Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تجد إثيوبيا "الحبيسة" ضالتها على البحر الأحمر؟

آبي أحمد قال إن المسألة بالنسبة إلى بلاده حياة أو موت ومراقبون يعتبرون إثارتها مؤشراً لطي قضية سد النهضة

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد اعتبر وجود منفذ بحري لبلاده مسألة حياة أو موت (أ ف ب)

يبدو أن إثيوبيا "الحبيسة" بدأت تبحث عن موطئ قدم لها في البحر الأحمر، إذ قال رئيس الوزراء آبي أحمد إن الحصول على منفذ بحري للبلاد بات مسألة "حياة أو موت" وإنه حان الوقت لمناقشة الموضوع علناً من دون مواربة، فما هي دوافع إثارة القضية في هذا التوقيت وأبعاد هذه المطالبة في الظرف الإقليمي والعالمي الحالي؟

باتت إثيوبيا الواقعة في شرق أفريقيا دولة حبيسة بعد استقلال إريتريا عام 1991، عقب حرب بينهما تفجرت في مايو (أيار) 1998 نتيجة الخلاف على ملكية منطقتي بادمبي وزالامبسا، ففقدت أديس أبابا ميزة الوصول إلى البحر الأحمر بعد خلافات اقتصادية، إذ اتهمتها إريتريا باستغلال استخدامها لميناءي عصب ومصوع الإريتريين وتدفق الاستثمارات الدولية عليها وحدها وإعاقة مؤسساتها تطوير اقتصاد أسمرة.

تنويع منافذ

وتسبب النزاع بين البلدين خلال القرن الماضي في حرمان إثيوبيا من استخدام كل من المنفذين المطلين على البحر الأحمر وبمسافة قدرها 1177 و894 كيلومتراً عن أديس أبابا على التوالي، واللذين ظلا يمثلان جزءاً من الجغرافيا السياسية للإمبراطورية الإثيوبية طوال قرون ماضية. 

وعام 2018، تم اتفاق توصل إليه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي تحصل بمقتضاه إثيوبيا على خدمات الموانئ الإريترية، لكنه لم ينفذ.

وأجبرت إثيوبيا بعد حرمانها استغلال ميناءي عصب ومصوع على الاعتماد الكلي على ميناء جيبوتي الذي يبعد 560 كيلومتراً من أديس ابابا، وفق اتفاق ثنائي بين البلدين.

وكان كل من السودان ودولة الصومالاند (غير معترف بها دولياً) قد دخلتا في اتفاقات ثنائية مع أديس أبابا تستخدم بموجبهما الأخيرة المنطقة الحرة في ميناء سواكن السوداني الذي يبعد من العاصمة الإثيوبية مسافة 1192 كيلومتراً، إلى جانب اتفاق آخر مع دولة الصومالاند لاستخدام ميناء بربرة المستحدث على بعد 943 كيلومتراً تمتلك بموجبه إثيوبيا 19 في المئة، وحصول موانئ دبي على حصة ملكية تبلغ 51 في المئة والصومالاند على 31 في المئة.

وظلت إثيوبيا التي يبلغ عدد سكانها 127 مليون نسمة (ثاني تعداد سكاني في أفريقيا بعد نيجيريا) تعمل على تنويع منافذها البحرية، حتى لا تكون رهينة لأي جهة في حيوية اقتصادها البالغ إجماليه 126.78 مليار دولار عام 2022.

مصير إثيوبيا

وقال آبي أحمد أمام أعضاء البرلمان وعدد من مسؤولي حكومته والمتخصصين في السياسة الخارجية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية "فانا" الأحد 15 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، إن "البحر الأحمر ونهر النيل هما ثنائيان يحددان مصير إثيوبيا، وأساس لتنميتها أو تدميرها. وإنه من غير المعقول ألا نناقش موضوع الوصول إلى موانئ البحر الأحمر، بينما تتمتع الدول الأخرى بحقوق مناقشة نهر النيل والأنهار الأخرى العابرة للحدود".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أضاف أنه "مع تزايد عدد السكان، أصبح الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر مسألة وجودية بالنسبة إلى إثيوبيا وليست ترفاً، ويتعين على الدول المجاورة عقد صفقات لتحقيق المنفعة المتبادلة"، وشدد على "ضرورة مناقشة الخيارات المتاحة أمام إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، حتى لا تنجرف البلاد إلى الفقر المدقع"، مؤكداً على "أهمية أن يجري القادة في دول شرق أفريقيا، محادثات حول الوسائل والسبل التي من شأنها أن تسهم في تحقيق السلام المستدام".

أبعاد وتحديات

وعلى رغم ما تشهده قضية سد النهضة من تجاذبات، يرى مراقبون أن إثارة قضية البحر الأحمر في هذا التوقيت ربما تكون مؤشراً لما تعتبره إثيوبيا نجاحاً في طي القضية بعد التعهد بين الرئيسين المصري والإثيوبي، في يوليو (تموز) الماضي، بالتوصل إلى اتفاق في غضون أربعة أشهر. 

من جهتها، قالت السلطات الإريترية إنها لن تدخل في المحادثات المتعلقة بوصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، وفق ما نقلته وكالة "أفريكا نيوز"، وأورد بيان مقتضب عن وزارة الإعلام الإريترية أن "الخطابات حول الوصول إلى البحر والمواضيع ذات الصلة التي طرحت الآونة الأخيرة كانت مفرطة، والأمر أثار حيرة جميع المراقبين المعنيين".

 وكانت وكالة أنباء إثيوبيا "فانا" أشارت إلى انعقاد أعمال المنتدى الإقليمي السنوي الأول حول ديناميكيات الأمن في البحر الأحمر، في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي/ تحت عنوان "ضرورة الحوار والتعاون في زمن التشابكات الجيوسياسية".

وشارك في أعمال المنتدى الإقليمي الذي نظمه معهد الشؤون الخارجية بالتعاون مع كلية الدفاع الحربية، عدد من المؤسسات البحثية ومحللو سياسات وباحثون وعدد من سفراء الدول، وصرح نائب المدير التنفيذي لـمعهد الشؤون الخارجية مسافنت تفرا بأن الهدف من هذا المنتدى هو زيادة الوعي حول التهديدات الأمنية المتزايدة في المنطقة والمشاركة في منتدى استشاري سياسي لتبادل المعرفة وفتح آفاق التعاون.

وقالت وكالة الأنباء الإثيوبية إن انعقاد المؤتمر الإقليمي السنوي الأول حول ديناميكيات أمن البحر الأحمر في أديس أبابا، يهدف إلى المشاورة الإقليمية وتعزيز الحوار والتعاون بين دول المنطقة في ظل التشابكات الجيوسياسية العالمية، وما يمثله البحر الأحمر من أهمية عالمية لدوره كممر مائي رئيس للتجارة، مشيرة إلى تأكيد المؤتمر على ضرورة التعاون بين دول المنطقة لتحقيق المنفعة المتبادلة.

من جهتها، كانت إذاعة "إرينا" الدولية الإريترية أفادت بأن المؤتمر حث الحكومة الإثيوبية على "عرض قضية وملكية الموانئ دبلوماسياً"، ونقلت عن مسؤول إثيوبي قوله إن "أديس أبابا لا يمكن أن تستمر في عزلتها عن سياسات البحر الأحمر".

ميناء عصب الإريتري

الكاتب والباحث السياسي موسى شيخو رأى أن "قضية البحر الأحمر جديدة قديمة"، لافتاً إلى أن "كلام رئيس الوزراء الإثيوبي مع إشارته إلى البحر الأحمر وعدم ذكر أي دولة، يُفهم منه الآن بحسب المفهوم من السياق أن المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا هو ميناء عصب الإريتري وهذا الموضوع مسألة حياة أو موت"، وأضاف أنه "مع الطفرة السكانية التي تشهدها إثيوبيا والتوقعات بارتفاع عدد السكان إلى 150 مليون نسمة في الأعوام الخمسة المقبلة، لا يمكن أن تفي إثيوبيا بحاجاتها من الاستهلاكات إلى جانب حركة الصادرات والواردات من دون ميناء، ويتحتم أن تحصل على هذا المنفذ بكل الوسائل"،  وتابع "حالياً لا توجد هناك أي بوادر أزمة أو حدوث مشكلة بسبب هذه التصريحات، خصوصاً أن رئيس الوزراء آبي أحمد أشار خلال حديثه إلى صفقات تجارية سواء إعطاء نسبة من الطاقة النظيفة التي ينتجها سد النهضة، أو أي صفقات تجارية أو دبلوماسية أخرى"، ولفت موسى إلى أن الظرف الإقليمي والعالمي في تشكل جديد، وإثيوبيا تغتنم الفرصة لتوجد لها موطئ قدم وتسابق الزمن للحصول على نصيبها في هذا المضمار، ورأى أن التجاوب العالمي يؤيدها، خصوصاً بعد انضمامها إلى منظمة "بريكس" وسعيها إلى الانضمام لمنظمات إقليمية ودولية أخرى.

وفي ما يتعلق بالآثار المترتبة على كلام رئيس الوزراء آبي أحمد، قال "لا أظن أن هناك آثاراً ما لأن الحديث جاء عن كيفية الحصول على هذا المنفذ بطريقة دبلوماسية وصفقات تجارية، فإريتريا تحتاج إلى الطاقة والسيولة النقدية، والأمر لن يذهب إلى الحرب والمواجهة".

ورأى رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية يسن أحمد أن "إثيوبيا لديها رؤية ومصالح استراتيجية في الوصول إلى جميع الموانئ البحرية في منطقة القرن الأفريقي ضمن المشروع الإقليمي الذي يقوم على ضمان التقدم الاقتصادي والتغلب على كونها دولة حبيسة وربطها باقتصادات دول القرن الأفريقي"، وقال إن "الطموح الإثيوبي يسعى إلى جعل البلاد مركزاً إقليمياً لجذب الاستثمارات الأجنبية، لذلك تقود أديس أبابا مبادرة التعاون والتكامل الإقليمي وتحرص على تعزيز أمنها الداخلي وتأمين حدودها في منطقة تشهد اضطرابات وصراعات سياسية وحروباً أهلية".

من جهته، قال رئيس تحرير صحيفة "العلم" الإثيوبية يوب قدي إن "التعاون والتكامل هو هدف رئيس الوزراء آبي أحمد"، رافضاً مخاوف بعضهم من أن يؤدي خطابه الأخير إلى توتر العلاقات مع إريتريا بعد تحسنها أخيراً بين البلدين، وأوضح أننا "لا نصر على مصوع أو عصب على وجه التحديد، ما نسعى إليه هو بوابة يمكن الوصول إليها. سواء كان ذلك من خلال الشراء أو التأجير أو أي ترتيب متبادل، فهذا هو هدفنا".

المزيد من تقارير