Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زينب حفني وصراع الشرق والغرب في "بالأمس كنت هنا"

البطلة تقرأ مذكرات والدتها بعد رحيلها لتكتسف وجها آخر للماضي العائلي

لوحة للرسام السعودي عبد الرحمن السيلمان (صفحة الرسام - فيسبوك)

لا يشي مطلع رواية الكاتبة السعودية زينب حفني "بالأمس كنت هنا" (دار نوفل - 2022) عما سوف تمضي إليه الأحداث لاحقاً، فالمكان يقع في ولاية فلوريدا الساحلية المطلة على المحيط الأطلسي، والشخصيات الأميركية يبدأ ظهورها بشكل تراجيدي، منذ الفصل الأول مع الفتاة الشابة جاسمين، التي لم تتم عامها الثامن عشر. وها هي تُشارك في حضور جنازة والدتها ميريام، التي تركتها وحيدة في هذا العالم. ومع اختيار الكاتبة صوت الراوي العليم ليتتبع حياة جاسمين، تظهر تفاصيل حياة الأم الراحلة من دون تلميح لوجود ألغاز مضمرة في حياة الأم حتى الصفحة 37، وعثور جاسمين على مفكرة والدتها، التي خبأت فيها كل أحداث الماضي وطلبت من الابنة أن تقرأها بعد وفاتها.

يأخذ السرد منحى آخر، مع مذكرات الأم، فلا ميريام اسمها ميريام، ولا جاسمين هي جاسمين؛ ميريام اسمها الحقيقي حياة، وابنتها جاسمين هي فتحية. ومع انتقال مكان الحدث من أميركا إلى السعودية، تبدأ سلسلة من الحقائق المصيرية التي تتعلق بالهوية الذاتية والاجتماعية والبيولوجية بالتكشف أمام عيني الفتاة الشابة جاسمين، التي تواجه فقد الأم من جهة، وسطوع ذاكرة بعيدة من جهة أخرى، تسبب لها الارتباك والحيرة. نقرأ: "وجدت نفسها حائرة أي أمنية ستختار! هل تتمنى أن تعرف سر المفكرة التي تركتها والدتها خلفها؟ هل تتمنى أن يمزق القدر أستار الأمس، ويعرض أمامها ما وقع من أمها بالصوت والصورة؟".

الهويات والأسماء

تبدو مشاعر الحب والكره، وجهين لعملة واحدة في رواية حفني، إذ يحرك مصير البطلة "حياة" مشاعر حب جارفة، لا تلبث أن تتحول إلى كره يؤدي إلى الفرار، وقرار التجرد التام من الماضي، التخلي عن الهويات والأسماء، والبدء من جديد، في مكان آخر. وهذا ما فعلته حياة، التي عاشت في جدة برفقة أسرتها؛ وبسبب قصة حب ثلاثية الأطراف تقرر إحراق أوراق الماضي كله. وقعت حياة في حب طارق ابن الجيران، الذي أحب أختها يسرا، وقام بخطبتها. لم تتخلص حياة من مشاعرها نحو طارق حتى بعد خطبته لأختها، بل يتشكل في داخلها إحساس بالكره نحو يسرا، تقول: "صببت سيلاً من الاتهامات على أختي. أنها السبب في تعاستي. تمنيت أن يخطفها الموت، لتسنح لي الفرصة لأسترد ما أخذته مني. ماذا يضير لو رحلت إلى الأبد، وتركت لي حبيبي؟".

يتأجج الصراع النفسي في النص، بعد استجابة القدر لتلك الأمنية، فقد مرضت يسرا مرضاً شديداً، تسلل "فيروس" غريب إلى دمها، وجعلها تذوي يوماً بعد يوم، حتى ماتت قبل أن تتزوج. تتلاشى أحقاد حياة نحو أختها الراحلة، تختفي مشاعر الغيرة منها، ويظل حب طارق، مشتركاً بينهما. حياة هي الباقية الآن وعليها أن تستعيد حبيبها المنكوب بخسارة خطيبته. لكن هذه الاستعادة الموهومة لا تلبث أن تجر عليها الويلات، فلا الزواج من طارق، ولا إنجابها منه ابنة أسمتها فتحية، ولا الانتقال معه إلى أميركا لإكمال دراسته العليا، جعلته كلها ينسى يسرا. انكشاف هذه الحقيقة أمام حياة من خلال مذكرات طارق، جعلها تأخذ قرارها بالطلاق منه، ثم الفرار إلى ولاية بعيدة، بحيث لا يعثر عليها، وتقرر الانتقام منه بحرمانه من طفلته فتحية. تقول: "اختفيت مع فتحية بعد سفر طارق بشهرين، لم أترك ورائي أي أثر يستدل به علينا. علمت بأنه فعل المستحيل لكي يعرف طريقي. أبلغ السفارة السعودية بأمر اختفائنا. كان يأتي كل صيف للبحث عنا. كنت مثل حفنة ملح ذابت في أعماق المحيط". وفي موضع آخر تقول: "رميت بلا رحمة صورة عائلتي خلف ظهري، وشاهدتها وهي تتحطم إلى مئات القطع الصغيرة".

تقرر حياة، التي سوف يصبح اسمها "ميريام باركر" بعد زواجها من مايكل، أن تنسلخ تماماً عن ماضيها، حتى أنها تتخلى عن أسرتها، على رغم معرفتها بأحزان العائلة ومرض والدتها الشديد، إلا أنها تواصل الاختفاء، غير مبالية بأي تغيرات تتعلق بالماضي. يبدو البناء النفسي الذي اختارته حفني لبطلتها متطرفاً في الاختيارات والمواقف الحادة؛ اكتشافها أن الزوج ما زال يحب أختها الراحلة دفع بها لانتقام مبالغ فيه، فلم تتمكن من التراجع عنه، أو مصارحة ابنتها بأن مايكل ليس والدها البيولوجي، وأنها ليست أميركية، بل هي فتاة عربية.

لعله من المهم التوقف عند التركيب النفسي لشخصية حياة، فهي امرأة معتزة بنفسها وشخصيتها، لديها قدر من التسلط والإحساس بالاستقلال، ولدت عام 1970 وكبرت ضمن أسرة مستقرة اجتماعياً ونفسياً، لديها أخ وأخت أصغر منها، تصف نفسها بأنها لم تحس يوماً بأنها أقل قدراً من أخيها المصاب بالتوحد، بل ترى أنها تتميز عنه بكل شيء. وظل يؤلمها كيف ركع والدها باكياً على الأرض يوم رزق بمولود ذكر، يومها شعرت حياة بالغيظ والغبن.

أزمنة متداخلة

اختارت حفني السرد الدائري لروايتها، الأحداث بدأت مع جاسمين وهي تواجه رحيل الأم، ثم تنتقل إلى مذكرات الأم في فلاش باك يبدأ من سنوات السبعينيات، مع ذكر أحداث سياسية مهمة مرت على السعودية مثل قيام حركة جهيمان عام 1979، وكيف أدى قيام هذه الحركة المتشددة إلى انقلاب أصاب المجتمع في جدة، تقول: "وقتها أوقف بث أغاني الفنانات في التلفزيون السعودي. فمنعت إقامة الحفلات المدرسية، وحُرم سماع الموسيقى فيها. جُرم الاختلاط في الأماكن العامة، وجرى تطبيق عقوبة الجلد في حق مخالفيها، شهد جيلنا ارتفاع نغمة التطرف الفكري، بكل تبعاته وسلبياته". تتوقف حياة في مذكراتها عند تفاصيل اجتماعية كثيرة تتعلق بالعادات والتقاليد في نجد منحت السرد تدفقاً وحميمية. كأن تحكي عن عادات الأسرة يوم الجمعة، وتصف الأطباق التي تعدها الأم، النزهات مع الأب، والزيارات المتبادلة مع الصديقات خلال سنوات الدراسة، وليالي مشاهدة الأفلام الرومانسية. لكن وسط هذا كله تظل حياة تشعر بالغيرة من شقيقتها يسرا، التي تحظى بشعبية هائلة في المدرسة، ويُقبل الخطاب على طلب يدها. هذه الغيرة ظلت تحكم مشاعر حياة طوال حياتها، حتى بعد وفاة يسرا، لم تتمكن من مسامحة طارق لأنه ظل يحبها، وهي ظلت تغار من أختها الميتة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الابنة جاسمين، فعندما تنتهي من قراءة المذكرات الكاشفة، يساورها إحساس بالاضطراب والتحرر في الوقت نفسه، فقد تحررت من سلطة الأم، وصار بإمكانها أن تختار الدراسة التي تريدها. كما أصبحت قادرة على اختيار علاقتها مع الناس بعد أن كانت أمها مسيطرة ومتحكمة، بسبب رغبتها المفرطة بحمايتها. فالأم كانت تتلصص على صفحتها على "فيسبوك" واستعانت بخبير معلوماتي لكي تقتحم بريدها الإلكتروني وتكتشف قائمة مراسلتها. لكن مذكرات الأم على ما فيها من كشف للحقائق، دفعت جاسمين بأن تأخذ قرارها بدراسة الإعلام بغية الوصول إلى المناطق الملتهبة في العالم، بخاصة منطقة أفريقيا السوداء، والشرق الأوسط، أرادت أن تشاهد بأم عينها ما يجري هناك. قررت أن تلتحم بأرض الواقع وأن تنقل للناس ما يحدث، وتصحح ما يُبث للناس من زيف.

يظل السؤال المطروح عند قراءة الرواية، هل يُمكن للمرء واقعياً تحقيق الانسلاخ التام عن جذوره؟ تغيير جلده، واسمه وهويته، والمضي إلى الأمام من دون الالتفات إلى الوراء أبداً؟ بل أن يجتث جذور الحنين من أعماقه، ولا يسمح لها بالنمو من جديد؟ هذه التساؤلات تفتح أفقاً للتأمل في الاختيارات الفردية ومدى صوابها من عدمه. كما تضع فكرة العلاقة بين الشرق والغرب في مواجهة مباشرة، مع وجود أكثر من هوية وأكثر من اسم للبطلة نفسها، بالتالي أكثر من ذات وأكثر من رؤية للحياة والواقع.

المزيد من ثقافة