Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما تأثير اتفاق سقف الدين الأميركي في انتخابات 2024؟

صفقة بايدن - مكارثي لا تفعل كثيراً لمعالجة مشكلة الديون على المدى البعيد

ماكارثي متحدثاً إلى وسال الإعلام بعد تمرير مشروع قانون سقف الدين في الكابيتول هيل بواشنطن، الأربعاء 31 مايو (أ ب)

مع إقرار مجلس النواب الأميركي بغالبية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لاتفاق سقف الدين وخفض الإنفاق الفيدرالي الذي توصل إليه الرئيس جو بايدن ورئيس مجلس النواب كيفن مكارثي، يتبقى ما يكفي من الوقت كي يقره مجلس الشيوخ بما يجنب الولايات المتحدة خطر التخلف عن سداد ديونها في الخامس من يونيو (حزيران) الجاري، وهو الموعد الذي حددته وزيرة الخزانة جانيت يلين، لكن الأسئلة عن العواقب السياسية لهذا الاتفاق تظل هي الأكثر إثارة للاهتمام في واشنطن، فمن الفائز في هذا الاتفاق؟ وما انعكاساته المحتملة على الانتخابات الرئاسية لعام 2024؟

 من الفائز؟

لم يحصل أحد على كل ما يريده في هذا الاتفاق، إذ لم يحصل الرئيس بايدن على الزيادة غير المشروطة في سقف الديون التي أصر عليها لأشهر عدة، كما لم يحصل مكارثي والجمهوريون على معظم ما سعوا إليه في مشروع القانون الذي أقروه في أبريل (نيسان) الماضي على رغم أنهم حصلوا على جزء منه.
وعلى رغم أن التشريع أثار معارضة من الجمهوريين المحافظين، الذين أصيبوا بخيبة أمل لأن الحزب الجمهوري لم يفز بتنازلات أكبر من البيت الأبيض واكتفى بتخفيضات محدودة في الإنفاق، إلا أن التقدميين في الحزب الديمقراطي، يعتقدون أيضاً أن بايدن أعطى كثيراً للحزب الجمهوري لضمان تمديد سقف الديون حتى يناير (كانون الثاني) 2025 أي ما بعد انتخابات العام المقبل، مما أثار حفيظتهم وفاقم انقساماتهم، إذ يشعر الديمقراطيون بأن بايدن خسر حرب الرسائل على سقف الديون، وهو مؤشر ينذر بالسوء بالنسبة إليه في عام 2024 وفقاً لصحيفة "واشنطن بوست".

هل انتصر بايدن؟

بالنسبة إلى بايدن فإن الصفقة التي ترفع سقف الدين على المبلغ الذي يمكن للحكومة أن تقترضه حتى عام 2025 كان دائماً أولويته القصوى، إذ لم يستطع تحمل كارثة اقتصادية محدقة تحت رئاسته نتيجة التخلف عن السداد الذي كان من الممكن أن يحدث في الخامس من يونيو إذا لم يتم رفع سقف الديون، كما يمكن له أن يسوق نفسه بعد أيام من انطلاق حملته للانتخابات الرئاسية العام المقبل، كمفاوض وسطي في وقت تزداد فيه الحزبية المفرطة. ويمكنه بهذا الاتفاق إثبات أنه اجتاز حكومة منقسمة، وأضاف إلى سجل التشريعات التي وافق عليها الحزبان من قبل تشريعاً آخر يعزز ما تعهد به قبل فوزه بالرئاسة في عام 2020 بأنه سيكون رئيساً لجميع الأميركيين ويعيد روح التعاون بين الحزبين، كما أن الاتفاق يعفيه من الاضطرار إلى التعامل مع تعثر محتمل يمكن أن يشل الاقتصاد، فضلاً عن صداع المواجهة حول سقف الديون مرة أخرى قبل انتخابات 2024.
ويرى جوناثان كوت الخبير الاستراتيجي الذي أشاد بالاتفاق باعتباره فوزاً لبايدن أن كلا الجانبين حصل على شيء منه، وهذه هي الطريقة التي تعمل بها المفاوضات بين الحزبين.
ويرجح أن بايدن كان على علم بأن خيار التعديل الدستوري الـ14 الذي لوح باستخدامه ويقول بعضهم إنه يشير إلى أن سقف الديون غير دستوري ومن ثم يمكن توجيه وزارة الخزانة لإصدار ديون جديدة، كان معرضاً لخطر جسيم يتمثل في الإلغاء من المحكمة العليا، كما كان الأمر الأقل يقيناً هو الكيفية التي سترد بها الأسواق المالية في الداخل والخارج على مثل هذه الخطوة.

لماذا لم يخسر مكارثي؟

وبالنسبة إلى مكارثي الذي بدت قبضته على منصب رئيس مجلس النواب هشة في يناير الماضي فيمكن له القول إنه حصل على تنازلات من البيت الأبيض والديمقراطيين، لم يتمكن سوى قليل من أسلافه الجدد من تحقيقها، كما أن الحصول على أصوات غالبية الجمهوريين في مجلس النواب إلى جانبه لتوطيد الصفقة، من شأنه أن يعزز موقفه مع بايدن كمفاوض ذي صدقية يمكنه تحقيق نتائج، على رغم المشكلات التي يمكن أن تتمخض عن هذا الاتفاق من اليمين المتشدد في "تكتل الحرية" الموالي للرئيس السابق دونالد ترمب.
ونقلت صحيفة "ذا هيل" عن أحد المساعدين الجمهوريين في مجلس الشيوخ قوله إن "الصفقة فوز للجمهوريين لأنهم أجبروا بايدن على التفاوض بشأن رفع حد الدين، وفازوا بزيادة الإنفاق لبرامج الدفاع، وخفضوا البرامج غير الدفاعية وأجروا بعض الإصلاحات المتواضعة في مجال الطاقة من دون الموافقة على أية زيادات ضريبية".
ويهدف التشريع إلى الحد من نمو الموازنة الفيدرالية إلى واحد في المئة للسنوات الست المقبلة، كما توقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن مشروع القانون سيقلل عجز الموازنة بنحو 1.5 تريليون دولار على مدى العقد المقبل، وهو ما يتماشى مع الهدف الذي حدده الجمهوريون بقيادة مكارثي في مجلس النواب.

تداعيات على الانتخابات

وفي حين أن بعض الجمهوريين المهتمين بالأمن القومي بقيادة السيناتور ليندسي غراهام، ليسوا سعداء بالزيادة المتواضعة في الإنفاق الدفاعي التي تبلغ ثلاثة في المئة التي تستجيب لاقتراح بايدن للموازنة، وعدم رضاهم عن زيادة 4 تريليونات دولار من الديون، في مقابل تجميد الإنفاق الحكومي لمدة عامين، وعدم وجود إصلاحات جوهرية جادة في تخفيضات الإنفاق، فإن صفقة سقف الديون قد يكون لها تأثير اقتصادي مضاعف في المرشحين للرئاسة في عامي 2024 و2028.
وعلى مدى أسابيع كان المفاوضون عن الجمهوريين في مجلس النواب ونظرائهم في البيت الأبيض يتجادلون بشأن المقترحات التي يمكن أن تشمل تخفيضات الإنفاق لسنوات عدة وربما تساهم في إحداث ركود مع تجميد معظم الإنفاق غير الدفاعي مع بعض التخفيضات الأخرى في عام 2024، وهو سيناريو من شأنه أن يثقل كاهل إعادة انتخاب الرئيس بايدن الذي يعاني بالفعل نخفاض معدلات التأييد وتحيطه مخاوف بشأن لياقته الصحية كرجل يبلغ من العمر 80 سنة للمنصب الرئاسي.
وإضافة إلى ذلك من المحتمل أن رفع سقف الإنفاق بنسبة واحد في المئة ما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة أن يعزز انتعاشاً اقتصادياً، مما يرقى إلى رياح خلفية لمن سيكون رئيساً في ذلك الوقت، وبحسب كبيرة الاقتصاديين في "بلومبيرغ إيكونوميكس" آنا وونغ، فإن "الأثر الاقتصادي لصفقة خفض الإنفاق هو أن معظم الضرر سيحدث في عام 2024، وعندما يرفع الحد الأقصى للانفاق في عام 2025، فمن المرجح أن يحقق الفائز في انتخابات 2024 انتعاشاً قوياً في تلك الإدارة".

خلق ظروف مؤثرة

وهذا يعني أنه إذا كان الجمهوريون استراتيجيين للغاية أو محظوظين جداً، فإن مفاوضات سقف الديون هذه يمكن أن تساعدهم في خلق الظروف الاقتصادية لهزيمة بايدن في عام 2024 والفوز بالرئاسة مرة أخرى في عام 2028.
ومن المحتمل أن التأثيرات الاقتصادية الأكبر لم يأخذها الجمهوريون أو الديمقراطيون في الاعتبار، إذ تعرض كلاهما لضغوط سياسية مكثفة لعقد صفقة لمنع التخلف عن السداد الفيدرالي، ومع ذلك واصل الديمقراطيون خلال الأيام الماضية الضغط ضد تخفيضات الإنفاق التي اعتبرها زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز أنها مدمرة عندما طرحها مكارثي للمرة الأولى.
وتقول وونغ إن "أفضل طريقة لتجنب الركود هي رفع سقف الديون من دون شروط، وكان هذا هو شعار الديمقراطيين لأشهر عدة، لكن مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، بينما يسيطر الديمقراطيون بأغلبية ضيقة جداً على مجلس الشيوخ، يعني أن الديمقراطيين لم يكن لديهم الدعم لتمرير رفع سقف الديون من دون تنازلات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دروس التاريخ

ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن وضع حد أقصى للإنفاق قد يعني فقدان مئات الآلاف من الوظائف الإضافية بحلول نهاية عام 2024 وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما قد يساهم في الركود المتوقع الذي يمكن أن يأتي في النصف الثاني من هذا العام، وهو أمر حيوي للرئيس بايدن لأن الناخبين يميلون إلى تحميل الرؤساء المسؤولية عن صحة الاقتصاد، إذ أصيب آخر ثلاثة رؤساء حكموا لولاية واحدة وهم جيمي كارتر، وجورج بوش الأب، ودونالد ترمب بانتكاسة في آمال إعادة انتخابهم وبأضرار قاتلة بسبب الآثار المستمرة للركود.
وهذا يحمل أخباراً سيئة لبايدن بعد أيام من إطلاق حملة إعادة انتخابه الذي سجل أدنى معدل تأييد لرئاسته في استطلاع معهد "غالوب" الشهري، إذ قال 37 في المئة فقط إنهم يوافقون على أدائه الوظيفي، بينما قال 59 في المئة إنهم يرفضون ذلك.

وعندما يتعلق الأمر بسقف الديون على وجه التحديد فتشير استطلاعات الرأي إلى أن الناخبين يلومون الجمهوريين والديمقراطيين بالتساوي في المواجهة، إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة كوينيبياك أن الأميركيين يحملون بايدن المسؤولية بنسبة 38 في المئة بينما يحملون الجمهوريين في مجلس النواب المسؤولية بنسبة 37 في المئة.

تحد لمكارثي

ومع ذلك فإن نتيجة الاتفاق قد تنعكس سلباً على مكارثي، إذ لا يزال الخطر الأكبر الذي يواجه رئيس مجلس النواب، يتمثل في تحديه من اليمين المتشدد الذي تخلص من آخر رئيسين سابقين جمهوريين لمجلس النواب، وهما جون باينر وبول رايان، الأمر الذي لا يزال يشكل مصدر قلق مستمر.
ويعد السؤال الأكبر لمكارثي بصرف النظر عن التصويت في مجلس النواب، هو ما إذا كان الجمهوريون سيلتزمون به كرئيس للمجلس بعد ذلك، فقد أبرم مكارثي للفوز بالمنصب هذا العام، صفقة مع متمردي الحزب من اليمين المتشدد تسمح لمشرع واحد فقط بفرض التصويت على عزله، وهو ما عبر عنه بصراحة النائب الجمهوري دان بيشوب الذي يفكر في طرح طلب التصويت على قيادة مكارثي كرئيس للمجلس.
كما انتقدت النائبة الجمهورية لورين بويبرت في مؤتمر صحافي مع أعضاء كتلة الحرية اليمينية المتطرفة الذين يعارضون الصفقة مع كيفن مكارثي، وقالت إنه "بذل قصارى جهده مع هذه الصفقة لكننا لن نواصل العمل كالمعتاد بهذه الطريقة هنا في واشنطن العاصمة".

لا حل قريباً لمشكلة الديون

وعلى رغم أن الصفقة ستحد من بعض الإنفاق على المدى القصير، لكنها لا تفعل كثيراً لمعالجة مشكلة الديون الأميركية على المدى البعيد التي هي بحاجة ماسة إلى المعالجة، إذ تضخم الدين القومي للولايات المتحدة في الآونة الأخيرة نتيجة لإنفاق تريليونات الدولارات على جائحة كوفيد-19 ووصل إلى أقل من 32 تريليون دولار بقليل، بما يمثل أكثر من 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، الذي يعتبر مرتفعاً ويتكلف أكثر من نصف تريليون دولار من مدفوعات الفوائد السنوية. ويخشى أستاذ السياسة العامة بجامعة فيرجينيا ريموند شباش، أنه في مرحلة ما قد يبدأ المستثمرون في رؤية السندات الحكومية الأميركية على أنها استثمار محفوف بالمخاطر ويتوقفون عن الشراء، مما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض ويمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام المالي الأميركي بأكمله، بينما من غير المرجح أن يؤدي التفاوض حول سقف الديون إلى معالجة الخيارات الصعبة اللازمة لإبطاء نمو جبل الديون الأميركية المتزايد.
وتعود صعوبة الحلول التفاوضية إلى أن حوالى 60 في المئة من إجمالي الإنفاق الحكومي يذهب لتمويل عدد قليل من البرامج والخدمات، مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية والدفاع الوطني، التي يصعب خفضها من الناحية السياسية، كما أن الواقع السياسي يجعل من المستحيل تقريباً زيادة الضرائب.
ومع ذلك أنشأت آلية لإعداد الموازنة في الكونغرس المعروفة باسم "المصالحة" أو "تسوية الخلافات" خصيصاً لهذا الغرض، لأنها تسمح بخفض أي برنامج إنفاق واستحقاق إلزامي وزيادة الضرائب عبر قانون واحد، كما أنه من الصعب تعطيلها في مجلس الشيوخ كونها تحتاج فقط إلى أغلبية نسبية وليس 60 صوتاً من 100 صوت كما الحال في غالبية القوانين.

ولمعالجة مشكلة الديون بشكل حقيقي قد يتطلب الأمر اقتراحاً متوازناً من الحزبين يتضمن تخفيضات في جميع البرامج، إضافة إلى بعض الزيادات الضريبية الكبيرة، لأن سياسة حافة الهاوية السياسية كما تابعها الأميركيون والعالم خلال الأيام الماضية لن تحقق الهدف المطلوب للولايات المتحدة.

المزيد من تحلیل