ملخص
انتقادات محلية ودولية متزايدة حيال تراجع مستوى حرية التعبير في الإقليم، مقابل نفي حكومي.
أظهرت إحصاءات نصف سنوية صادرة في إقليم كردستان، حول الانتهاكات بحق الصحافيين، تفاوتاً في البيانات وسط انتقادات محلية ودولية متزايدة حيال تراجع مستوى حرية التعبير في مقابل نفي حكومي.
وواجه الحزبان الحاكمان "الديمقراطي" بزعامة مسعود بارزاني و"الاتحاد الوطني" بزعامة بافل طالباني خلال الأشهر الماضية جملة انتقادات من قبل مسؤولين أميركيين وتقارير لمنظمات معنية من تراجع مستوى حرية التعبير، مع ارتفاع المضايقات في مجال العمل الصحافي.
بيانات نقابية
نقابة صحافيي إقليم كردستان رصدت في إحصاء حول الانتهاكات المسجلة في مجال العمل الصحافي خلال الأشهر الستة الماضية من العام الحالي 41 انتهاكاً بحق 80 صحافياً ومؤسسة إعلامية، بينها حالات اعتقال ضد 22 صحافياً ونحو 20 انتهاكاً بين المنع من التغطية والتمييز، وست حالات اعتداء وتشهير وحالة تهديد، إضافة إلى أربع حالات تحطيم للمعدات الصحافية وحادثتي ضرب.
وبحسب الإحصاء فإن المناطق الواقعة في نطاق نفوذ حزب بارزاني سجلت أعلى النسب بـ "13 حالة في محافظة أربيل، و10 في دهوك، وست في قضاء سوران"، أما في مناطق نفوذ حزب طالباني فقد شهدت وقوع "تسع حالات في كل من السليمانية وحلبجة وقضاء كرميان".
ويشار إلى أن عدد الانتهاكات في العام الماضي بلغ 73 انتهاكاً وفقاً لبيانات معلنة من النقابة.
تراجع طفيف
البيانات أظهرت انخفاضاً في نسب الانتهاكات مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي، نتيجة انخفاض وتيرة الاحتجاجات أو نشوب توترات أمنية وكذلك عدم إجراء أية انتخابات، وهو ما أكدته رئيسة لجنة الدفاع عن حرية الصحافة في النقابة نزاكت حسين التي نوهت إلى "تكليف لجنة خاصة مهمتها رصد الانتهاكات، مع إنشاء حساب لمجموعة خاصة بالصحافيين على مواقع التواصل الاجتماعي بغية إيصال التبليغات عن المخالفات بحقهم في أسرع وقت".
واستناداً إلى بيانات صدرت مطلع العام الحالي فإن عدد أعضاء النقابة يتجاوز 6 آلاف عضو، فيما يتجاوز عدد المؤسسات الإعلامية المسجلة 1600، فضلاً عن 950 مجلة وصحيفة و300 قناة مرئية و250 إذاعة ونحو 100 موقع على الإنترنت، في إقليم يبلغ عدده سكانه نحو 6 ملايين نسمة.
بسبب التوجيهات
وفي وقت متزامن قدمت منظمة "مراسلون من أجل الحقوق والتنمية" الكردية أرقاماً مغايرة لبيانات النقابة، إذ أكدت "تسجيل 49 حالة انتهاك ضد 99 صحافياً خلال النصف الأول من العام الحالي، منها ست حالات اعتقال و19 حالة منع من التغطية الإعلامية وشكويان و38 مضايقة و16 واقعة تحطيم ومصادرة للمعدات وسبع وقائع تهديد وإهانة ضد 14 صحافياً، ومثلها اعتداء وضرب"، مبينة أن "دهوك تصدرت قائمة الانتهاكات بـ 25 حالة تلتها أربيل بـ 16 حالة ثم حلبجة بخمس حالات والسليمانية بأربع".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفقاً لرئيس المنظمة هوزان قادر فإن "25 حالة طرد لصحافيين سجلت من قبل مديرين في مؤسسات إعلامية بشكل تعسفي ولأسباب تتعلق باختلاف الرؤى أو نتيجة التوجه السياسي أو المزاج الشخصي".
وأضاف خلال مؤتمر صحافي أنه "من المؤسف أن نرى كل هذه المضايقات من دون أن تتدخل الحكومة أو الجهات المعنية لتشريع قانون خاص لحماية حقوق هؤلاء، ناهيك بما نشهده من مصادرة أو تحطيم لمعدات الصحافيين من قبل جهات أمنية، وهذا تصرف خطر تجاه العمل الصحافي في الإقليم".
وتفرز البيانات المعلنة من قبل الجهات ذات العلاقة في مجال رصد الانتهاكات على صعيد العمل الصحافي تساؤلات حول أسباب هذا التفاوت والاختلاف في البيانات، وما يعكسه من صورة ضبابية عن واقع حرية التعبير في الإقليم الكردي.
خرق نوعي
وفي طليعة تلك الأسباب يقول منسق "مركز مترو المستقل" المعني بالدفاع عن حقوق الصحافيين رحمن غريب إن "الأمر مرتبط باختلاف المعايير المعتمدة لدى كل جهة معنية، فللانتماءات والولاءات الحزبية والجهة المقدمة للتمويل والدعم تأثير حتماً، حتى إن بعضها لا يتمتع بتجربة أو خبرة، ونحن من جانبنا نكتفي بإصدار إحصاء سنوية فقط، ويؤخذ بالعادة في عين الاعتبار من قبل الجهات المحلية أو الدولية المهتمة بقضايا الصحافة وحرية التعبير".
وقد لا تنحصر الاعتراضات في وقوع الخروقات بحق الصحافيين، بل تتعلق بقضايا حساسة أكثر أهمية مثل التعليمات التي صدرت أخيراً عن وزارة الثقافة والادعاء العام، والتي ينظر إليها باعتبارها "ضربة لقوانين العمل الصحافي وحق الحصول على المعلومات".
وفي هذا الجانب يوضح غريب أن "العلة ليست في نسب الانتهاكات بقدر تعلقها بالخرق النوعي الذي حصل خلال الأشهر الستة الماضية، بعدما صدر من تعليمات غير مسندة بقوانين مشرعة توجز غلق وسائل إعلام، بينما لم يرد في قانون العمل الصحافي مواد تسمح بذلك، مما يعني أن وقع التعليمات أقوى من القوانين، وكل هذه الملاحظات لم ترد في الإحصاءات والبيانات الصادرة أخيراً مما يؤكد أن الفضاء العام يتجه نحو مزيد من التضييق".
التقييم بعد التطبيق
وكانت وزارة الثقافة في الإقليم أصدرت خلال شهر مايو (أيار) الماضي تعليمات حملت رقم (1) لسنة 2023 ومفادها أن "تُخص الوزارة بتنظيم الترددات الإذاعية والتلفزيونية، وتكون جزءاً من معايير البت في القضايا التي تعرض على السلطة القضائية إلى جانب قوانين الصحافة وحقوق المؤلفين وغيرها"، مما أثار رفض المنظمات والنشطاء في مجال الدفاع عن حرية التعبير.
ثم عادت الوزارة في الشهر التالي لتصدر تحذيراً من اتخاذها "إجراءات قانونية صارمة ضد نشر أي رأي أو مادة تسيء أو تثير الشك حول كيان الإقليم، لأنها لا تدخل ضمن معايير حرية التعبير".
وعقب صدور تلك التعليمات رفض المتحدث باسم وزارة الثقافة نامق هورامي التعليق على الاعتراضات قائلاً "بعد نشر التعليمات في صحيفة الوقائع الرسمية ستدخل حيز التنفيذ ومن ثم سنعطي رأينا، لأن إعطاء تقييم في جدواها من عدمه سيظهر بعد عملية التطبيق".
ويفيد إحصاء مركز "ميترو" للعام الماضي بوقوع 431 حالة انتهاك تجاه أكثر من 300 صحافي، منها 195 مضايقة و68 مصادرة أو تحيطم للمعدات و46 تهديداً أو اعتداء وإهانة، و64 حالة توقيف من دون أوامر قضائية و26 عملية ضرب وإصابة".
تحفظات دولية
وكان لهذه التطورات وقع واسع لدى سفارات وقنصليات الدول الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها، عندما وصلت رسائل عبر لقاءات مع قيادات الحزبين تحذر من أخطار تراجع مستوى حرية التعبير في الإقليم.
وعن طبيعة تلك التحفظات قال منسق مركز "ميترو" إنه "كانت لنا لقاءات عدة مع قناصل الدول الغربية وفي مقدمهم القنصل الأميركي، وتحفظنا صراحة على حال حرية التعبير في الإقليم، وقد صدر عدد من التقارير من الصحافة الغربية يؤكد حصول تراجع في هذه المضايقات، لكن أي تراجع من هذا النوع لا يعني التقدم في مستوى حرية الصحافة، لأن المضايقات تحدث في الغالب عند بروز قضايا وأحداث كبرى، مثل اتساع النقمة على مستوى المجتمع وما يتبعها من احتجاجات وتوترات وكذلك الانتخابات، وهذه الأحداث كانت محدودة خلال الأشهر الستة الماضية".
وسبق أن رد منسق "التوصيات الدولية" الحكومية ديندار زيباري على بيانات صدرت من منظمات دولية بينهما "هيومان رايتس ووتش" حول تراجع مستوى حرية التعبير، معبراً عن "افتخار حكومة الإقليم بالتطور الحاصل في هذا المجال"، ومؤكداً أنها "تعمل حالياً على تطبيق خطة خاصة بحقوق الإنسان".
واستشهد زيباري بمنح تراخيص عمل لأكثر من 1250 مؤسسة إعلامية متنوعة و31 قناة فضائية و85 محلية وما يزيد على 50 موقعاً إلكترونياً، ونحو 130 محطة إذاعية و958 مجلة وصحيفة، مؤكداً أن "هناك مجتمعاً مدنياً فاعلاً يعمل كمراقب إلى جانب منظمات ووكالات ومؤسسات دولية عدة معنية برصد الانتهاكات وتعزيز معايير حقوق الإنسان".