Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"هرب بدائي" من سجون شديدة الحراسة

قفز من الحائط وحفر أنفاق بملاعق وتنكر في زي نسائي جميعها طرق ألهمت صناع السينما

سلطات السجون تستعين بالكلاب المدربة على كشف الممنوعات داخل الزنازين (أ ف ب)

ملخص

على رغم انتشار سجون شديدة الحراسة حول العالم لكنها تسجل حالات هرب بطرق بدائية

للوهلة الأولى، تبدو بعض المحاولات الناجحة لهرب المساجين الأكثر خطورة، وكأنها مزحة، فأحدهم يحفر نفقاً بملعقة، وآخر يغافل الحراس ويلتف داخل أنبوب الصرف، وثالث يتنكر في مظهر أنثوي فتنطلي عليهم الخدعة، ثم ذلك الذي ظهر وهو يتسلق جدارين متقابلين بشكل أفقي وبخفة تضاهي لاعبي الأكروبات.

لكن الجانب الأكبر من حالات الهرب حدثت في سجن يصنف بأنه منشآت عقابية على درجة عالية من التأمين، وعصية على الهرب، بل هناك من وصفها بالمستحيلة، نتيجة للتأمين اللوجيستي والتكنولوجي والبوابات العملاقة المصفحة إضافة إلى دقة المراقبة، التي تلاحق كل خطوات النزلاء، وبالطبع إلى خبرة الحراس في تتبع من يشكون في أمره.

هنا يبقى السؤال، لماذا تتكرر تلك الحوادث للمجرمين المعروفين مسبقاً بمدى تمردهم؟ وماذا يعني السجن شديد الحراسة إذا كان الفرار منه بطرق بسيطة بل وقد تكون بدائية أو حتى كوميدية ممكناً إلى هذا الحد؟

خلال الأيام الأخيرة، انشغل العالم بمتابعة فيديو بدا وكأنه لقطة تمثيلية هوليوودية، وظهر فيه السجين الأميركي دانيلو سوزا كافالكانتي (34 سنة) وهو يسير بطريق طبيعة في أحد ممرات سجن مقاطعة تشيستر بولاية بنسلفانيا الأميركية، ثم فجأة يضع جسده بطريقة عرضية بين حائطين - على الأرجح كان قد اختبر المسافة بينهما بشكل دقيق في ما قبل - ويتسلقهما بسرعة قياسية، ويختفي عن الأنظار.

كاميرات السجن سجلت الواقعة التي تعني أن النظام الأمني بالمكان ليس على ما يرام، على رغم أن سجن المقاطعة الكبير يضم عدداً من المجرمين شديدي الخطورة، وبينهم دانيلو الذي حكم عليه قبل أسابيع قليلة بالسجن مدى الحياة، بسبب قتله صديقته السابقة بـ 38 طعنة أمام طفليها.

هروب بطرق بدائية

حتى الآن لم يعثر على قاتل صديقته الهارب بطريقة لاعبي السيرك، فيما على الجانب الآخر تبحث السلطات الإنجليزية على قدم وساق عن الجندي البريطاني السابق صاحب الـ21 سنة دانيال عابد خليفة المتهم بالإرهاب والتجسس لمصلحة إيران، آملين في العثور عليه قبل أن يفر خارج البلاد.

رحلة البحث عن خليفة تأتي بعدما نجح في الهرب بطريقة غير متوقعة من سجن واندسوورث غرب العاصمة البريطانية لندن، وهو أحد أكبر السجون في البلاد، ويحوي أكثر من 1600 محكوم، وقد تنكر خليفة في زي طاه وربط نفسه أسفل شاحنة لنقل الطعام وخرج بسهولة.

وفي حين يتم الحديث حالياً عن خروقات أمنية وعن تقاعس أمني في السجن الذي كان خليفة نزيلاً به، بل وهناك تكهنات شبه مؤكدة على أنه تلقى مساعدة من الداخل كي يتمكن من الفرار خلال ساعة واحدة فقط من بدء العملية التي خطط لها كثيراً على ما يبدو، إلا أن تلك المحاولة هي الثانية من نوعها خلال أربعة أعوام في السجن نفسه، على رغم تشديد الحراسة.

هنا ينوه عضو اتحاد المحامين العرب، المحامي محمد مصطفى واصل، إلى أن السجون في العالم تنقسم إلى عدة أقسام بحسب القوانين الحاكمة في كل دولة إلا أنه يظل أكثرها خطورة، تلك السجون شديدة الحراسة لما يمتاز به رواد هذه السجون من طبيعة إجرامية فائقة قد تمس سياسات الأنظمة الحاكمة مثلاً أو يكونوا مدانين بتهم الإبادة الجماعية أو متورطين في قضايا العنف بين الشعوب أو التخابر والإضرار بأمن وسلامة الدول.

وتابع عضو اتحاد المحامين العرب بقوله، "عادة ما تكون إجراءات وتدابير الحراسة والوقاية مشددة بشكل أكبر في هذا النوع من السجون حول العالم مقارنة بالسجون الأخرى".

اختراق سهل

إذن فالأخطار التي يمثلها المدان ونوع الجرائم التي يرتكبها هي التي تحدد نوع السجن الذي ينزل به، ولذا كان من الطبيعي أن تختار المكسيك، على سبيل المثال، أكثر سجونها حراسة ليقضي فيها تاجر المخدرات الخطر خواكين غوزمان لويرا المعروف باسم "إل تشابو"، فترة عقوبته، إذ تصنف جرائمه على مستوى دولي بعد أن دين وعصابته بتهريب أطنان من مخدر الكوكايين عبر كولومبيا والمكسيك إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى قتله عشرات من أعدائه.

وعلى رغم ذلك فقد نجح "إل تشابو" في الهرب عدة مرات أحدها في مطلع الألفية، حيث كان نزيل أحد السجون الفيدرالية شديدة الحراسة في المكسيك، من طريق الاختباء في عربة الغسيل، وبالفعل بقي 13 عاماً بعيداً من العيون، حتى ألقت السلطات القبض عليه مرة أخرى عام 2014، وبعدها بأشهر قليلة ظهر فيديو يكشف طريقة هربه الغريبة للمرة الثانية، بعدما توجه إلى منطقة الاستحمام في زنزانته ثم غاص في نفق طوله يصل إلى 1500 متر، وغادر السجن.

 

 

ونشرت صور للنفق المجهز بالإضاءة ودراجة نارية ساعدته على الابتعاد سريعاً عن منطقة الخطر، وبعد القبض عليه سلم إلى الولايات المتحدة، حيث يقضي عقوبة السجن مدى الحياة في سجن فيدرالي شديد المراقبة والحراسة، يتميز بزنازين مصنوعة من الخرسانة والألومنيوم وأثاثه مدمج في البناء، وهو يقع في سجن جزيرة الكاتراز الحصين بسان فرانسيسكو، ويطلق عليه الكاتراز الصخري.

السينما وراء القضبان

اللافت أن هذا السجن المحصن تماماً، شهد في مطلع ستينيات القرن الماضي عملية هرب شديدة التعقيد بطلها ثلاثة رجال تمكنوا من الفرار عبر حفر نفق بملعقة طعام في أحد جدرانه الخرسانية، كما صنعوا من المعاطف الواقية من المطر قوارب تمكنهم من اجتياز مياه الجزيرة وعلى رغم ترجيح السلطات لفرضية غرقهم إلا أن عدم العثور على أثر لهم، جعل آخرين يشيرون إلى أنهم على الأغلب نجوا وعاشوا بهويات مستعارة في دولة أخرى.

قصة الهرب شبه المستحيلة كانت مغرية بالطبع لهوليوود التي قدمتها في فيلم عام 1979 من بطولة كلينت إستوود بعنوان "الهرب من الكاتراز".

