Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خريطة جديدة بصدد التشكل في أفريقيا تنشأ من رحم الانقلابات العسكرية

بصمات روسيا و"فاغنر" واضحة في أكثر من انقلاب والصين موجودة كشريك اقتصادي

فرنسا إرحلي شعار ينتقل من عاصمة أفريقية إلى أخرى (أ ف ب)

يشي الانقلاب الذي نفذه الحرس الرئاسي في النيجر ضد الرئيس محمد بازوم بنهاية حقبة كانت لفرنسا فيها اليد الطولى في البلاد، بينما تبدو سفينة النفوذ الغربي ككل تائهة في الساحل الأفريقي والقارة السمراء برمتها، حيث صعدت نخب عسكرية وسياسية مناهضة للغرب بشكل كبير.
بدأت القصة مع مالي التي شهدت انقلابين عسكريين انتهيا بوضع حد للعمل بالاتفاقيات الدفاعية مع فرنسا، ثم بوركينا فاسو التي استنسخت ذات التجربة من قادة باماكو الجدد، وقبلهما قامت جمهورية أفريقيا الوسطى بالأمر ذاته، لكن مع سبق آخر وهو الاستنجاد بمجموعة "فاغنر" الروسية، الذراع الخارجية العسكرية القوية بيد الرئيس فلاديمير بوتين.
ومع تصاعد المشاعر الشعبية الغاضبة والرافضة لحضور فرنسا في هذه الدول، بات السؤال الأكثر إلحاحاً يطرح، هل بدأت تتشكل ملامح خريطة جيواستراتيجية جديدة في أفريقيا؟ لا سيما أن فرنسا نفسها باتت تدرك في السنوات الماضية أن القارة السمراء التي تزخر بثروات مهمة، لكنها تئن تحت وطأة أزمات وأوبئة فاقمت معاناة سكانها، لا يمكن أن تبقى تحت هيمنتها المطلقة. ففي مارس (آذار) الماضي تحدث الرئيس إيمانويل ماكرون، بكل وضوح بأن "عهد أفريقيا الفرنسية انتهى" مبدياً رغبة بلاده في عدم التدخل مجدداً في الشؤون الأفريقية، لكن بمجرد أن هز النيجر انقلاباً عسكرياً أطاح أحد أبرز حلفاء باريس لم تتردد الأخيرة في التحرك لإنقاذ حليفها محمد بازوم.

الانقلابات... شبح الحكام الأكبر
"انقلاب"... مصطلح يخضّ دولاً ويطيح أنظمةً ويسقط حكاماً ليأتي بآخرين قد يتحولون إلى طغاة. فما هو الانقلاب؟ من يقوم به؟ كيف ينفذه، ولأية أهداف؟ إليكم الأجوبة من "المجهر".
Enter
keywords

 

استحالة الدفاع عن النفوذ

المتابع لتطور الأحداث في النيجر بإمكانه أن يلحظ تصميماً من الانقلابيين على عدم إعادة العمل بالنظام الدستوري في البلاد، وهو ما يعكس تحدياً لفرنسا والغرب، وخصوصاً أذرعهم في القارة السمراء، لا سيما في أعقاب التهديدات التي أطلقتها مجموعة دول غرب أفريقيا الاقتصادية (إيكواس) بالتدخل عسكرياً لإعادة الرئيس بازوم إلى دفة الحكم.
وتنتهي المهلة التي حددتها المجموعة، الأحد، لكن لا مؤشر إلى تراجع محتمل للانقلابيين الذين قد يحذون حذو نظرائهم في مالي وبوركينا فاسو بالتحالف مع "فاغنر" والروس، في مواجهة التحديات الأمنية التي تمثلها الجماعات المتشددة المرتبطة بتنظيم "القاعدة" وتنظيمات إرهابية أخرى.
واعتبر المحلل السياسي الفرنسي توماس غينولي أن "فرنسا لم تعد قادرة على الدفاع عن مواقعها في أفريقيا، لذلك كان من الأفضل لها أن تتخلى عن تلك المواقع". وأضاف غينولي وهو أستاذ جامعي أيضاً في حديث إلى "اندبندنت عربية"، أنه "عندما حدثت عمليات إنهاء الاستعمار، احتفظت فرنسا بدائرة نفوذ في أفريقيا، لا سيما في شكل محميات عسكرية وشراكات اقتصادية غير متكافئة. ومع ذلك، لم تحافظ فرنسا على الإطلاق على وجود اقتصادي وعسكري يتناسب مع الاقتصادات والتركيبة السكانية المتزايدة للبلدان في هذا المجال من النفوذ".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأردف أن "علاوة على ذلك، قللت الحكومات الفرنسية المتعاقبة من أهمية قوة الاستياء الشعبي المناهض لفرنسا في فترة ما بعد الاستعمار، على عكس حب النخب الفرنكفونية الحاكمة".
واستنتج أنه "لذلك أصبح من السهل بشكل متزايد، بالنسبة إلى القوى المتنافسة، طرد فرنسا من مجال نفوذها في أفريقيا، يكفي مساعدة الانقلابات العسكرية التي تؤدي بعد ذلك إلى طرد القوات الفرنسية، وفي موازاة ذلك، أطلقت روسيا حملات الإنترنت الواسعة الانتشار لتعزيز الاستياء الشعبي في أفريقيا من فرنسا".
وعلى رغم نفي البيت الأبيض أية معلومات له حول دعم محتمل لـ"فاغنر" أو روسيا للانقلاب في النيجر، فإن دوائر دبلوماسية وسياسية غربية تعتقد أن بصمات هؤلاء ماثلة في الأحداث الجارية في نيامي. في المقابل لم يخفِ طباخ الرئيس بوتين، الذي يقود قوات "فاغنر"، يفغيني بريغوجين، ترحيبه بالانقلاب على الرئيس المنتخب ديمقراطياً بازوم.


فقدان كل الأوراق

وهناك شبه إجماع لدى المحللين والباحثين السياسيين على أن هناك بالفعل خريطة جديدة بدأت في التشكل في أفريقيا، وأن سياسات الغرب هناك بدأت بالاضمحلال نتيجة تنامي الغضب الشعبي الرافض لاستغلال الثروات الطبيعية هناك، وغير ذلك.
وقال الباحث السياسي المقيم في باريس نزار الجليدي إن "الغرب عموماً، وفرنسا خصوصاً، اللاعب الرئيس في أفريقيا حتى بعد استقلال مستعمراتها، خسر كل أوراقه نتيجة الأصوات العالية التي تريد التغيير في أفريقيا، وثانياً تحولات جيوسياسية، وبخاصة الحضور الروسي والصيني القوي في المنطقة".
وتابع الجليدي أن "روسيا غيرت قانون اللعبة وفتحت أكثر من واجهة لإعياء اقتصادات أوروبا، بخاصة أن الأوروبيين ليس لهم اقتصاد حرب وهم في تبعية للولايات المتحدة، الآن الدب الروسي يقوم بفتح جبهة جديدة".
وشدد المتحدث ذاته على أن "الإرث الغربي ككل بدأ في التراجع، مثل الفرنكفونية، ففي موريتانيا مثلاً هناك تحويل تام نحو اللغة الإنجليزية والهجرة نحو كندا والولايات المتحدة ولم تعد فرنسا الهاجس الأول، وفي المنطقة ككل في دول مثل غامبيا وغينيا تم اختيار طرق أخرى وبوصلة أخرى في التعامل مع الكيانات الأجنبية، هي تريد قوى لا تتعامل بذهنية استعمارية".
ومع توالي سقوط الأنظمة المتحالفة مع فرنسا يخامر كثيرون أسئلة من قبيل: هل تقدر باريس والعواصم الغربية يوماً ما مستقبلاً على العودة إلى أفريقيا؟ وكيف؟
يجيب الجليدي بأنه "لا أمل في عودة فرنسا إلى أفريقيا، خصوصاً بعد سقوطها في دول الساحل وسيراليون، وأيضاً الجزائر الذي بات يضع فيتو حقيقي على بقاء باريس". وأكد أن "هناك حاضنة شعبية تريد التغيير اليوم في أفريقيا، وهذا التغيير لا يمر إلا من خلال شراكة جديدة، ربما مع روسيا".
وفي خضم التحولات الجديدة من غير الواضح ما إذا سيكون البديلان الجديدان للغرب في أفريقيا، وهما روسيا والصين أساساً، لهما القدرة على مساعدة النخب الحاكمة الجديدة على استجماع قواها، خصوصاً في مواجهة تحديات مثل الإرهاب ومعارك التنمية والاقتصاد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير