Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"إيكونوميست" تروي قصة أكبر سرقة مصرفية في التاريخ جرت في العراق

تقصت الصحيفة البريطانية تفاصيل تبدد المليارات في مصرف الرافدين وتحويل الأموال إلى خمس شركات مغمورة

سرق 2.5 مليار دولار من حساب في مصرف الرافدين، أكبر المصارف الحكومية العراقية، عام 2022، في ما عُرف بأكبر سرقة مصرفية في التاريخ (إيكونوميست)

ملخص

سرق 2.5 مليار دولار من حساب في مصرف الرافدين، أكبر المصارف الحكومية العراقية، عام 2022، في ما عُرف بأكبر سرقة مصرفية في التاريخ

في تحقيق استقصائي مطول، روت "إيكونوميست" قصة سرقة 2.5 مليار دولار من حساب في مصرف الرافدين، أكبر المصارف الحكومية العراقية، عام 2022، في ما وصفته بأكبر سرقة مصرفية في التاريخ. ولفتت المجلة البريطانية إلى أن الحساب ورقمه 60032 كان مخصصاً للضرائب التي تدفعها شركات النفط وغيرها من الشركات العاملة في العراق وذلك في شكل مسبق قبل منحها عقوداً حكومية، على أن تدفع ضرائب إضافية أو تستعيد بعضاً مما دفعته وفق ما تحققه من أرباح بعد تنفيذها العقود. وأضافت أن التسويات اللاحقة كانت تستغرق وقتاً قد يصل إلى خمس سنوات بسبب العراقيل البيروقراطية، ما جمّع في الحساب المذكور كميات ضخمة من الأموال إلى أن آلت إلى أيدي سارقين.

ووفق المجلة، كان في مقدور وزارة المالية أن تطلب من إحدى الجهات الرقابية الست العاملة في البلاد التحقيق في السرقة، لكن بسبب الفساد المستشري في مفاصل الدولة وهيمنة "الفصائل" (الميليشيات) المسلحة عليها من خلال أجنحتها السياسية، دعت الحاجة إلى محقق من خارج المنظومة. فاستعانت بحسين قنبر، 49 سنة، وهو استشاري خبير في العمل المصرفي الرقمي وُلِد في العراق وأمضى شطراً كبيراً من حياته في استوكهولم حيث أنهى دراساته الجامعية. فهذا المتحدر من أسرة تجارية بغدادية عريقة، غادر مسقط رأسه عام 1992 بعدما ضايقه رجال تابعون لنظام الرئيس السابق صدام حسين، وعاد بعد سقوط النظام ليؤسس شركة للدفع عبر الهواتف المحمولة لكن الفوضى التي سادت وقتذاك حملته على العودة إلى السويد.

حساب شبه فارغ

وبحسب "إيكونوميست"، عاد قنبر إلى العراق عام 2021 ليعمل في مشروع للإصلاح المصرفي كانت تنفذه الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وحين استدعته وزارة المالية في أغسطس (آب) 2022 ليحقق في السرقة، كان قد عاد إلى استوكهولم. واقترح على الوزارة تشكيل فريق من المحامين والمحاسبين الأكفاء، وفور تشكيل الفريق عاد إلى بغداد. وطلب من الفريق أن يحصل على كشوف الحساب 60032 من إدارة مصرف الرافدين وفق طلب من الوزارة. ودرس الفريق الكشوف فور الحصول عليها ليتبين أن الحساب بات شبه فارغ، فقد حُوِّلت الأموال إلى خمس شركات لم يكن أحد من أعضاء الفريق قد سمع بأسمائها قبلاً. وانسحب الجميع باستثناء قنبر من التحقيق، إذ اشتبهوا بتورط ميليشيات نافذة في العملية.

ولفتت المجلة إلى أن السلطات الضريبية نفت حصول السرقة، مؤكدة أن الأموال لا تزال في الحساب وأن أي شركة دفعت ضرائب إليه لم تطالب باسترداد أموالها. وبدأ قنبر يبحث عن مسؤولين حكوميين قد يكونون نزيهين بما يكفي لمساعدته في حل اللغز. وما لبث أن زوده مسؤول بصور عن شيكات صادرة من الحساب قيد التحقيق لمصلحة الشركات الخمس. وملأت الصور حقيبة. وبلغ المبلغ المحول ككل 2.5 مليار دولار، أي ما يوازي مخصصات الحكومة لقطاع الرعاية الصحية. وتبين أن التحويلات حظيت بموافقة مسؤولين كبار وأن الأموال نُقِلت نقداً في شاحنات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثمن تقاسم السلطة

وعزت "إيكونوميست" الفساد المستشري في الإدارات الحكومية العراقية إلى أسباب من أبرزها نظام تقاسم السلطة الذي أرساه الأميركيون عام 2003. فقد قسم النظام الذي فصله معارضون منفيون خلال عهد صدام البنية التحتية للدولة بين أحزاب زعمت تمثيل طوائف أو مجموعات إثنية في العراق. وبعد سقوط صدام، نهبت هذه الأحزاب موارد الدولة لتشتري بها ولاء الناس. وانفجر الغضب الشعبي من الفساد تظاهرات حاشدة عام 2015، ورد رئيس الوزراء وقتذاك حيدر العبادي بتعيين حكومة تكنوقراط. لكن الأحزاب لم تتخل عن الهيمنة، فهي سيطرت على الوزراء الجدد بالترغيب والترهيب.

يقول كاتب التحقيق نيكولاس بيلهام: "على الورق، يُعَد العراق بلداً غنياً، فهو من أكبر البلدان إنتاجاً للنفط في العالم، وهو حصد 115 مليار دولار من صادراته النفطية العام الماضي. لكن قليلاً من هذا المال يصل إلى عامة الناس. ففي جوار مقر السلطات الضريبية ثمة مدينة صفيح حيث يعيش كل ثمانية أشخاص في غرفة. وحين تمطر، تمتلئ الأزقة المليئة بالنفايات بمياه الصرف الصحي. وحين يكون الطقس حاراً، تضرب الشمس السقوف الحديد فتحول المنازل إلى أفران. وتغيب الصيانة التي يعتد بها عن المستشفيات حيث يكثر اندلاع الحرائق. ولدى العراق ثاني أعلى نسبة وفيات للأطفال في الشرق الأوسط. أما النخبة السياسية فتعيش في عالم آخر. زرت مرة منزل مسؤول في السلطات الضريبية: كان مليئاً بأثاث مذهب على طراز لويس الرابع عشر. كانت الكراسي مذهبة، وساعات الحائط مذهبة، ورفوف التحف مذهبة. وكان السجاد سميكاً بسماكة صوف الخراف".

وأضاف: " ليس الإثراء العامل المحفز الوحيد في العمل السياسي. لا تزال الأيديولوجيا وازنة. هناك قوتان كبيرتان، إيران وأميركا، تلوحان في أفق البلاد، وتمارسان لعبة شد حبال من أجل النفوذ. كان مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء حين تعيين قنبر، في المعسكر السياسي المؤيد للغرب: كان يعيش في بريطانيا وحافظ على علاقات جيدة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية منذ كان رئيساً للاستخبارات العراقية. ومثل كثر في زمرته، جاء من النخبة العراقية الخارجية وامتلك عقارات في لندن. ووقف في وجهه ائتلاف من الأحزاب والميليشيات الموالية لإيران، يُعرَف باسم تحالف "الفتح". وفي الأغلب حمل ممثلو هذا المعسكر علامات منبهة إلى أموال جديدة: بدلات لامعة وعطور قوية. وكانت منازلهم الثانية في إيران".

ولفتت "إيكونوميست" إلى أن إحسان عبد الجبار، وزير المالية الذي عين قنبر، كان من زمرة الكاظمي، وفي وقت كانت الكتلة البرلمانية المؤيدة للكاظمي تتداعى، اعتبر عبد الجبار أن الكشف عن فضيحة سرقة حساب الضرائب في مصرف الرافدين كان سيحرج تحالف "الفتح" الذي كان يسيطر على السلطات الضريبية وربما سينقذ حكومة الكاظمي. وبات تقرير قنبر جاهزاً قبل يوم من تصويت البرلمان على سحب الثقة من عبد الجبار في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول). وعلى رغم الضجة السياسية والإعلامية التي أثارها التقرير، خسر عبد الجبار التصويت وغادر قنبر على عجل إلى استوكهولم.

ووفق المجلة، اعتقلت السلطات شخصاً يدعى نور زهير، الذي تبين أنه يملك شركتين من أصل الشركات الخمس التي أفرغت الحساب المعني في مصرف الرافدين. وعلى رغم أن تقرير قنبر ذكر اسمي رجلي أعمال آخرين بوصفهما مستفيدين من السرقة، لم يبرز في الإعلام سوى اسم زهير، الذي أنكر في مقابلة أجرتها معه المجلة ارتكاب أي جرم. وتبين بحسب تقرير المجلة أن زهير كان وسيطاً يعمل لتسهيل معاملات النافذين في دوائر السلطات، وكان يغدق الهدايا الثمينة والأموال النقدية على مسؤولين لتحقيق أغراضه.

محاسبة بلا محاسبة

ولفت التقرير إلى أن مجلس المحاسبة أعفي من متابعة أعمال السلطات الضريبية، ما جعل هذه السلطات في مثابة "ملعب مدرسة من دون مدرسين" [منفلتة العقال]. وهكذا تمكن زهير، من خلال عملائه المأجورين في سلطات الضرائب، من إجراء التحويلات من الحساب المعني في مصرف الرافدين إلى المستفيدين أصحاب الشركات الخمس الوهمية، وهو منهم. وفي المصرف الذي يتداول عادة ملياري دينار عراقي (1.5 مليون دولار) في اليوم، تداول 40 مليار دينار يومياً خلال السرقة. ولأن أكبر قطعة نقدية عراقية تساوي 50 ألف دينار كاد إجمالي المسروقات يفوق ارتفاع جبل كليمنجارو (حوالى ستة آلاف متر) ما تطلب تشغيل عدد كبير من الشاحنات في نقل الأموال. واستُقدِمت شركة للنقل البري غير تلك التي تتولى ذلك حصرياً بحسب عقد مع مصرف الرافدين.

ورجحت "إيكونوميست" أن يكون بعض المال أُنفِق في العراق وبعضه الآخر هُرِّب إلى الخارج بعد تحويله إلى دولارات. واشترى زهير عدداً كبيراً من العقارات في حي المنصور الراقي ببغداد حيث كان يعيش أصلاً. وفي حين أن تهريب كميات ضخمة من المال عبر مطار بغداد أمر شديد الصعوبة، نقلت المجلة عن مصدر أن الأمر سهل جداً من خلال القاعة المخصصة للاستخبارات في المطار التي تتميز بفخامتها مقارنة بقاعات المسافرين العاديين التي تعود إلى عهد صدام حسين. وثمة طريقة ثانية تتمثل في المرور عبر باب مقفل عادة يوصل مباشرة إلى المدارج. واستخدم زهير الطريقين وفق مصدر استخباري. وحين علم زهير بتحقيق قنبر، عرض على عبد الجبار، عبر وسيط، عشرات ملايين الدولارات لوقف التحقيق، وفق مصدر، لكن مصدراً آخر يقول إن الوزير هو من طلب الرشوة. وفي أي حال، لم يحصل عبد الجبار على مال وينفي أي تواصل مع زهير الذي قبع بعد توقيفه في سجن فاخر.

وأشارت المجلة إلى أن الكاظمي أُسقِط بعد توقيف زهير، وعين المعسكر السياسي المؤيد لإيران محمد السوداني رئيساً للوزراء. وبعد شهر من تولي السوداني منصبه، ظهر في مؤتمر صحافي مع أكوام من الدنانير، وقال إنه استعاد ما يساوي 125 مليون دولار من زهير. وهذا غيض من فيض المسروقات. وسرعان ما أُطلِق سراح زهير بكفالة، ليساعد في استعادة الأموال، وفق زعم السلطات. وبعد أشهر تبدد أثره. وقال عراقيون إنه شوهد في مدن عربية وعالمية، على رغم أن منزله في المنصور كثيراً ما بدا للناظرين مشعشع الأضواء. وألغت المحاكم في أبريل (نيسان) من هذا العام تجميد أصوله.

7 فصائل استفادت من السرقة

ونقلت المجلة عن مساعدين للسوداني قوله لهم إنه طوى الملف خوفاً على رأسه، في حين يصر السوداني على أن التحقيق لا يزال جارياً وفق الأصول. أما فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، فقال للمجلة إن زهير نال تصريحاً بالسفر ليسيل أملاكاً له في الخارج لكي يتمكن من إعادة المسروقات، مؤكداً استعادة 270 مليون دولار. وأضاف أن الأخير ربما كان وسيطاً مثّل شركات رغبت في استعادة بعضاً مما دفعته من ضرائب بسبب عدم تحقيق مشاريعها الأرباح المرجوة. بل إن القضاء العراقي يلاحق مسؤولين سابقين في إدارة الكاظمي ساهموا في كشف زهير بتهمة معاونته في السرقة. وأصر هؤلاء المسؤولون على أن زهير يحظى بدعم المعسكر السياسي الإيراني في العراق. ولفتت المجلة إلى شبهات قوية تحوم حول علاقة ربطت زهير بهيثم الجبوري، أحد المستشارين الماليين للكاظمي وهو اعتُقِل بعد فترة وجيزة من تولي السوداني رئاسة الوزراء. وقال مقربون من الكاظمي للمجلة إن رئيس الوزراء السابق عين 200 مستشار ما سمح بتسرب مشبوهين إلى الفريق.

لكن نيكولاس، كاتب التحقيق في "إيكونوميست"، قابل الكاظمي في لندن حيث يعيش في منفى اختياري، ولفت إلى أن رئيس الوزراء السابق تجنب الإجابة في شكل مباشر عن أسباب فشله في اكتشاف السرقة في وقت مبكر وأسباب السماح لزهير بالسفر من بغداد وإليها عبر مطارها قبل انكشاف السرقة من حساب مصرف الرافدين على رغم أنه كان مطلوباً في فضيحة مالية سابقة. وقال سجاد جياد، وهو محلل سياسي، لنيكولاس إن سبعة فصائل من مختلف الاتجاهات السياسية استفادت من السرقة، وفق تحليله. وأضاف: "مؤيدو إيران، ومؤيدو الولايات المتحدة، والإصلاحيون المزعومون، وداعمو الوضع القائم – الفصائل كلها تستفيد من برامج الفساد. يتقاتل هؤلاء المتنافسون في العلن ويتعاونون في السر لزيادة ثرواتهم بغض النظر عن المواقف السياسية والأيديولوجية". ولفت استشاري غربي في بغداد إلى أن قادة الميليشيات التي تناحرت سابقاً يرسلون أولادهم إلى المدارس النخبوية نفسها. وأضاف: "إنها نخبة تتشارك المغانم. لا يوجد أخيار".

المزيد من تقارير