Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل أغلقت تونس الباب في وجه صندوق النقد الدولي نهائيا؟

الرئيس قيس سعيد تمسك باستقلالية القرار الوطني من دون إملاءات أو شروط المؤسسة المالية الدولية

تونس تمكنت من سداد جل ديونها الخارجية تقريباً حتى 20 سبتمبر الجاري 2023 (رويترز)

ملخص

متخصصون يؤكدون ضرورة التعاون مع الصندوق ولكن بمراعاة وضع البلاد

خفت الجدل الدائر حول العلاقة المتوترة بين تونس وصندوق النقد الدولي التي نشبت قبل عامين على أثر طلب الحكومة التونسية قرضاً من الصندوق بقيمة 1.9 مليار دولار، إذ انقطع الحديث عن التمويل الجديد في الأشهر الأخيرة، سواء على مستوى الدوائر الحكومية أو حتى بين محللي الاقتصاد.

وتعقدت الأزمة بين الطرفين أكثر مع تفجر أزمة المهاجرين غير النظاميين، وغذى العلاقة الفاترة بين تونس وصندوق النقد الدولي موقف الرئيس التونسي قيس سعيد الأخير على هامش اجتماع مجلس الأمن القومي الأسبوع الماضي، إذ قال "سنعول على أنفسنا فيما يخص تمويل الموازنة من دون تنازل عن ذرة واحدة من السيادة"، إذ إن سعيد يرفض رفضاً قاطعاً ما وصفه بإملاءات الصندوق التي تدور حول ضرورة إجراء إصلاحات داخلية وإعادة هيكلة منظومة الدعم، معتبراً ذلك غير شعبية، إذ تؤدي من وجهة نظره إلى اضطرابات اجتماعية وخيمة على البلاد في إشارة منهم إلى إصلاح منظومة الدعم في البلاد.

وعوضت الحكومة التونسية النقص في التمويل خلال السنة الحالية بالاقتراض الداخلي لتمويل الموازنة من دون اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، إذ أصدرت قروضاً محلية وطنية وسندات خزانة قصيرة ومتوسطة المدى من المصارف التونسية.

انتقادات لاذعة

لم يقتصر هجوم الرئيس التونسي على سياسات صندوق النقد الدولي في الأوساط والاجتماعات الداخلية، بل امتد إلى الخارج، إذ إنه هاجم خلال توقيع مذكرة تفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي في شأن ملف الهجرة غير النظامية المؤسسة المالية الدولية، معتبراً أن "النظام النقدي العالمي لم يعد من الممكن أن يستمر بالشكل والمضمون نفسهما".

وقال سعيد خلال كلمة ألقاها أمام رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين متحدثاً عن الصندوق الدولي "تنسحب عليه اللعنة القديمة"، مؤكداً ضرورة إيجاد سبل جديدة للتعاون خارج إطار النظام النقدي العالمي الحالي، ومتمسكاً بموقفه الرافض لإملاءات الصندوق، خصوصاً التي تتعلق بمراجعة سياسة الدعم وإصلاح الشركات الحكومية وتقليص كتلة الأجور في القطاع الحكومي.

توقف المفاوضات

إلى ذلك، يرى عدد من محللي الاقتصاد في تونس أن "الاتفاق بين تونس والصندوق معطل بسبب رفض قيس سعيد للإصلاحات التي اقترحتها حكومته وقدمتها لصندوق النقد الدولي، ولا سيما التي تتعلق برفع الدعم"، وذهب معظم المتخصصين إلى أن "المفاوضات متوقفة تماماً، وتونس هي التي تعرقلها"، وأن الاتفاق "عفا عليه الزمن" ويجب إعادة النظر في الملف من جديد، استناداً إلى المعطيات الجديدة المتعلقة بنسبة النمو والتضخم والعجز الميزان التجاري وعجز الموازنة.

علاقة لا بد منها

من جهته، قال المتخصص المالي بسام النيفر إن "تونس نجحت نسبياً منذ مطلع العام الحالي في تحصيل عدد من القروض الخارجية الثنائية على رغم الحصار المالي الدولي بسبب عدم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي"، وأضاف "العام الحالي اقترضت تونس 500 مليون دولار من البنك الأفريقي للتوريد والتصدير، إضافة إلى قرض بقيمة 500 مليون دولار من السعودية، علاوة على تعهد من الاتحاد الأوروبي زيادة دعم الموازنة المتفق عليه في سنة 2023".

وحول قرض صندوق النقد قال النيفر إن "تونس تبقى في حاجة إلى القرض، إذ إن العلاقة مع الصندوق مهمة لاستقرار الآفاق الاقتصادية للبلاد ودعم الثقة في اقتصاد تونس، علاوة على تخفيف الضغط من وكالات التصنيف الدولية مع اشتغال مؤسسات الدولة والشركات العمومية بعيداً من الضغوط البنكية وطرق خلاص السلع"، وتابع أنه "على رغم أن تونس نجحت نسبياً في الحصول على قروض ثنائية، فإن الاتفاق مع الصندوق الدولي يظل مهماً حتى لو نجحت تونس في الحصول على مزيد من القروض الخارجية، خصوصاً ثنائية الأطراف".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتبر النيفر أن "الموقف السياسي، وخصوصاً من جانب الرئيس قيس سعيد الرافض لإصلاحات وإملاءات الصندوق جمد الوضع، لا سيما أن الإصلاحات المتفق عليها بين خبراء الصندوق وتونس تتركز على إصلاحات بالموازنة وتقليل كلفة الإنفاق ذات البعد الاجتماعي، سواء على مستوى الأجور والتحويلات الاجتماعية ودعم المواد الأساسية والغذائية"، وتابع أن "صندوق النقد له سياسات معينة يطبقها على كل الدول التي تتعامل معه ولا يمكنه أن يمنح تونس إجراءات خاصة"، مشيراً إلى أن "تونس تبحث عن حلول مالية محلية ذاتية، إلا أن أزمتها لا تزال في تدبير العملة الصعبة".

تراجع الاقتراض الخارجي

وتشير بيانات مالية رسمية إلى تراجع الاقتراض الخارجي لتونس في الفترة من يونيو (حزيران) 2022 إلى الشهر نفسه من العام الحالي بنسبة 52 في المئة، وتبرز الأرقام الصادرة عن وزارة المالية تراجع الاقتراض من 5607.7 مليون دينار (1896 مليون دولار) نهاية يونيو 2022 إلى 2710.3 مليون دينار (903.4 مليون دولار) في يونيو الماضي.

وعلى رغم شح الاقتراض، فإن تونس زادت حصيلتها بنحو 746 مليون دينار (248.6 مليون دولار) خلال فترة المقارنة نفسها، وهو ما جاء عكس توقعات وكالات التصنيف العالمية بفضل تحسين مستوى إيرادات الموازنة بنسبة 6.6 في المئة خلال النصف الأول من العام الحالي.

 في غضون ذلك، سددت تونس جل ديونها الخارجية تقريباً، إذ دفعت نحو 7264 مليون دينار (2421.3 مليون دولار) من إجمالي 8945 مليون دينار (2981.6 مليون دولار).

علاقة ضرورية ولكن

من جانبه، قال أستاذ الاقتصاد بـ "الجامعة التونسية" رضا الشكندالي إن "العلاقة بين تونس وصندوق النقد يجب أن تتواصل على أسس ومقاربات مغايرة من منطلق أن المساعدة المالية مطلوبة ومهمة لتونس، على رغم نجاحها في تجاوز الأزمة المالية من دون اللجوء إلى الاقتراض الخارجي في السنة الحالية"، وأضاف الشكندالي أن "المؤشرات المالية الراهنة تبرز تقدم ملحوظ للحكومة التونسية في سداد الديون الخارجية"، مرجعاً ذلك إلى عائدات القطاع السياحي وتحويلات المغتربين التي تمثل نحو 40 في المئة من احتياط البلاد من النقد الأجنبي.

رسالة إيجابية وأخرى سلبية

واعتبر الشكندالي أن موقف الرئيس التونسي له رسالتان، الأولى تمثل رسالة إيجابية تشير إلى قدرة البلاد على تجاوز أزمتها المالية بعيداً من الاقتراض الخارجي والتعويل على السياحة وتحويلات المغتربين واستعادة نسق تصدير الفوسفات مع مزيد تحسين مناخ الاستثمار، وتابع أن "الرسالة الثانية السلبية تشير إلى صعوبة إجراء تونس الإصلاحات الاقتصادية الضرورية من دون مساعدة مالية دولية، إذ تتطلب أموالاً كبيرة"، قائلاً "صندوق النقد الدولي مفتاح الوصول إلى القروض الخارجية"، وأكد أنه "في المقابل، صندوق النقد الدولي مطالب بالإصغاء بذكاء إلى الحلول التونسية في ما يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تقترحها تونس"، قائلاً "عليه أن يأخذ بعين الاعتبار الوضع الداخلي للبلاد".

اقرأ المزيد