Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معرض لندني لبول سيزان الفاشل في حياته وفنه وصداقته مع إميل زولا

كلاسيكيته تجديدية تختلف مثلاً عن تلك التي سبقه إليها واتبعها بيسارو

من أعمال سيزان في بداياته (موقع سيزان)

"ليس كل فنان سيزان" يقول المغني الفرنسي ليو فري في واحدة من أجمل أغانيه، مضيفاً "لذا على الواحد منا أن يكتفي بالقليل"، ويرد مواطنه المغني الأراغوني الكبير جان فيرا متحدثاً عن "كيف غير سيزان العالم بطرف تفاحته"، لكن هذا الاحتفال الغنائي بسيزان لم يأت إلا متأخراً أي بعد عقود من رحيل سيزان. وكذلك يأتي اليوم متأخراً احتفال العاصمة البريطانية بعرض واحدة من أكبر مجموعات سيزان ما قبل سيزان، في متحف "التيت". صحيح أن لندن لم تقصر في الاحتفال بسيزان وعرض أعماله، لكنه كان في الحقيقة يستحق منها أكثر. ولربما لو فعلت لعوضت عليه في حياته ذلك الشعور بالإحباط الذي لطالما رافقه وكاد أحياناً يدمره، ولكن أن تأتي الأمور متأخرة قرناً خير من ألا تأتي أبداً... أليس كذلك؟

سؤال أساسي

ولكن يبقى هنا سؤال أساسي: هل ترانا هنا في قلب لندن أمام نظرة جديدة تلقى على سيزان؟ الصحافة البريطانية تصفها بأنها كذلك، أو في الأقل بأنها كذلك بالنسبة إلى الإنجليز في الأقل، فالمعرض الذي استعار من شتى أنحاء العالم نحو 80 قطعة بين رسم وتخطيط، لم يهتم في الحقيقة بما سيكون عليه سيزان وقد جهز لابتداع الحداثة، بل ما كان عليه حتى اللحظة التي طلعت فيها من بين يديه، وما لدينا هنا هو سيزان ما قبل سيزان، فنياً وسيكولوجياً ومرارة، وتحديداً حتى اللحظة التي تحولت معها سفوح جبل سان فكتورين بين يديه إلى مسطحات سيقول المؤرخون لاحقاً إنها كانت أساس الفن التكعيبي، وهذا الأساس الذي هو أساس حداثة القرن العشرين، هو ما يتدافع محبو الفن لمشاهدته في "التيت مودرن" حتى أواسط مارس (آذار) المقبل، ومن خلاله يتعرفون إلى ذلك "البائس" الذي كانه سيزان قبل أن يعرفه العالم ويغني له الشعراء! ولعل السمة الأساسية التي طغت على حياة الفنان الفرنسي بول سيزان سمة الحيرة، وهي الحيرة نفسها التي ظل يعتقد حتى مرحلة متقدمة من حياته، أنها هي المسؤولة عن ضروب الفشل التي وسمت حياته جاعلة إياه لا يصدق أبداً أنه سيطلع من ذلك ذات يوم بما يجعل له مكانة ما في عالم الفن أو حتى خارج عالم الفنان. ولعل ضروب الحيرة الأولى نتجت عنده حين لحق، وهو بالكاد خرج من سن المراهقة، بصديقه إميل زولا الذي ترعرع معه في الجنوب الفرنسي ثم قررا معاً أن يهاجرا إلى باريس حيث راح زولا يقنعه بأن الفن والمجد سوف يكونان في انتظارهما هناك.

إحباط بعد حماس

في البداية، اندفع بول متحمساً لكنه ما إن وصل إلى العاصمة حتى أصيب بالإحباط. ولعل ذلك نتج عما اكتشفه من قوة شخصية زولا وتمكنه بسرعة من إيجاد مكانة لنفسه هناك، مكانة عجز هو عن العثور عما يعادلها. وهكذا وجدناه منذ البداية حائراً بين أن يصبح كاتباً على غرار إميل زولا، أو محامياً كما كان يريد له أبوه. لم يكن ليفكر، حتى، في أن يصبح رساماً، ومن هنا، فإنه لم يكتشف أن لديه مواهب في فن الرسم، إلا وقد أربى على الـ21 من عمره، لكنه ظل سنوات طويلة أخرى على أي حال معتقداً أنه الوحيد الذي يؤمن بأن لديه مواهب حقيقية في فن الرسم. يكاد يكون هو الوحيد الذي يؤمن بمواهبه الذاتية، فالفشل كان نصيب معظم ما رسم من لوحات، والرفض كان مصيره في كل مرة كان يتقدم فيها للمشاركة في معرض من المعارض. وحتى حين كان يتمكن، بطريقة أو بأخرى، من فرض لوحة له في معرض، أو عند واجهة محل لبيع اللوحات، كانت سخرية الجمهور دائماً من نصيبه.

خيانة زولا!

ولقد بلغت به هذه الحال حداً لا يطاق لكنه أبداً لم يدفعه إلى التخلي عن فنه. وحتى حين كتب صديقه زولا روايته "العمل الفني" التي تستوحي حياة رسام كان الفشل هو نصيبه الدائم، ما كان من صاحبنا إلا أن قاطع زولا بعد صداقة استمرت أكثر من ثلاثة عقود من السنين. كان كل ما في حياة بول سيزان كرسام يدفعه إلى الفشل والتخلي عن فن الرسم: أسرته، أصدقاؤه، لوحاته نفسها واستقبال الجمهور والنقاد لها، لكن سيزان كسب رهانه آخر الأمر، وها هو ذا اليوم يعتبر المجدد الأكبر في الفن التشكيلي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويكتب عنه النقاد يوم رحيله في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1906 بوصفه الفنان الذي عرف كيف ينقل اللوحة من مجاهل القرن التاسع عشر إلى آفاق القرن العشرين. في نهاية الأمر كان فن سيزان انطباعياً، لكنه كان يختلف كثيراً عن فنون الانطباعيين الآخرين على رغم مزاملته لرينوار ومونيه ومانيه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان بول سيزان كلاسيكياً تجديدياً، لكن كلاسيكيته تختلف مثلاً عن تلك التي سبقه إليها واتبعها صديقه بيسارو. كان سيزان في الحقيقة أقرب إلى الفن الإسباني، بل لنقل إنه في مجال تعاطيه مع مفهوم الضوء في اللوحة ومع اللون الأسود بخاصة والألوان الغامضة عموماً كان أقرب إلى الإسبانيين، أي إنه بمعنى من المعاني كان حلقة الوصل بين غويا وتسورباران، وبين بيكاسو الإسباني الأخير الذي نقل إلى فرنسا، بعد سيزان وبشكل يفضله وضوحاً مجمل التراث البصري الإسباني، كما كان بشكل أو بآخر مكمل العمل "الإسباني الكبير في التلوين الفرنسي" والذي كان إداورد مانيه من كبار مبدعيه وفارضيه تحديداً على الانطباعيين.

إيطالي في فرنسا

ولد بول سيزان، وكان من أصل إيطالي كما هي حال زولا كما يبدو، في عام 1839 في آكس أونن بروفانس، وهناك خلال الدراسة الابتدائية تعرف بإميل زولا وارتبط معه بصداقة دامت طويلاً. وهو بتأثير من زولا قرر أن يتجه إلى عمل إبداعي ما. ولكن، في البداية بدا أن الموهبة تنقصه. ومن هنا لم يتجه إلى الرسم إلا وقد أصبح شاباً، غير أن كل الرسوم التي بدأ يحققها كانت مجرد نقل للوحات كان يتفرج عليها في متحف "اللوفر" بعد أن انتقل مع أمه إلى باريس عام 1858. ومن هنا، فإن أياً مما كان يحققه من لوحات لم يلفت الأنظار على رغم دراسته الرسم بشكل جدي في "المحترف السويسري" لمدة خمس ساعات يومياً، وعلى رغم أن صديقه بيسارو لم يتوان عن جمعه بشبان الرسم في تلك المرحلة من الذين سيبدعون في المدرسة الانطباعية. مهما يكن، فإن النقاد الأكثر إنصافاً قالوا إنه لئن غاب عن لوحات سيزان في ذلك الحين البعد الجمالي الذي كان يميز لوحات زملائه، فإنه كان، في الأقل، يفوقهم جرأة ورغبة في التحدي، خطاً ولوناً ومواضيع. وربما نشأ من هنا ذلك الضرب من سوء الفهم للوحات سنواته الأولى وجعله يرفض في معرض بعد معرض.

بدايات "كابوسية"

لكن سيزان لم يكن من الصنف الذي يهزم وييأس بسرعة، لذلك نراه يثابر، ويستقي من كوابيسه ومن الفن الإسباني ما أضاف إلى أسلوبه، ثم جاءت وفاة والده لتريحه مالياً بعض الشيء، فإذا به ينصرف كلياً إلى الرسم، ويبدأ بتحقيق تلك اللوحات (لوحات الطبيعة الميتة) التي راحت بالتدرج تلفت الأنظار وتفرضه متميزاً بين رفاقه. أما بداية شهرته الحقيقية فكانت بعيد عام 1880 حين راح الرسامون الشبان يكتشفون أعماله بالتدرج، وكتب عنه الناقد والكاتب هويسمان مقالاً لفت إليه أنظار النخبة، ومهد لدعوته إلى معرض دولي في بروكسل، كما إلى تنظيم معرض شامل لأعماله عام 1895 في باريس، وهو المعرض الذي أثار حماسة الرسامين الشبان وجامعي اللوحات في الوقت نفسه. ومن بعده لم يعد سيزان مجهولاً أبداً، بل صار ذا حظوة عند الجميع، وبدأ الدارسون يتوقفون عند أعماله لدرجة أن بعضهم راح يعتبره الأب الشرعي لعديد من التيارات الفنية التي سادت خلال النصف الأول من القرن العشرين، وفي طليعتها التيار التكعيبي والتيار الذي عرف باسم "التيار المستقبلي".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة