ملخص
يثير الحزب الجمهوري نقاشات صاخبة حول الصحة العقلية للرئيس بايدن. إن كانت السلامة العقلية لشاغل سدة الرئاسة مهمة، فالأجدر بالجمهوريين طرح السؤال نفسه في شأن ترمب.
في هذا الأسبوع، نشر موقع "أكسيوس" Axios، مقالة ورد فيها أن الرئيس الأميركي جو بايدن لديه طباع شريرة وتتناقض بشدة مع صورته المنتشرة في الحيز العام التي تقدمه بوصفه العم الكبير الذي يحنو على الجميع. ووفق المقالة، يعمد الرئيس بايدن إلى الصراخ على فريق عمله، ويؤنّب مساعديه لفشلهم في الإعداد للعمل بشكل كاف، ولا يظهر لطفاً كبيراً في التعامل معهم بشكل عام، إلى درجة أن العاملين معه يحاولون أن يتجنبوا عقد اجتماعات على انفراد معه. وتلاحظ المقالة أيضاً، أنه أثناء ولايته كعضو في مجلس الشيوخ سابقاً، نقل عن أحد مساعديه في الحملات الانتخابية وفي عمله كسيناتور، وصف لبايدن بأنه "مستبد وأناني مجنون، يصر على إدارة موظفيه من خلال ترهيبهم".
تأتي المقالة في "أكسيوس" بمثابة تقييم سلبي للرئيس بايدن وطريقته في القيادة. ولعلك كنتَ لتعتقد بأن الجمهوريين من أكثر المتحمسين لاعتماد ما جاء في المقالة، وحتى المبالغة في التزام ما جاء فيها. وبدلاً من ذلك، اعتبر دونالد ترمب جونيور، ابن الرئيس السابق دونالد ترمب ويعمل كمعلق تلفزيوني مغمور ينتمي إلى تيار اليمين، اعتبر أن المقالة تشكل إساءة. وفي تغريدة غاضبة على "تويتر"، كتب ترمب جونيور "إن تلك القصة يبدو أنها دسّت عن عمد، وقد كتبت كأنما لإظهار أن الرئيس بايدن لا يعاني مستوى متقدماً من الخرف".
تكشف تغريدة دونالد ترمب جونيور عن مشكلة كبيرة تعانيها استراتيجية تيار اليمين المناوئة لبايدن، إذ بذل الجمهوريون جهوداً كثيره في سياق محاولاتهم الادعاء بأن بايدن الثمانيني غير مؤهل عقلياً لشغل منصب الرئيس الأميركي. ولقد نجحوا إلى درجة ما، في زرع بذور الشك. وقد أورد حوالى 62 في المئة من المشاركين في استطلاع للرأي أجرته في مايو (أيار) الماضي شبكات "أن بي آر وبي بي أس أخبار الساعة مع ماريست"،NPR/PBS NewsHour/Marist ، أن قدرات الرئيس بايدن شكلت أمراً مقلقاً بالنسبة إليهم. وكذلك أعرب 51 في المئة من المستطلعين عن الأمر نفسه لدى سؤالهم عن صحة الرئيس السابق دونالد ترمب العقلية، وهو أيضاً في مقدمة المرشحين الجمهوريين لخوض سباق الرئاسة المقبل (علماً أنه لا يصغر الرئيس بايدن إلا بأربع سنوات).
واستطراداً، يتسبب الإصرار على أن الرئيس بايدن غير مؤهل وضعيف أيضاً، بآثار سلبية جانبية بالنسبة إلى "الحزب القديم العظيم" [إحدى مسميات الحزب الجمهوري]. إذا كان بايدن يعاني تراجعاً عقلياً، فإن ذلك يجب أن يعني نظرياً بأنه من السهل التغلب عليه، وتحقيق نصر انتخابي واستراتيجي في مواجهته. ولكن في مجمل تلك المواجهات، لم تتحقق تلك الانتصارات. وبدلاً من ذلك، يبدو أن "الحزب القديم العظيم" يواصل الاستخفاف بالرئيس بايدن، وينجم عن ذلك، إلى حد ما، الخسارة في مواجهته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من وجهة نظر انتخابية، لقد فاز الرئيس بايدن بالطبع في انتخابات 2020 الرئاسية. وعام 2022، طمأن الحزب الجمهوري ناخبيه بأن "تسونامي أحمر" [إشارة إلى لون الحزب للجمهوريين]، سيجتاح الانتخابات النصفية للكونغرس، ويحمل "الحزب القديم العظيم" إلى النصر في مجلسي النواب والشيوخ، وحتى في السباقات الانتخابية المحلية على مستوى الولايات. بدلاً من ذلك، نجح الحزب الديمقراطي في تقديم أداء أفضل، محققاً أقوى نتائج انتخابات نصفية يحققها حزب الرئيس الحاكم في الأقل خلال الأعوام الـ20 الماضية.
وفي السياق نفسه، استطاع الرئيس بايدن تسجيل عدد من النجاحات على مستوى تمرير مشاريع سياسية على رغم معارضة الجمهوريين لها. وقد نجح في تمرير مشروع قانون بموازنة قيمتها تريليون دولار أميركي لتجديد البنى التحتية، ونال دعم الحزبان الرئيسان في نوفمبر 2021. والآن، يتفاخر عدد من الجمهوريين بإنجاز تلك الموازنة، حتى لو كانوا قد صوتوا ضدها. وكذلك نجح الرئيس بايدن في تمرير مشروع قرار دعمه الحزبان أيضاً، للحد من انتشار الأسلحة النارية عام 2022، على رغم الغضب الشديد في أوساط القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري. ويضاف إلى ذلك دخول بايدن في التفاوض على رفع سقف الدين الحكومي بنجاح، مع تقديمه تنازلات قليلة جداً، وبالتالي، نجح مرة اخرى في إغضاب الجمهوريين المتطرفين.
لا يمكننا البت تماماً أنه ربما أسهم سقف التوقعات المنخفض في شأن أداء بايدن في تحقيق تلك الانتصارات. ولكننا نعلم أيضاً أن الناخبين الجمهوريين في الانتخابات التمهيدية لطالما رشحوا أشخاصاً يفتقدون إلى الكفاءة في انتخابات 2022. لنأخذ مثلاً الطامحين لكسب مقعد في مجلس الشيوخ على غرار محمد أوز من بينسلفانيا، وبلايك ماسترز من أريزونا، وهيرشيل والكر من جورجيا، مع إضافة مرشحين لمنصب حاكمية الولايات على غرار دوغ ماستريانو في بينسلفانيا، ودارين بيلي في إلينوي. وقد ثبت أن الأخيرين كانا غير كفوءين ولم يحظيا بمحبة الناخبين.
وفي الآونة الأخيرة، عكف ناخبون مؤيدون للحزب الجمهوري على تقديم متطرفين على لوائح الترشيح ممن يتعذر عليهم الفوز بانتخابات عامة. ويبدو معقولاً الاعتقاد بأنهم اندفعوا إلى فعل ذلك، ولو جزئياً، تحت تأثير إعلام تيار اليمين وفقاعته التي تغالي بالثقة، التي تورد أن سياسات الديمقراطيين لا تلقى شعبية، والقيادة الديمقراطية في البلاد عاجزة.
وبشكل مماثل، عمد الجمهوريون إلى قطع وعود مبالغ فيها، حينما أكدوا لناخبيهم أنه بإمكانهم الفوز بتنازلات ضخمة من إدارة بايدن في المفاوضات على رفع سقف الدين الحكومي. ولربما صدق بعض الجمهوريين تلك المبالغة. وحينما فشلوا، وجهوا الاتهامات إلى بعضهم بعضاً، فيما عمل متطرفون بينهم على نسف مشاريع قوانين قدمها الحزب الجمهوري بهدف إرضاء القواعد الانتخابية للحزب [مع معرفتهم سلفاً بأنها لن تقر].
في الحقيقة، ليس هناك أي دليل بأن قدرات الرئيس بايدن الذهنية تشهد تراجعاً، بل ثمة أدلة كثيرة، من بينها المفاوضات الناجحة لاعتماد قرار رفع سقف الدين الحكومي، تشير إلى أنه ما زال قادراً على أداء مهماته. ومن الواضح أن الرئيس السابق ترمب هو من يعبر بشكل مستمر عن قضايا منفصلة عن الواقع، وينطق أيضاً بأشياء غير مسؤولة ولا معنى لها، على غرار اقتراحه بأن المصابين بكورونا عليهم أن يحقنوا أنفسهم بمادة التنظيف المبيضة، أو الادعاء بأن الرئيس بايدن مدمن على تعاطي الكوكايين.
إذا كان "الحزب القديم العظيم" معنياً بالفعل بمسألة مدى الأهلية العقلية لمن يتولى منصب الرئيس، لكان حريّاً بالحزب أن ينأى بنفسه عن ترمب منذ زمن طويل. ولكن لم يفعل الحزب الجمهوري ذلك لأنه غير معني بتلك المسألة. وبالتالي، تسعى الأسئلة المطروحة بخصوص الرئيس بايدن إلى الإساءة إليه. إن الجمهوريين بصدد الاستثمار في عمليات التمييز ضد كبار السن والتمييز ضد المصابين بإعاقات (بايدن يعاني التأتأة) من أجل إحراز تقدم يؤهلهم للفوز انتخابياً.
في المقابل، قد يؤدي قول أمور غير حقيقية، وتصديق أمور كاذبة، إلى جعل حرفة تقديم [صوغ] استراتيجية سياسية فاعلة، أمراً أكثر صعوبة على الحزب، إضافة إلى تصعيب عملية تحقيق الانتصارات السياسية. وليس من شأن التشتت العام للحزب الجمهوري أن يكفل الانتصارات للديمقراطيين في المواضيع كافة، وإلى الأبد بالطبع. في المقابل، لا يسهل الجمهوريون العملية على أنفسهم من خلال إقناع أنفسهم بأن بايدن لن يمكنه تحقيق الفوز، على رغم أنه يواصل تحقيق ذلك بالتحديد.
© The Independent