ملخص
النظام لمس حجم التحدي الكبير الذي واجهه بعد الأحداث والحراك الشعبي الذي خرج بعد مقتل الفتاة #مهسا_أميني وكمية الضغوط التي تعرّض لها من قوى محلية ودولية
كان لافتاً في اللقاء الذي عقده المرشد الأعلى للنظام الإيراني مع مسؤولي الحكومة والإدارات العامة في البلاد، تلك الدعوات التي وجهت لأكثر من شخصية محسوبة على التيارين الإصلاحي والمعتدل، والمعروفين بمواقفهم الانتقادية الصريحة والحادة للنظام والتيار المحافظ الموالي له. وقد تكون هي المرة الأولى التي يحصل مثل هذا الأمر، بخاصة أن الحكومة والقيادات الإدارية في الدولة والمؤسسات في عهد الرئيس إبراهيم رئيسي من المحسوبين على المحافظين والمرشد الأعلى، وقد خاضوا أشد وأشرس المعارك لاستعادة السلطتين التنفيذية والتشريعية من أيدي قوى المعارضة وعدم السماح لهم بالحصول على مقعد برلماني واحد أو حتى الاحتفاظ بموقع إداري في السلطة التنفيذية، باستثناء الأشخاص الذين كانوا بمثابة وديعة لدى حكومة الرئيس السابق حسن روحاني وممن سماهم المرشد، كما حصل مع محمد إسلامي الذي يتولى حالياً منصب رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية، وقد سبق أن شغل منصب وزير النقل والإسكان في الحكومة الثانية لروحاني.
دعوة الشخصيات الإصلاحية للمشاركة في الإفطار الرمضاني إلى جانب مسؤولي الدولة والحكومة، يأتي في ظل الأجواء الإيجابية التي يعيشها النظام بعد الإنجاز التاريخي الذي حققه في التوقيع على الاتفاق مع السعودية برعاية صينية، ومحاولة للإيحاء بأن الانفتاح على الخارج من الممكن أن يترافق مع انفتاح على الداخل، بخاصة أن النظام لمس حجم التحدي الكبير الذي واجهه بعد الأحداث والحراك الشعبي الذي خرج بعد مقتل الفتاة مهسا أميني وكمية الضغوط التي تعرّض لها من قوى محلية ودولية على خلفية الممارسات القمعية بحق المتظاهرين وكل من حاول الاعتراض السياسي والسلمي ضد هذه التصرفات والإجراءات.
هذه الخطوة التي قام بها مكتب المرشد وبإيعاز منه من دون شك، هي خطوة مدروسة بعناية ودقة عالية، إذ من المفترض أن تؤدي وظيفتها بإيصال رسالة بوجود نوايا لدى قيادة النظام، ومن أجل المصلحة الوطنية والحفاظ على إيران، بالانفتاح على القوى غير المحافظة والتي لم تخرج عن مسلمات النظام وما زالت تلتزم بالدستور كسقف لمطالبه وحراكها السياسي ولا تدعو إلى إحداث تغيير جذري، لا سيما ما يطاول صلاحيات المرشد وتفرده في رسم السياسات العامة الداخلية والخارجية وما يتعلق بالموقف الاستراتيجي للدولة والنظام في علاقاته الخارجية والدولية.
وعلى رغم هذه الدقة، فالمعطيات والإجراءات التي يعتمدها النظام في قيادة العملية السياسية الداخلية، لا يبدو حصول أي تغيير جوهري فيها، ما يجعل هذه الخطوة "ناقصة" في أثرها بعيد المدى، لأنها تطرح سؤالاً حول جدية ونوايا النظام بالانفتاح الحقيقي على الآخر المعارض، وإلا كيف يمكن تفسير هذه الدعوات مع الاستمرار في فرض الإقامة الجبرية على زعيم "الحركة الخضراء" مير حسين موسوي وزوجته، أو كيف يمكن تفسير الاستمرار باعتقال شخصيات وقيادات إصلاحية وإصدار أحكام بالسجن طويلة الأمد بحقها كما يحصل مع الإصلاحي المعارض مصطفى تاج زاده، الذي اعتقل وحوكم بجرم كسر كل حواجز المحرمات السياسية والعقائدية عندما طالب بإعادة النظر بالدستور بخاصة المواد التي تمنح المرشد الأعلى صلاحيات مطلقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا شك أن النظام الإيراني بحاجة لمثل هذه الخطوات الاستعراضية، شرط أن تبقى في هذا الإطار وعدم السماح للطرف الآخر بالبناء عليها ولفرض واقع لا يرغب به النظام ولا قيادته، والمطلوب هو إعادة ترميم صورة السلطة وتقديم صورة انفتاحية تتسق وتتوافق مع الصورة الحوارية والتسووية التي يحاول تقديمها ورسمها على صعيد علاقاته الخارجية مع دول الجوار والمجتمع الدولي.
