Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإسبان غاضبون من الإنجليز: إنهم يشوهون لوركا

مسرحية "الجمهور" نص إباحي للشاعر الإسباني لم يتورع كاتبه عن إخفائه نصف قرن بعد قراءته الأولى

مشهد من تقديم لـ"عرس الدم" أشهر مسرحيات لوركا "الحقيقي" (موقع المسرحية)

ملخص

قدمت #جامعة_بورتو_ريكو واحدة من أول الأعمال المسرحية للكاتب والشاعر الإسباني #فدريكو_غارسيا_لوركا بعنوان "الجمهور" وتعتبر من مسرحياته المفقودة، لكن الإسبان غضبوا عندما قدمت في إنجلترا

في 15 فبراير (شباط) 1978 كان الحدث الثقافي الكبير في جامعة بورتو ريكو، تقديم واحدة من أول الأعمال المسرحية التي تحمل توقيع الكاتب والشاعر الإسباني فدريكو غارسيا لوركا وتعتبر عادة من مسرحياته المفقودة. فمسرحية "الجمهور" التي كان معروفاً بالطبع أن لوركا الذي كتبها من دون أن يستكملها تماماً على الأرجح، بين عامي 1929 و1930، كانت تعتبر مفقودة ليس بفعل رقابة ما أو حريق متعمد، بل تحديداً لأن المأثور عنها أنها كانت واحدة من المسرحيات الصغيرة التي كتبها الشاعر وهو في مقتبل عمره، ثم قبل أن يذيلها بكلمة "النهاية" التي تعتبر كلمة سحرية بالنسبة إلى الكتاب وتصحبها ابتسامة رضى عن الذات عادة، كانت بعيدة عن ذهن لوركا وهو يقرأ ذات أمسية كئيبة ما كان قد كتبه ولم يعد في حاجة إلى أكثر من صفحات قليلة حتى ينطلق في طقوس ما بعد الكتابة. فالحقيقة أن الرفاق المعدودين على أصابع اليدين، الذين أسرعوا لتلبية دعوة صديقهم لأمسية القراءة تلك، سرعان ما انهار حماسهم حينها وكذلك كان حال الشاعر– الكاتب، الذي ما إن لمح علامات الاشمئزاز على وجوه أصحابه وتحرج بعضهم من متابعة السهرة والقراءة بالتالي، حتى وضع الأوراق في جيبه واستسلم إلى حزن عميق. ومنذ تلك الليلة اختفى نص "الجمهور" مخلفاً حزناً عميقاً لدى الجمهور أين منه حزن صاحب الجمهور.

اختفاء طويل

فالحقيقة أن كل الحاضرين كانوا يحبون لوركا ويتوقعون له مستقبلاً كبيراً افترضوا مسبقاً أن تلك المسرحية الجديدة ستكون منطلقة، لكنهم أمام خيبتهم سيسرهم اختفاؤها منذ ذلك الحين، كما أنهم ومن تلاهم من معجبي لوركا ومحبيه، سينسون "الجمهور" نهائياً، لا سيما تحت ظل النجاحات الهائلة التي سيحققها الكاتب خلال السنوات المقبلة وبخاصة مع مسرحيته الأشهر "عرس الدم" التي ستظهر في عام 1933 معيدة إليه مكانة مسرحية كادت مسرحية "الجمهور" تبعده عنها قبل أقل من أربع سنوات. وهنا قبل أن نعود إلى التقديم الفاشل مجدداً الذي سيكون من نصيب "الجمهور" لا بد من أن نتوقف قليلاً عند العودة الصاخبة للوركا ككاتب مسرحي حقيقي وكبير في "عرس الدم"، فقد كتب لوركا "عرس الدم" في عام 1933 كما أشرنا، وكان قد بات في الـ35 من عمره. صحيح أنه كان كتب أعمالاً عدة للمسرح بعد "الجمهور" وقبل هذه المسرحية، غير أن شهرته كشاعر كانت لا تزال هي الطاغية. وكان لوركا بدءاً من "عرس الدم"، وبفضل مسرحيات عدة أنتجها، أوصل عمله المسرحي إلى الذروة. وحسبنا هنا أن نذكر أن أعمالاً مثل "يرما" و"بيت برناردا آلبا" و"لغة الزهور" كانت هي ما أنتجه لوركا بعد "عرس الدم" لندرك تميز تلك المرحلة الأخيرة من حياته، عما سبقها. والغريب أن من يقرأ أو يشاهد هذه الأعمال الشاعرية والمغرقة في علاقتها بالتراب الإسباني من دون أي نزعة "واقعية - اشتراكية" سيدهشه أن يكون الفاشيون قتلوا الكاتب الشاعر بتهمة الشيوعية. فهذه المسرحيات لا تنتمي بأي حال لأي من النزعات الفنية التي ارتبطت بالمسرح الشيوعي، بل نعرف أن لوركا نفسه، لم ينتم أبداً إلى أي تجمع شيوعي، بل كان- من موقعه التقدمي والمثالي في آن معاً- منتقداً لكثير من الأفكار والممارسات الشيوعية.

من الإبداع الشعري إلى المسرح
المهم إذاً، أن مسرحية "عرس الدم" نقلت صاحبها، مرة واحدة، من كونه شاعراً كبيراً، إلى كونه واحداً من أكبر كتاب المسرح في العالم القرن الـ20. ومع هذا، لو تمعنا في هذا العمل، من ناحية موضوعه وبناء شخصياته لدهشنا أمام عادية تلوح فيه، ولكن من الواضح أن الموضوع ومجرى الأحداث، بل حتى بناء الشخصيات، لم يكن هذا كله ما هم لوركا، بل رسم المناخ عموماً، إضافة إلى تصوير يد القدر وهي تحكم قبضتها على الناس وتسير حياتهم، حتى وإن حاولوا المقاومة. إذاً هذا اللوركا، لوركا "عرس الدم" وما بعدها من أعمال أوصلت لوركا ككاتب مسرحي هذه المرة، إلى ذروة كبيرة، هو من كان حضور العرض العالمي الأول لمسرحية "الجمهور" في بورتو ريكو بل تحديداً في جامعتها التي كانت تعتبر معقلاً ثقافياً طليعياً في أميركا ذلك الحين، يتطلع إلى مشاهدتها تمثل عملياً، بعد نحو نصف قرن من اختفاء مخطوطتها الوحيدة التي كانت تعتبر مخفية في مكان ما، وربما أيضاً اختفاء ذكرها، لكن الخيبة هذه المرة كانت في المرصاد من جديد وبأشد مما كانت الحال عليه يوم قرأها لوركا أمام رهط من رفاقه فأحزنهم وخيب آمالهم.

إصرار أحمق

وكانت الخيبة أمر وأقسى هذه المرة وكان من حسن حظ لوركا أنه لم يكن حاضراً هو الذي كان الفاشيون الإسبان قد اغتالوه قبل ذلك العرض الجديد، المخزي بدوره، بـ42 عاماً، في عام 1936، لكن الأدهى من ذلك أنه لا القراءة التي قام بها لوركا، ولا حتى عرض بورتو ريكو الذي صخبت الأصوات وعلت الشتائم من بعده، علما القائمين على تراث لوركا درساً حقيقياً، ذلك أنهم لم ييأسوا وظلوا مصرين عل حمقهم الذي تمثل في السعي إلى عرض المسرحية مجدداً وكان ذلك تحديداً في عام 1986 يوم الذكرى الـ50 لاختفاء لوركا نفسه، ولكن ليس في غرناطة بإسبانيا حيث كان قد عثر على جثمان لوركا بعد أيام من اختفائه عند نهايات الحرب الإسبانية، ولكن في إنجلترا وتحديداً في صالة "المسرح الملكي" في ستراتفورد الشرقية أي في المنطقة العابقة بتراث شكسبير. وكان ذلك يمثل جرأة تصل إلى حد الوقاحة بالطبع، إذ ما إن وصلت أخبار الفشل الإنجليزي الذريع إلى الرأي العام الإسباني لم تقتصر حال الغضب على اليسار المثقف في موطن لوركا، بل إن اليمين لن يقل غضباً وقد عبر عنه حينها نائب محافظ في المجلس النيابي بقوله إنه لا يشك في أن في الأمر مؤامرة دبرت ضد لوركا وضد إسبانيا عموماً في بلد (إنجلترا) يعيش حال عداء دائم ضد الإسبان. ولنتذكر هنا أن حرب مالوين التي أصيب فيها الإسبان بهزيمة نكراء على يد أعدائهم التقليديين، الإنجليز، ما يجعل كلام النائب الإسباني المحافظ يجد صدى وطنياً عاماً في هذا البلد.

"تشويه سمعة لوركا"

وفي مثل هذا السياق كان من المنطقي أن يتناسى الإسبان عموماً حكاية لوركا نفسه مع مسرحيته "الملعونة" هذه ليروا أن ما كان مطلوباً إنما هو الإمعان في تشويه سمعة كاتبهم القومي، وذلك من خلال عمل إنجليزي غير مبرر لتقديم مباغت لنفس المسرحية في اختتام نصف عام من احتفالات إسبانية صاخبة بذكرى رحيل الشاعر، لكن أسوأ ما في الأمر أن معظم الذين عبروا عن غضبهم للمناسبة كانوا يجهلون أو يتجاهلون أن اختفاء المسرحية عن التداول وتحولها مع الزمن إلى أسطورة شبه منسية، لم يكن لدوافع سياسية أو تاريخية ولا من عمل رقابة من الرقابات، بل لأسباب أخلاقية بحتة! وبمبادرة من لوركا الذي كان أول من استهولوا "تهافت" ذلك النص منذ أول قراءة علنية له.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بذاءة شاعر وندمه

أجل لم تكن المشكلة في موضوع المسرحية، هذا إذا كان من شأننا أن نتحدث عن موضوع، وليس في بناء شخصياتها أو حواراتها ـ بل تحديداً في تلك البذاءة الإباحية التي صاغها بها كاتبها، في نوع من تحد سخيف للمجتمع لكنه ما إن قرأها أمام رفاقه ولاحظ ذلك الاشمئزاز على وجوههم حتى قال مبتسماً بمرارة وهو يطوي أوراقها في جيبه قبل أن يطويها النسيان إلى الأبد بحسب ما كان يتمنى: "إنني متأكد أيها الأصدقاء من أنه إذا ما قيض لهذه المسرحية أن تعرض على الملأ يوماً، أن جمهور الحاضرين نفسه سينهض واقفاً شاتماً صارخاً عاملاً وسط مناخ من الاشمئزاز العام على الحيلولة من دون استكمال العرض حتى ولو كان جمهوراً ينتمي إلى أقذر المجتمعات تفسخاً وانحلالاً". والحقيقة أن مسرحية "الجمهور" حققت توقعات كاتبها بعد عقود طويلة من السنوات وبشكل مزر بالتأكيد!

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة