انقلابات وسط وغرب أفريقيا، وتسليم فرنسا بالظرف المتغير بعد سحب سفيرها من النيجر، واقع يفرض نفسه، لكن يبقى السؤال هل يعطي ذلك إشارة إلى نهاية لأنظمة ظلت ذات صلة وثيقة بقوى استعمارية سابقة أم يعبر عن سنن تغيير في السلطة والنفوذ لزمن هو الآخر مجهول في ما يحمل من جديد؟
استسلم الظرف أخيراً في النيجر بعد إعلان فرنسا سحب سفيرها والعمل على سحب قواعدها العسكرية، ليعطي ذلك أهم مؤشر في فرض الأنظمة العسكرية الجديدة في غرب أفريقيا، وتحديداً في مالي وبوركينا فاسو والنيجر واقعاً جديداً على المنطقة في ظل فشل "إيكواس" وغيرها من منظمات إقليمية في الإحاطة بحركة التغيير الطبيعي.
وإلى جانب ما شكلته قضية النيجر من رمزية فشل لدول كبرى في الحفاظ على مصالح ظلت لعشرات السنين، تمثل القضية في أهم دلالاتها الأفريقية، فشلت أيضاً المنظمات السياسية الإقليمية ممثلة في الاتحاد الأفريقي ومجموعة دول غرب أفريقيا "إيكواس" التي تحتاج الآن هي الأخرى إلى وقفات حقيقية بإعادة تشكيلها من جديد، في توجهاتها وقوانينها وتشريعاتها التي أصبحت لا قيمة لها بعد تعفرها تحت أحذية الانقلابات العسكرية الأفريقية.
دليل إحكام
نجح انقلابيو النيجر بقيادة رئيس المجلس العسكري الحاكم الجنرال عبدالرحمن تياني في الانتقال إلى مرحلة مهمة في مواجهات الضغوط الدولية والإقليمية، وبعد مرور أقل من ثلاثة أشهر استطاعوا الانتصار على الضغوط المفروضة عليهم، متوجين ذلك أخيراً بإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الـ24 من سبتمبر (أيلول) الماضي سحب قوات بلاده البالغ عددها ما بين 1000 و1500 عنصر، وإخلاء قواعد باريس العسكرية الثلاث بنهاية العام الحالي، ومغادرة سفيرها العاصمة نيامي.
يعتبر قرار فرنسا دليلاً على إحكام العسكريين النيجريين لقبضتهم على السلطة، والانتقال بها إلى مرحلة متقدمة، بعد أن تلاشت تهديدات مجموعة "إيكواس" التي فشلت مسبقاً في تحقيق إجماع يخولها التدخل العسكري في نيامي بعد معارضة الجزائر وإيطاليا، وتهديدات حكومتي كل من بوركينا فاسو ومالي بالتدخل عسكرياً ضد أي هجوم يستهدف السلطة الجديدة في النيجر.
اللحظة التاريخية
الواقع الذي تتحدث عنه انقلابات وسط وغرب أفريقيا في كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر والغابون يعطي تأكيداً أن ظرفاً تشهده منطقة الساحل الأفريقي ليس بدلالة حدث واحد ممثل في النيجر، ولكن بلغة مشتركة لقادة التغيير العسكريين في كل هذه الدول، وما تمثله نيامي من نجاح يعطي دفعاً قوياً بحكم أن تغييرها كان الأصعب بحيثيات التحديات والضعف السياسي الذي مثله الرئيس المخلوع محمد بازوم بعد تمكينه مصالح فرنسا ودول غربية أخرى على حساب مصالح بلاده وشعبه.
وتنحي فرنسا عن المشهد مثل انتصاراً استحق بالفعل خروج جماهير النيجر واحتفالاتها التي لا تزال مستمرة بما سماه المجلس العسكري "اللحظة التاريخية"، ووصفه لقرار الخروج بالانتصار السياسي و"الخطوة المهمة تجاه سيادة النيجر".
تراجع نفوذ
كان نجاح العسكريين في فرض أنفسهم كنظام جديد على رغم ما واجهوه من مصاعب مرده عزم القيادة العسكرية وتأليبها للشعب من وراء شعارات قومية في رفض الوجود الفرنسي، وإلهاب المشاعر القومية للنيجريين بشعارات "السيادة"، لتحاصر القاعدة الجوية الفرنسية في نيامي ومقر السفارة بحشود جماهيرية واعتصامات متزايدة، مما مثل ضغطاً مستمراً على باريس وإضعافاً لمكانتها الدولية، وأجبرها أخيراً على اتخاذ قرارها بالمغادرة.
