ملخص
لا تزال الضجة المثارة في العراق بسبب قانون العفو العام مستمرة إلى الآن سياسياً وشعبياً، لا سيما أنه يعد مطلباً رئيساً للقوى السنية المنضوية في إدارة الدولة التي تشكلت عنها حكومة محمد شياع السوداني، وعلى رغم مساعي تمريره فإنه حتى الآن لم يتم التوافق على الفئات المشمولة به بسبب المخاوف من ثغراته.
وصوت مجلس الوزراء العراقي الأسبوع الماضي على مشروع تعديل قانون العفو العام وإحالته على مجلس النواب، فيما يرى متخصصون أن القانون يمكن أن يتم إفراغه من محتواه، مؤكدين أنه يرفع من مظلومية بعض الأشخاص، ويمكنه تعزيز الوحدة الوطنية في حال عدم استغلاله بشكل سيئ.
ويستخدم قانون العفو العام عادة للتخفيف من الاكتظاظ في السجون وأيضاً لتحقيق غايات وأهداف سياسية وانتخابية، فضلاً عن الأهداف الاجتماعية له. وسبق أن أعلن مجلس الوزراء العراقي، في 18 يوليو (تموز) الماضي، عن إجراءات جديدة في شأن قانون العفو العام.
وبحسب بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني فإنه "عملاً بالمنهاج الوزاري الذي أقره مجلس النواب في 27 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، واستناداً إلى وثيقة الاتفاق السياسي للقوى السياسية التي شكلت الحكومة، والتي تضمنت إجراء مراجعة قانونية لقانون العفو العام، قرر المجلس إعداد الدائرة القانونية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، مسودة لمشروع تعديل قانون العفو العام، باعتماد النص الذي صوت عليه مجلس النواب بالتاريخ المشار إليه".
وتركز التعديل على الفقرة الرابعة من القانون، التي جاءت وفق التالي، "إجراء مراجعة قانونية لقانون العفو العام، بهدف تعريف جريمة الانتماء للتنظيمات الإرهابية، لتشمل كل من ثبت بأنه (عمل في التنظيمات الإرهابية أو قام بتجنيد العناصر لها أو قام بأعمال إجرامية أو ساعد بأي شكل من الأشكال على تنفيذ عمل إرهابي أو وجد اسمه في سجلات التنظيمات الإرهابية)".
ويندرج قانون العفو العام ضمن المطالب للقوى السنية، الذي تضمنه البرنامج الحكومي ويشمل التدقيق الأمني في محافظاتهم وإلغاء هيئات أو إيقاف العمل بها كانت تشكل مصدر قلق وأزمة لديهم. ويعد قانون العفو العام محل جدل بين الكتل السنية والشيعية، ولم يتم الاتفاق على الفئات المشمولة به لغاية الآن.
البرلمان ينتظره
وفي هذا السياق قال عضو اللجنة القانونية النيابية بالبرلمان العراقي رائد المالكي إن مجلس النواب لم يتلق مسودة أو مشروع قانون للعفو العام أو لتعديله منذ تشريعه في عام 2016.
المالكي نوه في تصريح صحافي سابق إلى أنه ما وصل إلى مجلس النواب هو نسخة من قرار مجلس الوزراء، والذي بموجبه كلف الدائرة القانونية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء بإعداد مسودة قانون للعفو العام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا الإطار تمسك النائب عن تحالف تقدم فهد مشعان بعدم وصول قانون العفو العام إلى مجلس النواب، مؤكداً عدم التنازل عن إقرار القانون تحت أي شكل من الأشكال.
وقال مشعان في تصريح صحافي إن القانون لم يصل بعد إلى مجلس النواب، مشيراً إلى أنه أحيل على اللجنة القانونية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء من أجل مراجعته بشكل شامل قبل إرساله إلى البرلمان.
وبحسب النائب العراقي فالقانون لا بد من إقراره بالنسبة إلى كتلته النيابية ولا يمكن القبول بغير ذلك، موضحاً أن الكتل السياسية سبق لها الاتفاق على إقرار القانون ضمن ورقة الاتفاق السياسي.
إفراغ من محتواه
بدوره يرى رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أن تعديل قانون العفو العام يسهم في رفع مظلومية حول بعض الأشخاص المتهمين ويندفع باتجاه تحقيق نوع من العدالة، لكنه لا يعتقد أن هذا القانون سيكون مختلفاً بعد تعديله أو يعمل على رفع نسبة أكبر ممن أدينوا قضائياً نتيجة ما سمي "المخبر السري"، بل سيكون هناك ضغط على الحكومة من بعض الأطراف لإفراغ القانون من محتواه.
ونبه إلى أن قانون العفو العام لن يكون علامة دالة أو سيسهم في شكل كبير فيما يعزز الوحدة الوطنية التي ستكون لها مسارات أخرى ولن يكون شاملاً في كل الأطراف، لكن في النهاية هو جزء من عملية تحقيق الوعود التي اتفق عليها ضمن تحالف إدارة الدولة.
ولفت الانتباه إلى وجود أطراف لا تريد إقرار قانون العفو العام في الأساس قبل الانتخابات المحلية - إن جرت - لكونها لا تريد إطلاق سراح بعض المتورطين في قضايا معينة، موضحاً أنه لذلك يدخل مشروع القانون المعدل في دائرة الجدل السياسي.
تعزيز للوحدة الوطنية
في حين يعتبر المتخصص في الشأن الأمني عقيل الطائي أن القانون بعد التعديلات التي تخص الإرهاب وتوابعه ستخفف من الاحتقان والتوترات لدى القوى السياسية السنية، بالتالي إن تم تطبيقه بصورة صحيحة ومعاقبة من تمت إدانتهم وإخراج أصحاب الأحكام الخفيفة التي يمكن تسويتها اجتماعياً أو عشائرياً فإنه سيعزز الوحدة الوطنية وسيمحو الشعور بالاستهداف أو الغبن لكن شريطة أن يحسن تطبيقه وعدم استغلاله لخروج المجرمين.
وختم الطائي حديثه بالقول "نتمنى أن يتم تطبيقه لبدء مرحلة من حسن النوايا وعدم استغلاله من البعض للمتاجرة والمزايدات السياسية وينتهي هذا الملف".
ولكن المتخصص في الشأن القانوني علي التميمي ذكر أن التعديل في قانون العفو العام سيركز على مجموعة من النقاط أهمها إعادة التحقيق في بعض القضايا "وسنكون أمام محاكم تحقيق متخصصة تنشأ بموجب هذا القانون وتراجع الملفات وتنظر إلى الإفادات والتقارير الطبية وربما فحص جديد للتعذيب قد تكون آثاره باقية".
وقال "إنه إذا ثبت وجود التعذيب فسنكون أمام مساءلة للأشخاص الذين قاموا بالتعذيب وفق المادة 333 من قانون العقوبات وسوف تتم مساءلتهم، وسنكون أمام تعديل لتعريف معنى الانتماء، إذ يوجد قرار سابق لمحكمة التمييز بأن الذي لم يقم بجريمة أو بفعل أو لم يشترك لا يسأل قانونياً ويشمل بالعفو".
وتابع "العفو العام يمكن أن يشمل عديداً من الجرائم، وقد تكون تلك الجرائم جنائية أو جنحاً أو مخالفات إدارية، وتتنوع القوانين بالنسبة إلى مدى تطبيق العفو على مختلف الأنواع من الجرائم وشهادة متهم على متهم آخر محتمل أن تؤخذ في الاعتبار، أي عندما يكون متهمان في جريمة أحدهما يعترف والآخر ينكر فيكون أحدهما شاهداً على الآخر".
وأضاف التميمي "ضحايا المخبر السري يمكن أيضاً أن تشملهم قرارات العفو - حال إقرارها - وكذلك شمول القضايا البسيطة كالمشاجرات والسب والقذف والجنح البسيطة".
وأنهى حديثه بالتأكيد أن التعديل هو خطوة بالاتجاه الصحيح في هذه المرحلة، خصوصاً أن البلاد مقبلة على انتخابات مجالس المحافظات وتحاول فتح صفحة جديدة، مقراً بأن دعاوى القتل تحتاج إلى تنازل المدعي بالحق الشخصي، وربما تكون هناك تخفيضات لأحكام الشخص الذي أمضى نصف المدة، ليطلق سراحه.