Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عودة لنظرية النبوة (الحلقة الخامسة)

رؤية الأفغاني للإسلام لم تكن من منطلق لاهوتي ديني بل من ذهنية فلسفية

جمال الدين الأفغاني أحد زعماء حركة الإصلاح والتجديد الديني في عصر النهضة العربي (ويكيبيديا)

إحياء الأفغاني للنظرية

يُعَدّ محمد جمال الدين الأفغاني (1254-1315 ه/1838-1897 م) أحد زعماء حركة الإصلاح والتجديد الديني في عصر النهضة العربي (1798-1939). وكان الأفغاني خطيباً وسياسياً وصحافياً، ويعرف عدّة لغات، لكنه لم يكن يحب الكتابة، ولم يكتب غير القليل من المؤلفات الصغيرة، منها "الرد على الدهريين"، ورسالته في الرد على محاضرة إرنست رينان (1823-1892) عن "الإسلام والعلم"، وكذلك افتتاحياته في مجلة "العروة الوثقى"، التي نشر فيها معظم آرائه وأفكاره، فضلاً عن تلخيصات لأحاديث وضعها بعض تلامذته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن خلال سعيه المتواصل في عملية الإصلاح والتجديد الديني، تطرق الأفغاني إلى نظرية النبوة، إذ دَرَسَ الفلسفة الإسلاميَّة في مدينتي النجف وكربلاء بالعراق، خصوصاً أن الحوزة العلمية في النجف تتناول فلسفة ابن سينا في مناهجها.

وفي أثناء زيارته الأولى إلى إسطنبول في العام (1287 ه/ 1870 م)، ألقى الأفغاني محاضرة في "الفلسفة الإسلامية"، وأبدى فيها ميوله الواضح نحو النهج العقلي الذي اتّبعه الفارابي وابن سينا، سّيما بإعلاء منزلة الفلسفة إلى مستوى النبوة. مما أثار عليه سخط العلماء التقليديين، وعلى رأسهم شيخ الإسلام التركي حسن فهمي أفندي، الذي لم يكن مؤيداً لما طرحه الأفغاني في مسألة إصلاح مناهج التعليم. إذ كان الأفغاني عضواً في مجلس المعارف بأمر حكومي، وأراد الاضطلاع بمهام واجبه وعمله، لكن حدث الخلاف، وصدر قرار رسمي برحيل الأفغاني عن البلاد لفترة مؤقتة، ورغب إليه بعض مريديه أن يتحوَّل إلى مصر، فعاد إليها في العام (1288 ه/ 1871 م).

على أي حال، يرى الأفغاني في محاضرته التي ألقاها في إسطنبول، أن "الجسم الاجتماعي لا يحيا دون روح، وأن روح هذا الجسم هي الملكة النبوية أو الملكة الفلسفيَّة. فالأولى هي هبة من الله. أمَّا الثانية فهي تنال بالتفكير والدرس". وعليه، فإن العقل هو المصدر إلى النبي والفيلسوف، غير أن الاختلاف الوحيد بينهما يكمن في طريقة التعبير عن الحقيقة. فطريقة النبي تكون في الرموز الدينية للعامة، بينما طريقة الفيلسوف هي المفاهيم الواضحة للخاصة.

وإذا جاءت أقوال بعض الفلاسفة المسلمين، أمثال الفارابي وابن سينا والمعري، بالردّ العقلاني على ابن الراوندي والرازي، فإن الأفغاني استخدم النهج نفسه تجاه الحركة الإيرانية المتمثلة بالبهائية، وكذلك الحركة الهندية لأحمد خان (1232-1306 ه/1817-1898 م)، لأن تلك الحركتين تشكلان خطراً حقيقياً على عقيدة الأمة الإسلامية. فالبهائية تستعيض عن عقيدة النبوة بعقيدة الانبثاق، وهي بذلك تزيل التمييز بين الله الخالق والإنسان المخلوق. وكذلك تؤمن بوحدة الأديان جميعاً، ووحدة الإنسانية جمعاء، ضمن مبدأ الوحدة الروحيَّة للجنس البشري، بغية إزالة الفوارق والاختلافات بين الناس، حسب تعاليم مؤسسها حسين علي نوري المازنداري (1232-1300 ه/1817-1892 م) المعروف بلقب بهاء الله.  

أمَّا الطبيعيَّة التي نادى إليها أحمد خان، بعد زيارته إنجلترا في العام (1286 ه/1869 م)، ومكث فيها نحو عام ونصف العام، فإنها نصَّت على أن القرآن هو جوهر الإسلام لا الشريعة، كما يجب تأويل القرآن وفقاً لمبادئ العقل والطبيعة، سيما في الغيبيات المتعلقة بالملائكة والجن، إذ لا وجود لها كما يزعم. وقال: إن "الوحي تنزيل إلهي بالمعنى، وليس باللفظ"، أي تنزيل على قلب النبي فقط. وكذلك بالنسبة إلى الأخلاق والحقوق يجب أن تكون قائمة على الطبيعة.

ورأى الأفغاني أن هذه الحركة ليست أكثر من دسيسة بريطانية لإضعاف الإيمان وهدم وحدة المسلمين. ولقد فنّدهم بقوة في كتابه "الرد على الدهريين"، وحسب تصوّره، أن الأديان الحقيقية تقوم على ثلاث حقائق هي:

أولاً: أن الإنسان ملك الأرض وأنبل خلق الله.

ثانياً: أن المجتمع الديني هو أفضل المجتمعات على الإطلاق.

ثالثاً: أن الإنسان أُرسل إلى هذه الدنيا ليحقق كماله استعداداً إلى الحياة الأخرى.

ومن خلال التسليم بتلك الحقائق الثلاث الآنفة الذكر، تنجم الفضائل الثلاث: الحياء والأمانة والصدق، التي هي أساس المجتمع. فالدهريون، حسب قول الأفغاني، الذين ينكرون تلك الحقائق، إنّما يهدمون أُسس المجتمع الإنساني، وينزلون الناس من على عرش المدنية الإنسانية إلى حضيض الحيوانية. إنهم يحتقرون الحياء على أنه ضعف لا فضيلة، وبإنكارهم يوم الحساب يستأصلون جذور الأمانة والصدق. ومّا هذا إلاّ سمٌّ خفيٌّ يتفشى في أطوار انهيار المدنيات جميعاً.

ويشير الأفغاني إلى مّا أشار إليه الغزالي عن الباطنية التعليمية، في هدم الإسلام من الداخل وإضعافه، ففي معرض سرده التاريخي يقول "فقد ظهر في العالم القديم بمظهر الفلسفة الأبيقورية، وفي فارس القديمة في شخص مزدك، كما وجد تعبيراً له في التاريخ الإسلامي في الحركات الباطنية، التي أوّلت الإسلام على غير حقيقته، فأضعفت الأمة الإسلامية، ومهّدت السبيل إلى حلول مصيبة الصليبيين بها".

وإذا احتفظ بعض المسلمين بفضائلهم الأصلية، فتمكّنوا في آخر الأمر من طرد الصليبيين، إلاّ أنّه لم يكن بإمكانهم استئصال الشر من الأمة فبقيت ضعيفة. وها هي الآن فريسة لسموّم الدهرية الجديدة، التي رَكَبها في فرنسا مفكرو القرن الثامن عشر "الأحرار"، وجاء اليوم ينفثها في الإسلام أحمد خان وأمثاله.

العقل والنبوة

وفق رأي الأفغاني، إن الإسلام هو إيمانٌ بالتعالي، ثم إنّه إيمانٌ بالعقل. فالإسلام يشجّع الناس على استعمال قواهم العقلية بحرية، لثقته بأن مّا لا بدّ أن بها لن يتعارض والحقائق المُنزّلة بواسطة النبوة.

إن الإسلام وحده من بين الأديان الذي يحرر العقل البشري من الأوهام والخرافات، ويسمح له بإنّماء جميع مواهبه. إذ إن التوحيد، الذي هو الركن الأول من أركان الإسلام يطهر الذهن من جميع الأوهام. فهو بقيامه على أساس أن الله هو وحده خالق الكون لا يترك مجالاً للاعتقاد بقدرة أي كائن من الكائنات المخلوقة على التأثير في الخليقة، كما لا يسمح بالقول إن الله ظهر في صورة الإنسان أو الحيوان أو أنه قاسى الآلام في وقتٍ من الأوقات في سبيل المخلوقات.

ويشير الأفغاني أيضاً، إلى أن ما دين آخر يعلّم بهذا الشكل أن العقل قادر على معرفة كل شيء وامتحان كل شيء. وأن عقل كل إنسان قادرٌ على ذلك. فمّا من دين سواه يوحي للناس باحترام الذات وبالشعور بالمساواة. هذا الاحترام وهذا الشعور اللذان يختلج بهما فؤاد المسلمين أو يجب أن يختلج بهما فيما لو عرفوا حقيقة دينهم.

وبما أن اليهودية والهندوسية تنكران المساواة بين البشر، وكذلك تنكر المسيحية على الجميع معرفة الحقيقة الإلهية باستثناء اللاهوتيين، لذلك لا يمكن للعقل البشري أن يحقق نفسه إلاّ بالإسلام، حسب تصوّر الأفغاني، لأن الشريعة التي تسلّمها النبي من الله هي شريعة الطبيعة نفسها، التي يمكن للعقل البشري أن يتبينها من دراسة الكون.

أمَّا سبب حاجة العقل البشري إلى النبوة، رغم أنه يمكن للعقل مبدئياً بلوغ الحقيقة، لأن الطبيعة البشريَّة، حسب مفهوم الأفغاني، لا يمكنها بقواها الخاصة اتّباع القواعد التي يضعها العقل. فالإنسان مليء بالشهوات والرغبات الأنانية، التي لا يمكن إلاّ لمبدأ العدل ضبطها كما ينبغي. وهو أمر يتم بأربع طرق:

1- أن يدافع كلٌ عن حقهِ بالقوة، وهذا ما يؤدي إلى الفوضى والاضطهاد.

2- أن يتقيد كلٌ بمّا يمليه عليه شرفه، ومفهوم الشرف يتغير من مجتمع إلى آخر، بل من طبقة إلى أخرى.

3- أن يذعن كلٌ امرئ إلى سلطة الحكومة، وهذا لا يمنع إلاّ نوعاً من أنواع الظلم، ولا يمكنه أن يقيم العدل الحقيقي.

4- أن يؤمن الناس بوجود الله والحياة الأبدية وفي يوم الحساب، وهو إيمانٌ يضع وحده الأساس الثابت للتقيد بالمبادئ الخلقية.

ومن هنا، كان للنبوة وظيفةٌ عمليةٌ، فقد بُعِثَ النبي لإنشاء مجتمع فاضل والمحافظة عليه. وهناك نخبتان لقيادة المجتمع البشري: المرشدون الذين يضبطون الشهوات ويدلوّن على طريق الفضيلة، والمعلمون الذين ينوّرون الذهن. الأنبياء ينتمون إلى الفئة الأولى، بينما الفلاسفة ينتمون إلى الفئة الثانية.

إن عقلية الأفغاني لم تكن إصلاحية دينية فقط، بل فلسفيَّة حديثة أيضاً. ففي الوقت الذي سار فيه على منوال الفارابي وابن سينا في التوحيد بين الفلسفة والنبوة، فإنه دعا إلى استعمال العقل في تفسير القرآن وفق معطيات وعلوم العصر. فإذا كان هناك تناقض مّا، فعلينا أن نفسره تفسيراً رمزياً، لأن في القرآن تلميحات لأشياء لم يكن بوسعه شرحها بشكل وافٍ، لأن العقول لم تكن مستعدة لذلك وقتذاك.

أمَّا الآن، وقد بلغ العقل كماله، فعليه أن يحاول الكشف عن حقيقة تلك التلميحات. فالقرآن يحتوي مثلاً على إشارات خفيَّة إلى العلم الحديث واكتشافاته، كالسكك الحديدية والكهرباء والمؤسسات السياسية الحديثة. لكن لم يكن من الممكن قبل الآن فهم هذه الأشياء. ثم إنّه لمّا كان العقل البشري قادراً على تفسير مثل هذه الأمور، فباستطاعة أي واحد أن يفسّرها، شريطة أن يكون عالماً باللسان العربي، وذا عقلٍ سليم، وعارفاً بسيرة السّلف الصالح الذين كانوا حرّاس النبوة.

ويسير الأفغاني على خطى الفلاسفة المسلمين، في مسألة العلّة والمعلوّل، فكل مّا يحدث في العالم إنّما يحدث بتسلسل العلّة والمعلوّل، وأن الله إنّما هو العلّة الأولى التي بها بدأت السلسلة. ومّا قرارات الإرادة البشريَّة إلاّ حلقات ضرورية من هذا التسلسل، وهي قرارات حرّة. غير أن الله علَّمنا بالعقل وبواسطة الأنبياء كيف يجب أن نتخذها.

إن الاعتقاد بالقضاء والقدر، يعني أن الله مع مَنْ يعمل العمل الصالح. وهذا الاعتقاد لا يحمل على التقاعس، بل على العمل. فلم يقم بأعظم الأعمال إلاّ أولئك الذين اعتقدوا بأن الله معهم.

هذا، ولقد أخذ الأفغاني من الفارابي وابن سينا فكرة المشاركة بين الحاكم والفيلسوف، كبديل ثانٍ للحاكم الفيلسوف، كما أنه اتبع فكرة أفلاطون في السعي لدى الحكام لإقامة الدولة الحقة. إذ تنقَّل الأفغاني بين الحكَّام المسلمين علّه يجد حاكماً يستطيع بواسطته إقامة دولة الإسلام الصحيحة. لكنه لم يعثر على ضالته، إذ إمَّا هناك حاكم لم يطبع على العدل، أو حاكم لا يريد حكم الشرع. كما أن الحكَّام المسلمين كانوا يرومون منه على جمع الكلمة حول سلطتهم، فوجدوه يهدف إلى تسخّير سلطتهم لإقامة نظام إسلامي حقيقي موحد يواجه أوروبا الطامعة بأرض المسلمين. وبما أن طبيعته كانت إصلاحية ثورية، لذلك كان الأفغاني ينقلب بعنف على الحاكم الذي يخيّب أمله فيه. ولقد ساعدت هذه الثورية على تقوية الحراك السياسي في العالم الإسلامي الحديث.

كيفما كان الأمر، فإن إيمان الأفغاني بالنبوة، وأن محمداً (صلّ الله عليه وسلّم) خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنه مُرسلٌ للناس أجمعين، وأن القرآن هو كلام الله، لكن رؤيته ومفهومه إلى الإسلام لم تكن من منطلق لاهوتي ديني، بل من ذهنية فلسفية تؤمن بالتوحيد بين الفلسفة والنبوة.

إن إحياء الأفغاني نظرية النبوة يسير وفق منهجه الإيحائي إلى نهضة الأمة الإسلامية من الجهل والتخلف، في مجابهة أوروبا الحديثة الطامعة بخيرات المسلمين، وذلك بالفهم الصحيح والعصّري للإسلام وتراثه الديني والفكري والفلسفي.

المزيد من آراء