، لما كان يتمتع به من قدرة على الإصغاء، وإظهار المحبة والمودة الصادقتين للذين يكونون من حوله. يمكنك سماع ذلك في نبرة صوته الدافئة والخافتة، واللطيفة. وتكريماً لإرث صفنيا، فإنني أمتنع عن تناول الديك الرومي. لأنه كما قال: "الديوك الرومية هي مخلوقات رائعة ومميزة. ولكل منها في النتيجة أم".

© The Independent

المزيد من ثقافة