Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السباق إلى صوغ قوانين عن الذكاء الاصطناعي

تتقدم فيه أوروبا على أميركا والصين لأسباب متنوعة

لقطة لأحدى الفعاليات التقنية شارك فيها سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن أيه آي"، في تل أبيب بإسرائيل، يونيو 2023 (رويترز)

يجتاح الذكاء الاصطناعي العالم محققاً نجاحاً لا نظير له. يتسم روبوت الدردشة "تشات جي بي تي"ChatGPT  وغيره من تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة بالقدرة على إحداث ثورة في طريقة عمل الناس وتفاعلهم مع المعلومات، ومع بعضهم بعضاً. وفي أفضل الأحوال، تفتح هذه التكنولوجيات أمام البشر آفاقاً جديدة من المعرفة والإنتاجية، مغيرة حال أسواق العمل، ومعيدة تشكيل النظم الاقتصادية، وحاملة معها الاقتصاد والمجتمع إلى مستويات غير مسبوقة من النمو والتقدم.

في الوقت نفسه، تثير الخطى المتسارعة لتطور الذكاء الاصطناعي القلق لدى خبراء التكنولوجيا والمواطنين والهيئات التشريعية على حد سواء. ويطلق حتى أشد الناس حماسة للتكنولوجيا، تحذيرات في شأن الذكاء الاصطناعي غير المنظم وكيف أنه يقود إلى أضرار يتعذر لجمها، مما يطرح تهديدات خطرة تحيق بالأفراد والمجتمعات. ويشمل ذلك شخصيات من وزن سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن أي آي" OpenAI، وستيف وزنياك المؤسس المشارك لشركة "أبل". أما التوقع الأسوأ، فيتحدث عن قدرة الذكاء الاصطناعي على محو أسواق العمل وتحويل البشر إلى كم عديم الجدوى، أو في ظل السيناريو الأكثر تطرفاً، القضاء على البشرية.

مع تسابق شركات التكنولوجيا إلى تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي في خضم موجة من الانتقادات الشديدة وعمليات التدقيق، تواجه واشنطن ضغوطاً متزايدة تحثها على صياغة قواعد تشريعية مخصصة لتنظيم صناعة الذكاء الاصطناعي، مع ضرورة تجنب قمع الابتكار.

ومنذ أوقات سابقة، بدأت نماذج تشريعية متنوعة بالظهور في الولايات المتحدة والصين وأوروبا، وبدت متجذرة في قيم وحوافز متميزة. لن تعمل تلك المقاربات المختلفة على إعادة تشكيل الأسواق المحلية فحسب، بل ستوجه أيضاً بشكل متزايد توسع الإمبراطوريات الرقمية الأميركية والصينية والأوروبية، بحيث تقدم كل منها رؤية منافسة للاقتصاد الرقمي العالمي في الوقت نفسه الذي تحاول توسيع نفوذها في العالم الرقمي.

مع احتدام سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، سيكون للسبل التي تختارها الدول للتحكم في الذكاء الاصطناعي تأثير عميق في مستقبل التكنولوجيا والمجتمع. وفي واشنطن، وصل الجدال الدائر حول تشريعات تنظم الذكاء الاصطناعي إلى منعطف حاسم، إذ لم يعد بإمكان الولايات المتحدة أن تجلس على الهامش بينما تتخذ الصين وأوروبا القرارات في شأن هذه المسائل الأساسية بالنسبة إلى العالم.

إمبراطوريات رقمية

بالنسبة إلى القواعد التشريعية المتصلة بتنظيم العالم الرقمي، تتبع الولايات المتحدة نهجاً تحركه السوق، فيما تعكف الصين على تطوير نهج تقوده الدولة، ويتبع الاتحاد الأوروبي نهجاً مدفوعاً بالحقوق.