أما العمل الأكثر شعبية عن قصص السجون سيئة السمعة، في ما يتعلق بالتجاوزات القانونية بها، والتي تتمتع بدرجة عالية من التأمين، هو "الخلاص من شاوشنك" - عام 1994 - وقدم قصة إنسانية ثرية وإن لم تستند إلى حادثة واقعية بعينها إلى أنه بات أيقونة سينمائية، وتدور قصته حول البطل الذي نجح في حفر نفق يصل إلى فناء السجن الخارجي على مدار وقت طويل بمطرقة يخبئها في الكتاب المقدس، بعد أن ظل مصراً على براءته من جريمة قتل زوجته وعشيقها، وبعد أن حاول بكل الطرق القانونية إثبات ادعائه، ولكنه وجد تعنتاً كبيراً فلجأ إلى تلك الوسيلة للنجاة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وصور الفيلم المأخوذ عن قصة لستيفن كينج في إصلاحية أوهايو، وهو من إخراج فرانك دارابونت، إذ شبه كثيرون عملية الهرب من سجن جلبوع الإسرائيلي قبل عامين بما جرى في الفيلم الهوليوودي واعتبروه ملهماً لستة أسرى فلسطينيين تمكنوا من حفر نفق تحت الأرض يبلغ طوله عشرات الأمتار من دون أن ينتبه لهم الحراس، ويتمكنوا من الهرب بطريقة سلسة ولكن في ما بعد تمت مطاردتهم والقبض عليهم.

من جهته، يشير المحامي واصل إلى أن عقوبات الهرب من السجن تختلف من دولة إلى أخرى، بحسب مواد القانون فيها وعما إذا كانت جريمة الهرب من السجن مقترنه بجريمة أخرى أم لا، إذ يتم القبض على الهاربين وتوجه إليهم التهم من السجن وتصدر ضدهم أحكاماً بالحبس تضاف إلى مدة حبسهم الأصلية، كما يتم في بعض الأحيان حرمانهم من حقهم في التمتع بالعفو والإفراج الشرطي أو الصحي على سبيل المثال.

إلا أن العقوبات الأكثر شيوعاً تتمثل في إخضاع السجناء الهاربين للتأديب والنقل إلى زنازين انفرادية ضيقة من دون متنفس أو ضوء ومنعهم من الخروج منها ومنع الزيارة عنهم، وفي بعض الحالات تحدث تجاوزات، إذ يتم تعذيبهم من طريق الصدمات الكهربائية أو إجبارهم على الوقوف لساعات متواصلة على قدم واحدة أو وضع القرفصاء، وغيرها.

حراسة مشددة

ويرى عضو اتحاد المحامين العرب أن السجون شديدة الحراسة تضم المساجين الأكثر خطورة بطبيعة الحال، وهو أمر يتوافق تماماً مع فكرة العنف الذي يتفشى في بعض تلك السجون، نظراً إلى التضييقات والتشديدات التي تمارس على نزلائها، وهو الأمر الذي دوماً ما يشغل حيزاً مهماً على جدول أعمال مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، وتحديداً من خلال برنامج "دعم التحكم في السجناء المتطرفين العنيفين ومنع التطرف المفضي إلى العنف في السجون".

وبحسب الموقع الرسمي للمنظمة الدولية يسعى البرنامج إلى "زيادة قدرة الدول الأعضاء على التحكم في السجناء المتطرفين العنيفين بشكل فعال ومنع دفع السجناء نحو التطرف المفضي إلى العنف في نظم السجون الخاصة بها".

وبالعودة إلى أبرز حالات الهرب من السجون شديدة الحراسة على مستوى العالم لا سيما بالطرق البسيطة كان من بينها، هرب فرانك أباغنال المحتال الأشهر في التاريخ الأميركي والذي جسد ليوناردو دي كابريو شخصيته في فيلم "أمسك بي إن استطعت" عام 2002، حين اعتقل بسبب انتحاله عشرات الشخصيات واحتياله للحصول على أموال طائلة من دون وجه حق.

وكان يتميز بالبراعة الشديدة، وعلى رغم تكرار عدد مرات هربه ولكن كان من أكثرها غرابة هي خروجه من أمام أعين الحراس وبمساعدتهم بعدما أقنعهم ببساطة أنه يعمل مفتشاً للسجن.

 

 

ومن قصص الهرب من السجون قوية التأمين أيضاً ما فعله تاجر المخدرات البرازيلي كلاوفينو دا سيلفا عام 2019 حينما هرب من سجن غيريسينو شديد الحراسة في ريو دي جانيرو، متنكراً في هيئة ابنته التي كانت في زيارة له، وارتدى قناعاً وشعراً مستعار وبعض الملابس النسائية بل وترك ابنته وراء القضبان بدلاً منه، فيما تكررت محاولات هرب "دا سيلفا" التي كانت تنجح جزئياً ولكن يتم القبض عليه بعدها، وكانت هذه من بينها حيث عثر عليه سريعاً بسبب غرابة هيئته والسجين الخطر يقود تشكيل عصابي يعتبر من أكبر الشبكات الإجرامية في البرازيل ويحمل اسم Red Command.

وعلى ما يبدو أن التنكر في هيئة نسائية لعبة مفضلة لدى أباطرة تجارة المخدرات في البرازيل، إذ فعلها أيضاً رونالد سيلفا عام 2012 بمساعدة زوجته التي أحضرت له ملابس نسائية وشعراً مستعاراً حينما كانت في زيارة له، ولكنه لفت الأنظار بعدما تجاوز حدود السجن نظراً لعدم تمكنه من السير بحذاء بكعب عال.

التحايل على التأمين المشدد

بالعودة إلى المحامي محمد مصطفى واصل فإنه على رغم تدابير الحراسة الفائقة والتأمين الإلكتروني عالي المستوى في مثل هذه السجون، الأمر الذي يجعل بعضها مشيداً تحت الأرض، إلا أنه يوجد الكثير من عمليات الهرب التي تمت بشكل بدائي جداً لا يتناسب مع هذا النوع من التأمين البشري والآلي.

ويتابع، "قد يكون من أسباب نجاح تلك المحاولات هو تواطؤ المسؤولين عن تأمين هذه السجون والرشوة والمغافلة أثناء الترحيل والتظاهر بالإعياء وكذلك من طريق إدخال الهواتف الذكية لمثل هذه السجون"، منبهاً إلى أنه لا يغفل أحد تداخل الأنظمة الحاكمة في بعض البلاد في هرب هؤلاء المساجين من ذوي النشاط الإجرامي شديد الخطورة للتغطية على أنشطة بعينها بسبب تورطهم في بعض الأعمال مع تنظيماتهم.

لكن أيضاً هناك ظروف استثنائية يحدث فيها مثل تلك الوقائع وبينها الاضطرابات السياسية الواسعة، والانتفاضات والثورات، ولعل من أشهر الأمثلة الحديثة في مصر ما يعرف بقضية اقتحام السجون، والتي حدثت خلال الأيام الأولى لثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، بعد اقتحام مجموعة من المسلحين لسجن وادي النطرون شمال غربي العاصمة القاهرة، مما أسهم في هرب عدد كبير من قيادات جماعة الإخوان المسلمين المحظورة حينها وبينهم الرئيس الأسبق الراحل محمد مرسي.

وعوقب الهاربون بأحكام الإعدام، وبينهم المرشد العام للجماعة المصنفة على أنها إرهابية في مصر، محمد بديع. ووفقاً للتحقيقات فقد استخدم المقتحمون أسلحة ثقيلة، وكان من بينهم عدة أفراد من غير الجنسية المصرية، ومن أشهر السجون شديدة الحراسة في مصر "سجن طرة 2" شديد الحراسة، و"سجن العقرب".

وحول بعض الطرق التي يمكن من خلالها تقييم خطورة السجناء الملحقين بهذه النوعية من السجون شديدة الخطورة، مدى تهديدهم على المجتمع عند الفرار، وأيضاً محاولات الهرب السابقة لهم، وكذلك طبيعة ونوع الجريمة، وفقاً لعضو اتحاد المحامين العرب.

ولفت إلى أن الجرائم في السجون شديد الحراسة في العالم لا تقتصر على نوع معين أو جريمة بعينها من دون الأخرى، إضافة إلى الأخطار المحتملة من التواصل مع من هم خارج السجن، لأنه عادة ما يكون السجين من أفراد العصابات واحتمالية تواصله مع أقرانه في الخارج واردة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات