Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب تغير الغجر في سوريا

اكتسبوا عادات جديدة منها الميل إلى الاستقرار

بعض الغجر بات يؤمن بأن الترحال لعنة (اندبندنت عربية)

بصوت جريء وعيون سوداء تحدق بك تدعوك هذه البصارة أو تلك، على الكورنيش البحري في اللاذقية، إلى قراءة طالعك مع ابتسامة ومؤثرات صوتية عبارة عن أصداء اصطدام أصداف في أيديهن، وهي عدة شغلهن.

لا تتوقف الفتيات عن مناداة المارة، ولا يوحي مظهرهن بصلة مع غجريات بلاد الأندلس وجبل طارق الإسبانيات بأقراطهن الكبيرة وملابسهن الفضفاضة، كما صورتها المسلسلات والأفلام، لكنهن ينحدرن من الفئة العرقية ذاتها، ويرتدين ثياباً أكثر حداثة ممزوجة مع لمسة ريفية.

فتيات يتجولن على الكورنيش القريب من شاطئ بحر اللاذقية، غرب سوريا، وبعضهن يحمل أطفالاً، وينتشرن في المكان المحتشد بالمارة ويعجّ بكثيرٍ من الغرباء قاصدين الشواطئ للاستجمام والسباحة وفي فترة ما بعد الظهيرة حين تتدنى حرارة الشمس يتسابقن للعمل واصطياد زبائن "المشاوير" المسائية.

رحلة الاستقرار

لقاؤنا العابر بالغجرية زينة، كما أطلقت على نفسها، كان كفيلاً بفتح الباب مُشرعاً نحو الغوص بتفاصيل فئة اجتماعية تعيش على هامش الحياة في زمان ومكان مفقودين بالنسبة إليها.

زينة في العقد الثالث من العمر، تبدو أكبر من عمرها وهي تصطحب طفلها، "فتحت عيني وأنا أتنقل برفقة عائلتي من الرقة إلى بادية حمص قبل أن تقودنا الحرب مع عائلات أخرى من الغجر إلى هنا".

عائلة زينة كما أسرّت لنا فضّلت الاستقرار هنا في المدينة الساحلية كاسرةً إحدى أبرز عاداتها الترحال والتنقل دون توقف، تقول رفيقتها في مشوار عملها بقراءة الطالع إن عائلتها أيضاً تعيش في الرمل الجنوبي وقد طاب لها الاستقرار هنا بعدما عاشت الهدوء حالها حال كثيرين من السوريين خرجت مدنهم عن سيطرة الدولة ولجأوا إلى المدن الساحلية التي كانت بمنأى عن نيران الحرب والنزاعات الأهلية.

بلا أرض بلا وطن

الغجر أو كما يسمون بالعامية "القرباط" أو "النَّوَر" أناس فضلوا الخيام على الأبنية، بالرغم من استقرار كثيرين منهم في المدن أو الأرياف بعد رحلات طويلة. وإبان الحرب السورية منذ 2011 استوطن القرباط في أرياف حمص وحلب واللاذقية وأطراف العاصمة، وقد حيّدوا أنفسهم عن السياسة والحروب، والنسبة الكبيرة منهم لم تنخرط في النزاعات المسلحة.

"أرض الله الواسعة" شعار حلّهم وترحالهم هم وعائلاتهم، ومثّلت الخيمة بكل ما تحمله من تفاصيل وألوان غامقة علم "النّور" الرّحل. فهم مواطنون سوريون بلا وطن وبلا أرض، برأي أبو جاسم أحد كبار القرباط (70) سنة.

وفي جلسة صغيرة مع أحد عرّابي حياة القرباط في هذه المدينة يقول: "حياتنا صعبة، فنحن بلا هوية، ومن يحمل هوية شخصية في يديه بعد معاناة كوننا من مكتومي القيد، تلاحقه لعنة القرباط وتهمة لا تزول حتى وإن بدا يعيش حياة المدنية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقاليد الغجر وأعرافهم غريبة، فمنهم من يعتبر ترحالهم لعنةً، والقسم الأكبر منهم يعتبره ميزة خصهم الله بها. فالأراضي كلها ملكهم يتنقلون أين ومتى يشاؤون، بلا قيود وبحرية.

يضيف الشيخ الغجري في حديثه عن تقاليد أهل جلدته "يقال إن نسلنا يعود إلى جساس، وأننا أتينا من البادية بعد صراع طويل مع الزير سالم والحكاية الأسطورية الشهيرة،وبعد مصرع جساس هِمنا في الصحراء وتناثرنا، والأرجح أننا وفق ما يقول البعض من بلاد الهند وصلنا إلى تركيا وبلاد الشام ومنا من وصل إلى الأندلس".

القنافذ وخطف الأطفال

لا يتوانى الشيخ الغجري عن سرد طرائف وغرائب أهله، محدثنا عن عشق أهله لأكل القنافذ بعد صعوبة اصطيادها بأشواكها اللاسعة. بعد رحلة صعبة ليلاً يأتي الصائدون بهذه المخلوقات ويذبحونها فور تنظيف شوكها ويأكلونها بعد شوائها.

ويلف حياة القرباط السوريين الغرابة على الرغم مما تحمل هذه الفئة من الناس من طرافة وطيبة. أغلبيتها بلا تعليم وتعيش بلا رعاية صحية، ولا تتمتع بالخدمات. عدا ذلك فهي من مكتومي القيد. لهذا لا توجد إحصاءات دقيقة عن أعدادهم في السجلات الرسمية ومكاتب تعداد السكان. ومن أغرب القصص المبالغ فيها المسيئة لهم هي أنهم يخطفون الأطفال، وبارعون في السحر والشعوذة.

القرباط والتمدن

التنبؤ بالمستقبل والتسوّل وقراءة الطالع من أبرز عادات نسوة الغجر، وقد تحولت إلى مهنة، فأكثرير رجال القرباط لا تعمل، ومن يعمل منهم يسعى إلى جمع النفايات والمخلفات الحديدية والبلاستيكية وغيرها من المواد القابلة لإعادة التدوير.

من جهة ثانية، خالف هذه العادات عدد من القرباط تمردوا على منظومة الغجر. ويلفت الباحث الاجتماعي فاضل عيسى إلى أن عدداً من القرباط الغجر نال شهادات عالية، ومنهم من يعمل في الطب والقانون.

ويرجح عيسى أن القرباط بعد الحرب اتجهوا إلى الاستقرار. وهذا الخيار كان صعباً عليهم لأنهم اعتادوا التنقل.

ويقول "للغجر إرثهم الخاص ولغتهم الخاصة يظهر ذلك في موسيقاهم ورقصهم المميزين، فضلوا الانتشار حول المدن الكبرى عبر مجموعات سكانية متقوقعة بالخيام ونسبة منهم أقامت لنفسها البيوت الحجرية أو الطينية في أطراف المدن وينحدرون من الشعوب الهندوآرية".