ويعبّر النموذج الأميركي عن إيمان ثابت بالأسواق، ويحتفظ بدور محدود للحكومة يتمحور حول حماية حرية التعبير وحرية الإنترنت وحوافز الابتكار، إذ تنظر واشنطن إلى التقنيات الرقمية على أنها مصدر للازدهار الاقتصادي والحرية السياسية، من ثم، تراها أداة للتحول والتقدم المجتمعيين، ولذا، تتجلى وجهة نظر هذه في إحجامها عن وضع قيود على الذكاء الاصطناعي. ويستوحى نهج الولايات المتحدة تجاه تشريعات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير من التفاؤل التقني الراسخ والسعي الدؤوب إلى الابتكار والتقدم التكنولوجي، مع تبجيل شركات التكنولوجيا الأميركية باعتبارها الجهات التي تحرك هذا التقدم المحرز.

إذاً، تنظر واشنطن إلى الذكاء الاصطناعي على أنه فرصة لدفع النمو الاقتصادي للولايات المتحدة وترسيخ تفوقها بوجهيه التكنولوجي والعسكري في خضم المنافسة التكنولوجية الأميركية- الصينية المتنامية والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة. هكذا، فإن تركيز واشنطن بصورة مطلقة على التفوق الاقتصادي والجيوسياسي دون غيره، جعل عملية وضع قواعد تنظم هذا الحقل مجرد أمر ثانوي أو إجراء استدراكي متأخر. بالنتيجة، لم تضع الولايات المتحدة أي تشريع فيدرالي جوهري عن الذكاء الاصطناعي، واقترحت ببساطة معايير طوعية تستطيع شركات التكنولوجيا أن تختار تبنيها أو تجاهلها. مثلاً، يضع "مخطط قانون حقوق الذكاء الاصطناعي" Blueprint for an AI Bill of Rights، علماً أنه كتيب صدر عن البيت الأبيض في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، في متناول مطوري ومستخدمي الذكاء الاصطناعي إرشادات حول كيفية حماية حقوق الجمهور الأميركي في عصر الذكاء الاصطناعي، لكنه في النهاية يضع ثقته بالتنظيم الذاتي للشركات التكنولوجية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحذر صانعو سياسة بارزون، من بينهم لينا خان، رئيسة لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية، من أن ترك تنظيم الذكاء الاصطناعي في أيدي الشركات ربما تترتب عليه كلفته باهظة. وأشارت خان إلى الأهمية البالغة التي يكتسيها التنظيم الحكومي في مجال ضمان استفادة الجميع من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. ولكن للأسف، ما زال التنظيم الشامل للذكاء الاصطناعي بعيد المنال في الولايات المتحدة، بالنظر إلى الخلل السياسي الذي يعيشه الكونغرس والمخاوف المستمرة السائدة بين صانعي القرار من أن أي تشريع من هذا القبيل سيعود، على الأرجح، بالضرر على الابتكار ويقوض القيادة التكنولوجية الأميركية.

في المقابل، تبنت الصين نهجاً تقوده الدولة في التشريعات الرقمية، كجزء من جهد طموح يرمي إلى جعل الصين القوة العظمى الرائدة في التكنولوجيا على صعيد العالم. كذلك يهدف النهج العملي الذي تتبعه بكين في التعامل مع الاقتصاد الرقمي إلى تشديد القبضة السياسية للحزب الشيوعي الصيني عبر نشر التكنولوجيات الرقمية كأداة للرقابة والمراقبة، والبروباغندا بطريقة موجهة أحادية المنظور. بالتالي، يسّرت الحكومة الصينية نمو صناعة التكنولوجيا محلياً في وقت مبكر. ولكن، في الأعوام الأخيرة، شنت بكين حملة صارمة واستباقية على قطاعها التكنولوجي بذريعة تعزيز "الرخاء المشترك"، وحرصاً منها على الحؤول دون هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الدولة الصينية.

واعترافاً منها بالفوائد الاقتصادية والسياسية المحتملة التي يكتنزها الذكاء الاصطناعي، تقدم الحكومة الصينية دعماً كبيراً للأدوات الجديدة التي تحسن قدراتها في المراقبة الجماعية لمواطنيها باسم الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. واستطراداً، يحفز النظام الصيني الاستبدادي في التكنولوجيا، البلاد على صوغ تشريعات تنظيمية للذكاء الاصطناعي. ومثلاً، على رغم أن تقنية التعرف إلى الوجه المدعوم بالذكاء الاصطناعي تساعد في جهود بكين لممارسة السيطرة السياسية، إلا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي generative AI من نوع "تشات جي بي تي"، قد يقوّض هذه السيطرة. معلوم أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعتمد على كميات كبيرة من البيانات، ولا تنفك هذه التكنولوجيا تتطور أثناء انتشارها. لذا، يشكل هذا التطور تحدياً جديداً أمام نظام الرقابة الصيني الذي ربما يواجه صعوبات جمة لمواكبته والصمود أمامه.

السبل التي تختارها الدول للتحكم في الذكاء الاصطناعي ستؤثر بشكل عميق في مستقبل التكنولوجيا والمجتمع

في مواجهة تلك التحديات المحتملة، تعقد بكين العزم على عدم تفلت قدرات الذكاء الاصطناعي في البلاد من قبضتها المحكمة. في 2022، استحدثت الحكومة الصينية قوانين تنظيمية مثلت علامة فارقة في هذا المجال، إذ استهدفت تلك التشريعات تقنيات التزييف العميق وخوارزميات التوصية [أي المعادلات الرياضية المؤتمتة التي تعمل على اقتراح المحتوى عبر تصفية المعلومات المتعلقة بالسلوك الرقمي للمستخدم كي تتوقع أنه قد يعجب بمنتج معين، فتوصي به]. وتهدد تلك التشريعات بتقويض الحقوق الأساسية للمواطنين الصينيين وثقتهم بالتكنولوجيات الرقمية، وتنذر أيضاً بسيطرة الحزب الشيوعي الصيني على الاقتصاد الرقمي الصيني.

 

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أصدرت الحكومة مسودة قوانين تنظيمية في شأن الذكاء الاصطناعي التوليدي تحمّل المطورين المسؤولية عن المحتوى المحظور أو غير القانوني، بما في ذلك المحتوى الذي ينحرف عن القيم السياسية للحزب الشيوعي الصيني.

وبالتالي، تؤشر تلك التطورات التشريعية إلى أن الحكومة الصينية ملتزمة بقيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي في البلاد بيد صارمة، وتشجيع التقدم التكنولوجي مع الحرص على ألا يقوض الذكاء الاصطناعي الاستقرار الاجتماعي والسيطرة السياسية للحزب الشيوعي الصيني.

في مسار مغاير، ابتعد الاتحاد الأوروبي عن الولايات المتحدة والصين كلتيهما في ريادته بصنع نموذج تشريعي خاص به، يصب تركيزه على حقوق المستخدمين والمواطنين. من وجهة النظر الأوروبية، يؤذن الذكاء الاصطناعي بتحول رقمي مصحوب بإمكانات تخريبية لا يجوز تركها لأهواء شركات التكنولوجيا، بل يتحتم بدلاً من ذلك أن تضرب جذورها بقوة في سيادة القانون والحوكمة الديمقراطية. على أرض الواقع، يعني هذا الكلام وجوب أن تتدخل الحكومات لمصلحة دعم الحقوق الأساسية للأفراد والحفاظ على البنى الديمقراطية للمجتمع وضمان التوزيع العادل للفوائد الناشئة عن الاقتصاد الرقمي.

في الواقع، منذ وقت طويل، عبّر هذا النهج الأوروبي المستند إلى الحقوق عن نفسه متخذاً شكل قواعد تشريعية مبتكرة أصدرها الاتحاد الأوروبي من بينها "النظام الأوروبي العام لحماية البيانات" General Data Protection Regulation الذي يحمي خصوصية بيانات المواطنين. [وُضع النظام الأوروبي لحماية البيانات في 2016، واستند إلى مبادئ تضمنتها المذكرة في شأن حماية البيانات 1995، إضافة إلى مجموعة قوانين من بينها تشريع عن نقل بيانات الشركات التكنولوجية العملاقة الأميركية، من أراضي الاتحاد القاري إلى الولايات المتحدة].

كذلك اعتمد الاتحاد الأوروبي أخيراً قانون الأسواق الرقمية الذي يفرض التزامات على "حراس البوابات الرقمية"، وفق ما يسمون، ومن بينهم عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة، وذلك بغرض الحد من هيمنة هذه الجهات وحماية المنافسة. كذلك استحدث الاتحاد الأوروبي "قانون الخدمات الرقمية" Digital Services Act الذي يضع قواعد تحمل المنصات الإلكترونية المسؤولية عن المحتوى الذي تستضيفه. في الحقيقة، تدفع التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي أوروبا إلى المضي أبعد في هذا الاتجاه.

وأخيراً، مرّر المشرعون في الاتحاد الأوروبي مشروع قانون شامل يُسمى "قانون الذكاء الاصطناعي" AI Act الذي يسعى إلى التخفيف من وطأة الأخطار التي يطرحها الذكاء الاصطناعي وضمان حماية الحقوق الأساسية للأفراد. بموجب مشروع القانون الذي يتوقع الانتهاء منه مع حلول نهاية العام الحالي، سيصار إلى حظر أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستغل نقاط ضعف الأفراد أو تتلاعب بالسلوك البشري. وكذلك ستحظر "الشرطة التنبؤية" [خوارزميات متخصصة في استخدام البيانات المتوافرة على الإنترنت للتنبؤ بالجرائم والكشف عن هوية مجرمين مفترضين]، إضافة إلى منع استخدام تكنولوجيا التعرف إلى الوجوه لحظة بلحظة في الأماكن العامة لأنها تتهدد الحقوق والحريات الأساسية، وتضع فئات واسعة من السكان تحت المراقبة المستمرة. كذلك ستصدر قواعد تنظيمية صارمة تتحكم في أنظمة الذكاء الاصطناعي التي من شأنها أن تتسبب بالتمييز في مجال حصول الناس على الوظائف أو المنافع العامة.

واستكمالاً، لم تفصل سوى هنيهة بين اعتماد الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي وطرح شركة "أوبن أي آي" أمام الجمهور "تشات جي بي تي" في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، إذ أدت تلك الخطوة الأخيرة إلى وضع المشرعين الأوروبيين أمام تحد شائك في شأن كيفية صوغ قانون عن نوع من الذكاء الاصطناعي يتميز بالعمومية وعدم التحديد، أي إنه قد يسخر لتحقيق أهداف بالغة الخطورة وأهداف آمنة على حد سواء. ليس مستبعداً أن تطغى هذه المسألة على المراحل الأخيرة من العملية التشريعية، لكن البرلمان الأوروبي سبق أن أشار إلى ضرورة توافق الذكاء الاصطناعي التوليدي مع متطلبات الشفافية المختلفة، موضحاً أنه ينبغي تصميمه على نحو يردعه عن انتهاك الحقوق الأساسية أو إنشاء محتوى غير قانوني. بمجرد الانتهاء من هذا التشريع الملزم، سيصبح أول قاعدة تنظيمية شاملة للذكاء الاصطناعي في العالم.

لا السوق ولا الدولة

إن اختلاف الرؤى لدى واشنطن وبكين وبروكسل في شأن عصر الذكاء الاصطناعي يشكل خطوة رئيسة في التشييد الجاري لثلاث "إمبراطوريات رقمية" منفصلة تتنافس من أجل السيطرة على مستقبل التكنولوجيا وتحاول توسيع مجالات النفوذ في العالم الرقمي، فيما تبحث دول أخرى عن إرشادات في شأن تشريعات الذكاء الاصطناعي.

وعلى الأرجح، سيدفع وعد الذكاء الاصطناعي بإذكاء التقدم التكنولوجي والنمو الاقتصادي، إلى جانب التحديات المتمثلة في تنظيم تكنولوجيا سريعة التطور، بعض الحكومات إلى اختيار التوجيه الطوعي على غرار الولايات المتحدة. لقد حقق النموذج الأميركي الذي تحركه السوق ثروة هائلة وغذى التقدم التكنولوجي الذي جعل منه [النموذج الأميركي] موضع حسد. في الوقت نفسه، تتضح أكثر فأكثر العواقب المترتبة على غياب قوانين تنظم عمل شركات التكنولوجيا الأميركية، إذ تتجاهل واشنطن إخفاقات كثيرة تسجلها السوق، مما تسبب في سوء الاستخدام المتكرر لقوة السوق من قبل شركات التكنولوجيا الرائدة على غرار "غوغل" التي تحتكر تقنيات الإعلان الرقمي على حساب الشركات المنافسة. إن تلك الاختلالات في السوق، إلى جانب انتشار المعلومات المضللة والفضائح المتعلقة باستغلال شركات التكنولوجيا بيانات المستخدمين الشخصية، تؤجج شكاً متزايداً وواسع النطاق بشركات التكنولوجيا. بغية الحد من القوة الهائلة التي تمارسها شركات التكنولوجيا الأميركية على مستخدمي الإنترنت في الخارج، تسعى الحكومات في مختلف أنحاء العالم الآن إلى إعادة تأكيد سيطرتها على أسواقها الرقمية وكبح جماح شركات التكنولوجيا الرائدة. وبات الجمهور الأميركي والمشرعون الأميركيون في الطيف السياسي كله، يطالبون الآن بمزيد من الرقابة الحكومية على صناعة التكنولوجيا.

يتوجب على واشنطن الحسم بالنسبة إلى رغبتها في أداء دور ضمن بناء عالم المستقبل الرقمي

مع خفوت جاذبية نهج الولايات المتحدة، يكتسب النموذج الصيني الذي تقوده الدولة مزيداً من القوة. سبق أن شرعت الصين في تشييد طريق الحرير الرقمي وتصدير تكنولوجيات المراقبة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والبنى الأساسية الرقمية الأخرى إلى مختلف الحكومات حول العالم. وتنجذب الحكومات الاستبدادية إلى نموذج الصين نظراً إلى قدرة بكين البينة على الجمع بين الابتكارات المزدهرة والسيطرة السياسية. ولكن ربما يغير الذكاء الاصطناعي التوليدي آراءهم، إذ يبين أن التحكم الأكثر صرامة يقود إلى ابتكار أقل. على رغم ريادتها العالمية في تكنولوجيات المراقبة المستندة إلى الذكاء الاصطناعي، ما زالت الصين متخلفة عن الولايات المتحدة في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية. يعزى ذلك جزئياً إلى قوانين الرقابة المفروضة في الدولة التي تحد من البيانات التي يسمح للشركات باستخدامها في تدريب النماذج الذكية التوليدية، مما يدل على أن حرية الإنترنت قد تخدم الابتكار والنمو الاقتصادي بشكل أفضل، أقله في هذه الفئة من التكنولوجيا الرقمية.

إذا بدا النموذج الأميركي الذي تحركه السوق متساهلاً جداً، والنموذج الصيني الذي تقوده الدولة يبدو مقيداً جداً، فربما يمثل النهج الأوروبي بديلاً ملائماً، بمعنى أنه نهج ثالث يسعى إلى ضبط قوة الشركات مع حماية الحقوق الأساسية والحفاظ على المؤسسات الديمقراطية. وفي غمرة ردود الفعل المتزايدة ضد شركات التكنولوجيا الأميركية، تنأى الحكومات حول العالم، بما فيها حكومات أستراليا والبرازيل وكندا وكوريا الجنوبية، عن أطر أعمال تضبطها قوى السوق. وفي المقابل، تنجذب تلك الحكومات بصورة متزايدة نحو السير على نهج اللوائح الرقمية الأوروبية بغية استعادة السيطرة على اقتصاداتها الرقمية.

 

ربما يرسم الاتحاد الأوروبي معالم تطور الذكاء الاصطناعي العالمي حتى إن لم تتبع الحكومات الأخرى نهجه التشريعي. غالباً توسّع شركات التكنولوجيا نطاق سريان التشريعات التنظيمية الصارمة للاتحاد الأوروبي لأن عملياتها التجارية عالمية المدى، مما يفرض توحيد منتجاتها وخدماتها في مختلف أنحاء العالم، وهي ظاهرة تسمى "تأثير بروكسل". مثلاً، إن مطوري الذكاء الاصطناعي ممن يرغبون في استخدام البيانات الأوروبية لتدريب الخوارزميات، سيكونون ملزمين احترام قانون الاتحاد الأوروبي الخاص بالذكاء الاصطناعي حتى خارج حدود الاتحاد الأوروبي. أما إذا أرادوا التهرب من القيود التنظيمية للاتحاد الأوروبي، فسيكون عليهم تطوير خوارزميات جديدة تماماً خالية من أي بيانات أوروبية. وبهذه الطريقة، ربما تؤدي أوروبا دوراً في رسم ملامح تشريعات الذكاء الاصطناعي في الخارج وفي الداخل كليهما، مما يؤدي إلى عولمة المعايير الأوروبية المستندة إلى الحقوق وتوسيع نطاق التأثير الرقمي للاتحاد الأوروبي.

وفي مثل واضح، هدد سام ألتمان من "أوبن أي آي" في مايو (أيار) بسحب "تشات جي بي تي" من دول الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى القيود التنظيمية الناشئة. وسرعان ما تراجع عن تهديده بعد أيام قليلة وسط انتقادات حادة من قبل المشرعين الأوروبيين. من المرجح أن تؤدي هيمنة النهج التشريعي المعتمد في أوروبا إلى ردود فعل متباينة. ولربما يرحب بعض المواطنين والحكومات الأجنبية بجهود أوروبا ويشعرون بالارتياح عند معرفة أن الحماية الرقمية للاتحاد الأوروبي تشملهم. ومع ذلك، ربما تتهم الجهات المعنية الأجنبية الأخرى [كالشركات الأميركية للذكاء الاصطناعي التوليدي] الاتحاد الأوروبي بالإمبريالية التنظيمية، بحجة أن "تأثير بروكسل" يهدد بتقويض الابتكار والنمو الاقتصادي والتقدم المجتمعي في كل مكان، إضافة إلى تقويض قدرة الحكومات الأجنبية على تنظيم الذكاء الاصطناعي وفق قيمها ومصالحها.

مستقبل ثورة الذكاء الاصطناعي

في وقت يقود الاتحاد الأوروبي والصين السباق لتنظيم الذكاء الاصطناعي، يتوجب على واشنطن الحسم بالنسبة إلى رغبتها في أداء دور ضمن بناء عالم المستقبل الرقمي. إن بروز المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، ربما يقنع واشنطن بالمضي في المغالاة لمصلحة التطور غير المقيد للذكاء الاصطناعي [بمعنى عدم ضبطه بتشريعات وقوانين خاصة به]، إذ يتوافق ذلك مع إصرار صانعي السياسة في الولايات المتحدة على مزايا الأسواق الحرة، والتزامهم الثقة بقدرة شركات التكنولوجيا ورغبتها في لجم أي أضرار متصلة بالذكاء الاصطناعي. كذلك، وببساطة، ربما تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن تنظيم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بسبب خلل وظيفي يشوب العملية السياسية الأميركية. ففي أوقات سابقة، أُعيقت تشريعات مجدية وفاعلة في مجال الذكاء الاصطناعي. وبالنتيجة، أسهم الضغط الحثيث والمستمر الذي تمارسه شركات التكنولوجيا في تثبيت الوضع الراهن.

ومع ذلك، تؤشر ثلاثة تطورات حديثة إلى أن الولايات المتحدة ربما تتخلى عن نهجها التكنولوجي الليبرالي وتتبنى في المقابل تنظيم الذكاء الاصطناعي، لتنضم بذلك إلى الاتحاد الأوروبي.

أولاً، وصل الدعم المحلي لاستحداث تشريعات تنظيمية إلى نقطة تحول، مع انضمام خبراء ومطورين بارزين في حقل الذكاء الاصطناعي من أمثال سام ألتمان ورائد الذكاء الاصطناعي جيفري هينتون إلى المشرعين وعامة الناس، في دعم استحداث قوانين تنظم الذكاء الاصطناعي. في هذه البيئة السياسية الجديدة، يبدو صعباً الدفاع عن التقاعس في صوغ التشريعات. ثانياً، ربما تؤثِر الولايات المتحدة في النهاية أن تضع تشريعات تنظيمية بالاشتراك مع الاتحاد الأوروبي بدلاً من إعطاء ذلك الاتحاد زمام القيادة في تنظيم السوق الأميركية منفرداً عن طريق "تأثير بروكسل". ثالثاً، القلق المشترك بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في شأن النفوذ العالمي المتنامي للصين يوفر زخماً قوياً لتعاون أوثق بين جانبي المحيط الأطلسي.

مراراً وتكراراً، أكدت الولايات المتحدة رغبتها في عقد شراكة مع الاتحاد الأوروبي وحلفاء ديمقراطيين آخرين في سبيل تعزيز المعايير التي تتفق مع الحقوق المدنية والقيم الديمقراطية، وتوطيد جبهة ديمقراطية موحدة ضد الصين وحلفائها أصحاب النظم الاستبدادية الرقمية. لا تنفك إدارة بايدن ترسم خطوط معركة أيديولوجية في جهودها الدؤوبة من أجل الهيمنة التكنولوجية، مصورة المنافسة على أنها معركة ديمقراطيات تكنولوجية ضد أنظمة استبدادية تكنولوجية. وإذا كانت واشنطن تنظر إلى المنافسة بهذه الطريقة بالفعل، فإن مسألة التعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا تقبل الجدل. من شأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تنحية خلافاتهما جانباً وتطوير معايير مشتركة في شأن الذكاء الاصطناعي، بحيث تكون مصممة لمصلحة تعزيز الابتكار وحماية الحقوق الأساسية والحفاظ على الديمقراطية. ومع ذلك، مع انزلاق كثير من مناطق العالم نحو الاستبداد، ستقاسي واشنطن وبروكسل الأمرين بغية الحد من الطلب المتزايد على تكنولوجيات المراقبة الصينية، مما يخاطر باحتمال طرح الذكاء الاصطناعي غالباً كأداة لتقويض الديمقراطية.

كخلاصة، ستكتب الأعوام المقبلة فوزاً مبيناً لبعض الجهات وخسارة واضحة لجهات أخرى. ولن يتجلى ذلك في السباق إلى تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يشمل أيضاً المنافسة بين التوجهات التشريعية للسيطرة على تلك التكنولوجيات. وكذلك ستعمل تلك التوجهات المتنافسة على تمكين شركات التكنولوجيا أو الحكومات أو المواطنين الرقميين بطرق مختلفة، مصحوبة بعواقب اقتصادية وسياسية بعيدة المدى. وبالتالي، ستحدد الطريقة التي تتعامل بها الحكومات مع هذه الخيارات، إذا كانت ثورة الذكاء الاصطناعي المستمرة ستخدم الديمقراطية وتحقق ازدهاراً غير مسبوق، أو أنها ستفضي إلى أضرار مجتمعية خطرة، أو حتى كارثة غير متوقعة.

آنو برادفورد، أستاذة كرسي في كلية الحقوق في "جامعة كولومبيا" ومؤلفة كتاب يصدر قريباً بعنوان " الإمبراطوريات الرقمية، المعركة العالمية لتنظيم التكنولوجيا" Digital Empires: The Global Battle to Regulate Technology.

فورين أفيرز

مايو (أيار)/ يونيو (حزيران) 2023

المزيد من آراء