استجابة باريس لمطالب المجلس العسكري في النيجر يصفه بعضهم بتراجع نفوذ لأهم الدول الغربية التي ظلت متحكمة في وسط وغرب أفريقيا، وفضت قواعدها العسكرية الثلاث في (نيامي وولام وأيورو) لتخرج تماماً من قلب منطقة الساحل الأفريقي في مالي وبوركينافاسو والنيجر، ولا يتبقى لها سوى قاعدة واحدة لا تزال بالعاصمة التشادية نجامينا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبتفكك هذه القواعد التي حدد لها نهاية العام الحالي 2023، وخروجها من النيجر يضعف مبرر الوجود العسكري بحجة ما ظلت تصفه القوى الدولية مصطلحاً بخطر "الجماعات الإرهابية" وتبرر وجودها على ضوئه في وسط وغرب أفريقيا، لتفقد فرنسا هيمنتها السابقة في كل من مالي وبوركينا فاسو وأخيراً الغابون.
على رغم ما يحسبه بعضهم من نجاح لمسيرة انقلاب النيجر لكن أخطاراً تتشكل في ما تعانيه الدولة من ضعف اقتصادي كأفقر الدول الأفريقية وفق التصنيفات الدولية، وسيظل الاقتصاد يشكل تحدياً إلى جانب التحديات الأمنية، وهنا يتساءل المراقبون بعد النجاح الذي حققه العسكريون في بعض دول الساحل الأفريقي، ما مستقبل المنطقة وإلى أي مدى تصمد الأنظمة العسكرية وتنجح في تحقيق النقلة السياسية والاقتصادية والتنموية المنشودة لمجتمعاتها؟
الاستعمار المتجدد
يقول أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية صلاح الدين عبدالرحمن الدومة إن "ضعف الأنظمة الوطنية التي أعقبت خروج المستعمر، والخلافات السياسية وعدم الإجماع الوطني في كثير من البلدان الأفريقية مثل بيئة مواتية لهيمنة الدول الغربية في استغلال ثروات شعوب القارة السمراء مستغلة واقعاً سياسياً وتبعية حكومات ظلت عميلة لأجل مصالح أسرية أو شخصية، ليعقب هذا الواقع الذي عانت فيه كثير من الدول رفضاً وطنياً تمثل في قيادات المؤسسات العسكرية في تصديها لأحداث التغيير الوطني، وشهد كثير من الدول انقلابات عسكرية لتصحيح واقع ما بعد الاستعمار الذي يصفه بعضهم بحقب (الاستعمار المتجدد)".
ويضيف الدومة "لكن ما جعل الرفض ملازماً لمصطلح الانقلاب هو فشل بعض العسكريين سواء نتيجة فساد أو غيره في تحقيق تطلعات ظلت كشعارات فقط من دون فعل، وهذا ما أضعف مكانة الحكومات العسكرية".
وتابع "ولكن رغم القصور في اعتقادي فإن التعامل السالب سواء من الدول الكبرى أو المنظمات الأممية وغيرها في وجه الانقلابات العسكرية يأتي دائماً لدوافع ذاتية تريد فيها القوى العظمى تحقيق مكاسب، والتمكين لأنظمة ضعيفة عبر شعارات الديمقراطية لضمان استمرار المصالح، وليس الأمر على كل حال هو إنصاف للشعوب".
ومضى في تحليله "الدول الكبرى كأميركا وبريطانيا وفرنسا وروسيا لديها تنافس أصبح واضحاً على ثروات أفريقيا ممثلة في دول عديدة، ولذلك فهي دائماً ضد التغييرات العسكرية الوطنية التي تصفها كونها انقلابات على الديمقراطية".
وأضاف "يتبقى عنصر النجاح لدول الساحل وقد اجتازت التحدي بفرض الواقع العسكري، ولكن ينتظرها معالجة الأوضاع الاقتصادية وتحقيق متطلبات شعوبها من تنمية وبناء، وحينها تستطيع اجتياز أهم العقبات وتكريس واقع سياسي يعمل على تثبيت الدولة عبر نظام يحفظ المصالح القومية بجميع أشكالها".
تلاش متواصل
الكاتب الصحافي حالي يحيى يرى بدوره أنه من منطلق الواقع السياسي والاقتصادي في وسط وغرب أفريقيا "أعتقد أن مسار التغيير بدأ يتشكل لينقلب على ديكتاتوريات باتت تتلاشى وتفقد مصالحها مع الغرب بخاصة فرنسا".
واعتبر أن "التغيير الحالي سواء في النيجر أو الغابون أو مالي جاء نتيجة لواقع اجتماعي واقتصادي حتم ضرورة مسايرة حركة وتطور الحياة السياسية، لا سيما أن الأجيال الجديدة باتت تعمل وفق تغيير يلبي طموحاتها المختلفة".
وقال يحيى "من جانب آخر استقلت روسيا واقعاً جديداً ظل رافضاً لفرنسا، ودعمته عسكرياً واقتصادياً وهي من يصفها بعضهم كونها وراء الانقلابات الأخيرة في الساحل، لكن في تقديري لن يتوقف قطار التغيير على هذه الدول، وكثير من دول القارة الأفريقية مرشحة لانقلابات جديدة بخاصة في الدول المتبقية في الوسط والغرب، نتيجة ضغوط المحيط الإقليمي المتغير، فالواقع الجديد يتسبب في خسارة باريس ونفوذها السياسي والثقافي والاقتصادي، وما حدث في نيامي مؤشر واضح لنهاية نفوذ ظل لفترات طويلة".
وذهب إلى أنه "على رغم وضعها الاقتصادي وحال الحرب مع أوكرانيا، كسبت روسيا تعاطف القادة الجدد في غرب القارة، لكن موسكو قد لا تستطيع إدارة علاقتها الجديدة مع هذه الدول بشكل يؤمن استمرارية المصالح المشتركة معها لأسباب عديدة أهمها الوفاء باستحقاقات شعوب المنطقة التي يصنف بعضها روسيا كونها استغلالاً جديداً باستبدال القديم الذي ظلت تمثله فرنسا".
اتفاقات جائرة
أما الباحث في الشؤون الدولية عادل عبدالعزيز حامد فقال إنه "لكل زمان متغيراته بحكم تطور الحياة وحركتها المستمرة، فعندما خرجت فرنسا من مستعمراتها في غرب أفريقيا في السابق لم تخرج خروجاً طوعياً مما جعلها تربط خروجها من تلك الدول التي كانت تحت سيطرتها باتفاقات ظالمة وجائرة، فرضت بموجبها مبالغ مالية ضخمة تدفع سنوياً للخزانة الفرنسية، وألزمت بعض الدول باتفاقات تجارية ظالمة، وكانت الدول المستعمرة والمتحررة حديثاً في ذلك الوقت مضطرة إلى القبول للحصول على الاستقلال، ولكن بعد حدوث الثورة التقنية والمعلوماتية الكبيرة، وازدياد معدلات المعرفة والوعي العام أصبح هناك رفض وتمرد لدى الشعوب الأفريقية مقاوم لأي فروض ظالمة".
ويعتقد حامد أن ما تواجهه دول الساحل المتحررة حديثاً من فرنسا من تحد بإمكانها تخطيه بتفعيل ما تمتلكه من إمكانات، ووضع أسس نظم اقتصادية تستطيع الاستجابة لمتطلبات النهضة عبر كوادر وطنية تتحمل المسؤولية، وفق عملية مدروسة وشفافية تعيد الأمور لنصابها.
ومضى في تفسيره، "ظلت القيادات الوطنية الأفريقية في الماضي خاضعة للجهات الاستعمارية وإغراءات شخصية جرفتها عن استحقاقات شعوبها، ولكن الآن وفي ظل ثورة المعلوماتية الضخمة أصبح هناك رقابة على المصالح ولا تستطيع أي من الجهات المنحرفة سواء مدنية أو عسكرية أن تخدع شعوبها الواعية بالمعرفة والمواكبة".
وختم حديثه بقوله "لكن حقيقة ومهما يقال، فالواقع الجديد الذي يقوده العسكريون في وسط وغرب أفريقيا لا شك مليء بالتحديات سواء في متطلبات ظروف متردية ورثتها الأنظمة الجديدة، أم تحديات تنمية تطلبها الدول لأجل اللحاق بغيرها من دول في ظل التنافس الإقليمي والدولي وركب العالم المتقدم إلى الأمام".