ومن المتوقع أن تشهد مواقف النظام من القوى المعارضة والأزمات الداخلية، خطاباً مختلفاً في المرحلة المقبلة، فيها نوع من الليونة ومحاولة بناء أجواء حوارية ودعوات للمشاركة في إبداء الآراء التي تخدم المصلحة القومية والوحدة الوطنية بما يساعد في تصليب وتمتين الموقف الداخلي في التصدي للمؤامرات التي يتعرض لها أو يواجهها، لا سيما التحديات الأمنية والتهديدات العسكرية التي تصدر عن العدو الإسرائيلي والساعي لضرب المصالح الاستراتيجية للنظام وإقصاء دوره الإقليمي، فيما يحاول العدو الأميركي أن يحاصر الأوراق الإيرانية في الإقليم والتخلص وضرب حلفاء إيران لفرض مشروعه، بالإضافة إلى استمرار سياساته الساعية لتغيير النظام واستخدام الحصار الاقتصادي والعقوبات لتحقيق هذا الهدف.
وعلى رغم كل هذه الذرائع التي قد يختبئ خلفها النظام ومنظومة السلطة في تسويغ حالة الانفتاح المدروسة على المعارضة، إلا أن العامل الداخلي يبقى هو الأهم والأشد خطورة ومصدر القلق الأول للنظام، الذي يتخوف من إمكانية انفجار الشارع من جديد وخروج الأمور عن قدرته على السيطرة، بخاصة أن التقديرات لدى الدوائر الأمنية وحتى الجهات المعنية بفرض الأمن لا تخفي قلقها من عودة التظاهرات وحركات الاحتجاج بشكل أوسع وأكبر وأكثر خطورة بحيث قد تصعب معها المعالجة السريعة لما سيكون لها من أثمان وضحايا تتجاوز أعدادها الخسائر التي سقطت في الجولات السابقة من الاحتجاجات، وقد لا تنحصر هذه الحركات فقط بالجانب المطلبي، بل قد تتعداه للعمل على إسقاط النظام وتغييره بشكل جذري.
وإضافة إلى هذه الهواجس والمخاوف، فإن النظام من ناحية أخرى، يعيش قلق الانتخابات البرلمانية المقبلة التي من المقرر أن تجرى ما بين شهري فبراير (شباط) ومارس (آذار) المقبلين (بحسب التاريخ الذي يحدده مجلس صيانة الدستور بالتنسيق مع وزارة الداخلية)، ما قد تنتج أزمة مشروعية شعبية هي في الأساس مهتزة منذ الانتخابات الأخيرة التي أنتجت البرلمان القائم، لأن التقديرات تتحدث عن تراجع المشاركة الشعبية بشكل حاد أكثر مما كانت عليه في الدورة الحالية والتي لم تبلغ نسبتها 25 في المئة.
بالتالي، فإن محاولة الانفتاح على قوى المعارضة وبهذه الحدود، أو أكثر قليلاً بحيث يسمح لبعض المرشحين الإصلاحيين بالمشاركة والفوز وبأعداد ومقاعد لا تشكل تحدياً داخل عمل السلطة التشريعية، هذا الانفتاح يهدف إلى استقطاب الشريحة الشعبية المؤيدة للمعارضة أو الأحزاب الإصلاحية ودفعها للمشاركة في عملية الاقتراع بما يساعد على رفع نسبة المشاركة، والتي بدورها تسمح للنظام باستخدام ورقة التمثيل الشعبي في وجه القوى التي تعمل على تغييره أو تحرض المجتمع الدولي على محاصرته ومعاقبته بتهمة الإقصاء وملاحقة واستبعاد المعارضين.
في المقابل، فإن أصواتاً من صلب المعارضة في الداخل، ترى ألا فائدة من الانتخابات طالما لا تصدر عن النظام ومنظومة السلطة إشارات جدية حول رغبته في التغيير والإصغاء للرأي الشعبي، لأن النية الجدية للتغيير تمرّ من خلال إرسال إشارة واضحة وجدية لنية النظام التصالح الحقيقي مع الشعب وتمكينه من إبداء رأيه وعدم التلاعب به أو تغييره، فضلاً عن البدء بمسار جدي لإحداث تغييرات في السياسات العامة للبلاد والعمل على إصلاح الأضرار التي لحقت بها جراء الإقصاء والتفرد وحصرية التمثيل في طرف واحد، وإلا فإن المشهد، بحسب هذه الأصوات، يحمل على الاعتقاد بوجود خديعة قد يتعرض لها الإصلاحيون والمعارضون، وتحويلهم إلى مجرد ورقة أو أداة يستخدمها النظام لتمرير استحقاق الانتخابات ومن ثم العودة إلى سيرته الأولى.