Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فتنة اليابان كما صوّرها الرسام أوتاغاوا هيروشيجي

معرض باريسي يكشف عن جانب جمالي شعري مجهول من عمله

مشهد من كيوتو في المعرض (خدمة المعرض)

ملخص

#معرض #باريسي يكشف عن جانب جمالي شعري مجهول من عمله

نعرف أوتاغاوا هيروشيجي (1797 ــ 1858) واحداً من آخر الرسامين الكبار في حقبة "إيدو"، اشتهر برسومه المحفورة على الخشب (estampes) التي تحضر فيها بطريقة موحية، الطبيعة المحيطة بجبل "فوجي" أو مشاهد معبّرة من الحياة اليومية في مدينة إيدو (طوكيو اليوم)، قبل التحولات التي شهدتها بسبب الثورة الصناعية. لكن هذه الأعمال، على أهميتها، لا تختصر سيرورة إبداع هذا العملاق وتنوّع عمله اللذين يتجليان بقوة في رسوم مجهولة له رصدها لتزيين المراوح (éventails)، وأسقط فيها مشاهد لمواقع شهيرة من العاصمة اليابانية، مناظر طبيعية، تشكيلات من زهور وطيور، إضافةً إلى مشاهد تاريخية، أدبية أو اجتماعية ساخرة. أعمال باهرة يمكننا اليوم، وللمرة الأولى، تأمّل مختارات واسعة منها في المعرض الذي يخصّصه لها متحف "غيميه" الباريسي.

 

وتجدر الإشارة بدايةً إلى أن هذه الرسوم هي من بين أكثر أعمال هيروشيجي المحفورة تنميقاً وندرة، وتشكّل في الوقت نفسه حصيلة تاريخ طويل للمروحة في اليابان، يعود إلى القرن الرابع، وتحلّت هذه الأداة خلاله بوظيفة احتفالية، نفعية، حربية، تزيينية وحتى دعائية. مثبّتة على مقبض طويل ومرصودة لإخفاء وجه شخص رفيع المستوى، كانت المروحة في الماضي البعيد رمزاً للقوة والمكانة العالية، قبل أن يتعمم استخدامها خلال حقبة "إيدو" وتصبح واحدة من ركائز التعبير لرسامي مدرسة "أوكيو" التصويرية.

وفعلاً، بعد انطلاق عملية بيعها خلال الصيف من خلال باعة متجولين أو داخل أكشاك مؤقتة في مناسبة الأعياد، عُرضت "مراوح إيدو" انطلاقاً من نهاية القرن الثامن عشر في واجهات متاجر الرسوم المحفورة والكتب المصوّرة، حين بدأت الرسوم التي تعلوها تحمل تواقيع فنانين مشهورين. رسوم حصة هيروشيجي منها أكثر من ستمائة وخمسين، معظمها عبارة عن نماذج غير مقصوصة، في طبعتها الأولى، تشهد النضارة الكبيرة لألوانها، وجودة تدرّجاتها، ووجود ثقوب تجليد في هوامشها أحياناً، على أنها لم تصل إلينا إلا لأن تجاراً أو هواة جمعوها داخل ألبومات حفاظاً عليها من الضوء وأيدي العابثين.

بورتريهات وطبيعة

 

في المعرض، نعرف أن هيروشيجي أنجز هذه الرسوم على مدى 25 عاماً، من منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر حتى وفاته عام 1858. وتشهد النماذج الأولى منها على الشهرة التي كان هذا الفنان قد اكتسبها بفضل نجاح سلسلة محفوراته المشهدية، لا سيما تلك التي خصصها لطريقَي "توكايدو" و"كيزوكايدو" اللتين كانتا تربطان إيدو، مركز السلطة، بمدينة كيوتو، عاصمة الإمبراطورية. لكن الحقبة الأهم من إنتاجها هي تلك التي تمتد على طول أربعينيات القرن التاسع عشر وخمسينياته ، وهي حقبة نضج الفنان.

موضوعات هذه الأعمال تسمح بترتيبها داخل ست مجموعات. في المجموعتين الأولى والثانية، نشاهد رسوماً لمواقع شهيرة من إيدو أو من سائر المحافظات اليابانية. في المجموعة الثالثة، بورتريهات نسائية. في المجموعة الرابعة، رسوم مستوحاة من موضوعات تاريخية، أدبية أو مسرحية. في المجموعة الخامسة، رسوم ساخرة. وفي المجموعة الأخيرة، رسوم لزهور وطيور. ومع أن أكثر من نصف هذه الأعمال مرصود لمواقع شهيرة، لأن هيروشيجي هو قبل أي شيء رسام مشهدي، لكن تلك التي قارب فيها موضوع الزهور والطيور، تبدو في نظرنا الأكثر جاذبية، سواء بمهارة خطّها ودقته، أو بألوانها المتعددة وتوليفاتها الباهرة.

 

تفتننا أيضاً الرسوم التي عالج فيها موضوعات أدبية، تارةً كلاسيكية مستقاة من ريبرتوار مسرح الدمى "جوروجي" ومسرح "كابوكي" الذي يمزج الأداء المسرحي بالرقص الياباني التقليدي، وطوراً حديثة مستقاة من الروايات الهزلية لمعاصره الكاتب جيبينشا إيكو. أما الرسوم ذات الموضوعات الساخرة، فتستند غالباً إلى تلاعب حاذق وطريف بمراجع تاريخية وأدبية، كإسقاط الفنان في بعضها آلهة معبد أزاكوزا الشهير في صالة مسرح "كابوكي" متخيَّل، أو تحويله في رسوم أخرى شخصيات من مسرح "جوروجي" إلى تجار يتخالطون داخل مشهد مديني خرافي.

جبل فوجي

في مقدمته لألبومه "مئة مشهد لجبل فوجي"، يتحدث هيروشيجي عن دقة رسمه الوثائقية، مقارنةً برسم معاصره الرسام هوكوزاي، الذي "جاء ابتكاره في التشكيل على حساب أصالة المنظر المرسوم"، في نظره. ويتأكد هذا الجانب من عمله حين نطّلع على دفاتره التي تعجّ برسوم أنجزها في أحضان الطبيعة، أثناء أسفاره، وشكّلت المصدر الرئيس لمحفوراته المشهدية، بما في ذلك تلك المرصودة لتزيين مراوح. لكن هذا لا يعني أنه لم يلجأ أحياناً إلى رسوم مرجعية مستقاة من ألبومات لرسم مشاهد ذات طابع تاريخي، أو إلى شكل من أشكال الارتقاء الشعري بالمواقع المرسومة.

 

وهذا ما نستنتجه في بعض أعماله المعروضة حالياً في متحف "غيميه"، لا سيما تلك التي رصدها لمواقع شهيرة من مدينة إيدو، وتظهر فيها مشاهد مدينية، حدائق عامة، معابد، أماكن ترفيه وتنزّه، إضافة إلى "حيّ الملذات"، يوشيوارا. رسوم تتضمن عملية التمثيل فيها إشارات لموسم إنجازها، للساعة المعيّنة التي رسمها فيها، لطقوس أو أعياد، وتحييها شخصيات غالباً ما تكون نسائية أنيقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكذلك الأمر بالنسبة إلى المناظر التي رسمها خارج المدينة بدقة وثائقية، وتتراوح بين منتجعات صحية، مناظر بحرية أو نهرية، أماكن للحج، وتشكّل كمّاً من المشاهد الخلابة. أعمال تشهد على إبداع في الرسم، كبير لفنان هجس في أن يكون مترجماً متواضعاً ووفياً للطبيعة، ونجح، بتقنية الحفر على الخشب المتقشّفة في وسائلها، في نقل الشفافيات الرقيقة لمناخاتها المختلفة، كما من خلال نافذة سحرية. رسوم يتميّز تشكيلها بإتقان حاذق ومدهش للألوان، خصوصاً الأخضر والأزرق الطاغيين عليها، بهاجس التصوير من المشهد الأمامي، الذي تأثر به الرسام الفرنسي دوغا ثم المصوّرون الفوتوغرافيون من بعده، وبتناغم في الخطوط والألوان فتن الرسامين الانطباعيين وترك أثراً دامغاً على أعمالهم وأعمال "الفن الجديد" في أوروبا.

باختصار، لم يحُل وفاء هيروشيجي للمشهد المرسوم دون تمكّنه من الارتقاء به، سواء بأسلوبه الخاص في الرسم، أو بلجوئه إلى المطر أو الثلج أو ضوء القمر أو الضباب لإحلال أجواء آسِرة داخله، وإضفاء بعد غنائي أكيد عليه.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة