Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يلقب جوناثان فرانزن بالروائي الأميركي العظيم؟

دخل عالم الأسرة المفككة وكتب ملحمة الولايات المتحدة

جوناثان فرانزن الروائي الأميركي المتفرد بأجوائه (صفحة الكاتب - فيسبوك)

من الصعب أن تتخذ قراراً سريعاً بشأن الشروع في قراءة رواية للكاتب والروائي الأميركي جوناثان فرانزن، فهذا معناه أن تخصص وقتاً معتبراً في جدولك اليومي لإنجاز مهمتك الشاقة، في ما لا يقل عن أسبوعين، أو اتباع معدل قراءتك العادية واستجلاب المزيد من الصبر مع توخي الانتباه إلى أن ينتهي من حكاياته المتشعبة المترامية الأطراف. حكايات ممتدة في أغلب الأحيان على مدار أجيال وعبر قارات، وكأننا إزاء ملحمة قديمة أو إحدى الكلاسكيات التي أعجب بها الجميع، غير أن قلة منهم هم من قرأوها بالفعل. في أحد حواراته، يصرح فرانزن تجنباً لتبرم القارئ المعاصر الشغوف بالاختصار، وكذلك الناقد المتصيد الذي لم يعدمه طوال مساره الإبداعي، بعدم قدرته على تأليف رواية قصيرة، مفسراً ذلك على النحو الآتي: "أحتاج إلى مساحة تسمح للأشياء بالاستدارة مع مرور الوقت بما يُمكّن من رؤيتها من زاوية أخرى عبر شخصيات جديدة، لا من منظور شخصية واحدة فحسب".

الرؤية والرؤية المضادة

هل تختلط علينا الرؤية، ونحتاج إلى مرور السنين أو ربما عيون أخرى لرؤية ما التبس علينا؟ لا داعي للإجابة بنعم، إذ يمكن استشفافها ببساطة من التجربة الإنسانية المفعمة بالمرارة والندم. أما عن منظور الآخر، فهو بدوره لا يحتاج إلى برهان لمعرفة مدى رحابة اختلاف الرؤية على الجانب المقابل! يكفي أن تسأل فرداً من دائرتك المقربة، لا سيما الأبناء؛ جيل الألفية الثالثة، عن موقف ما كنتما شهوداً عليه، حتى تدرك مدى اختلاف أوجه الحقيقة المثير للرعب.  

ربما لهذا ولغيره، لفت فرانزن انتباه النقاد ووسائل الإعلام منذ صدور روايته الأولى "المدينة السابعة والعشرون" عام 1988 التي كتبها وهو لا يزال باحثاً مساعداً في قسم علوم الأرض والكواكب في جامعة هارفرد، على غير رغبة والدته إيرين، ربة المنزل التي لم تكن تقدر الفنون، وشجعته على الاهتمام بأشياء أكثر أهمية. قد تكون على حق، لكن الرواية أثبتت وجوده ككاتب، ومثلت نقطة الانطلاق لأعماله التالية عن موضوعه الرئيسي؛ التفكك الأسري تحت ضغط ظروف عصيبة! هذا هو الموضوع الذي ظل يختمر في كل أعماله الروائية التي اتخذت من الأسرة، باعتبارها اللبنة الأساسية للمجتمع، وسيلة لتقديم قالب درامي ساخر، يشي برأيه في البنيان ككل، ومصيره المفزع.

 

يصف فرانزن تلك التجربة قائلاً: "كنت طفلاً نحيفاً وخائفاً أحاول كتابة رواية كبيرة. وكان القناع الذي ارتديه هو قناع كاتب في منتصف العمر محكم الكلام، ذكي للغاية، واسع المعرفة".

دراما عائلية لا تنتهي

مع صدور روايته الثانية "حركة قوية" عام 1992، انتبه النقاد إلى استحواذ موضوع الأسرة المضطربة على أعماله، وكيف يستفيد بذكاء من الأحداث المزلزلة في خلق استعارة للزلزال الذي بوسعه أن يقتلع البنية التحتية للمجتمع، يقول فرانزين: "تخيلت أن الحياة الصلبة اهتزت حرفياً. تخيلت مشاهد عنيفة من شأنها أن تجرد الأرض من قشرتها وتجعل الناس يصرخون بحقائق أخلاقية غاضبة بعضهم على بعض". لكن الرواية لسوء حظه، لم تحقق نجاحاً تجارياً مما أسهم في زيادة إحباطه. فقد كان يمر آنذاك بظروف استثنائية جراء فقد والده والانفصال عن زوجته الكاتبة فاليري كورنيل بعد زواج دام أربعة عشر عاماً.

في روايته "التصحيحات" الصادرة عام 2001، استعاد فرانزن مكانته واكتسب ذيوعاً غير مسبوق بعد أن حظيت بإشادة هائلة، وحصدت العديد من الجوائز ومنها جائزة الكتاب الوطنية، وجائزة جيمس تيت بلاك التذكارية، كما رشحت في قوائم العديد من الجوائز كجائزة "بوليتزر" وجائزة "دبلن" الأدبية الدولية، وصُنفت في عدة منشورات كواحدة من أعظم روايات القرن الحادي والعشرين. وهي الرواية الوحيدة له التي ترجمت إلى العربية في سلسلة الجوائز الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في أكثر من 800 صفحة والتي أوّلها الكثيرون بأنها ذات بصيرة تنبؤية في ما يتعلق بالمخاوف الأساسية في الحياة الأميركية التالية لأحداث 9/11.

 

في 8 يونيو (حزيران) 2009، نشر مقتطفاً من روايته الرابعة "حرية" في مجلة "نيويوركر" بعنوان "الجيران الطيبون" وكانت لا تزال قيد الكتابة. وبعد عام تقريباً أتبعه بمقتطف آخر على صفحات المجلة نفسها، وما إن صدرت الرواية كاملة عام 2010 حتى اجتذبت بدورها النقاد والقراء، وظهرت صورته على غلاف مجلة "التايم" إلى جانب العنوان الرئيسي "الروائي الأميركي العظيم"، ليصبح أول كاتب أميركي يظهر على غلاف المجلة منذ ستيفن كينغ عام 2000.

 

تستند معظم أعمال فرانزن على الخيال ولكنها تغطي القضايا التي تؤثر في المجتمع الحديث. غير أن الخيال ينحسر كثيراً ليكشف جانباً من حياته الشخصية، وهو ما جعل قراءه يعرفونه تماماً ويرتبطون بأعماله. في روايته الخامسة "الطهارة" التي صدرت عام 2015، استمد فرانزن شخصية والتر بيرغلوند من مايكل مارتون الذي قابله أثناء وجوده في منحة لتعلم اللغة الألمانية ضمن برنامج "السنة الأولى في ميونيخ"، وصرح لاحقاً أنه كتبها تأثراً بانتحار صديقه المقرب وزميله الروائي ديفيد فوستر والاس، بعد أن عانى من الاكتئاب لسنوات عدة. وصفها ناشره جوناثان غالاسي بأنها ملحمة أميركية متعددة الأجيال تمتد لعقود وقارات. لكن حظها في المبيعات كان بمثابة خيبة أمل بالنسبة للجميع مقارنة بروايتيه السابقتين، إذ باعت 255476 نسخة فقط، مقارنة بـ 1.15 مليون نسخة من "الحرية" و 1.6 مليون نسخة من "التصحيحات".

في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، صدرت أحدث رواية لفرانزن "مفترق طرق"، وهي المجلد الأول في ثلاثية بعنوان "مفتاح لجميع الأساطير"، ولكنه يتوقع أن تكون الأخيرة: "قد أكون مخطئاً... ولكن بطريقة ما أشعر أن هذا هو كتابي الأخير". تلقت الرواية مراجعات إيجابية، ووصفت بأنها أفضل رواياته حتى الآن، يقول دوايت غارنر من صحيفة "نيويورك تايمز إنها "أكثر دفئاً من كل ما كتبه حتى الآن، وأوسع في التعاطف الإنساني، وأكثر ثقلاً في صورها وأفكارها".

منطقة القلق

نشر فرانزن أيضاً كتباً غير روائية منها "أن تكون وحيداً" وهو عبارة عن مجموعة من المقالات تحمل اعتذاراً للقارئ وتعبرعن قلقه من مكانة الرواية في المجتمع المعاصر، أشار فيها إلى دور الروائي في ثقافة إعلامية متقدمة لم تعد بحاجة إلى الرواية، واستكشف تأثير طفولته ومراهقته على إبداعه كما هي عادته دائماً.

 

في كتابه "أكثر بعداً"، وهو أيضاً مجموعة مقالات تتطرق إلى حبه للطيور وشغفه بمراقبتها وخوفه من إفراغ السماء جراء فظاظتنا في التعامل مع الطبيعة إلى جانب أفكاره حول التكنولوجيا. ويبدو أنه يمثل من الأهمية بالنسبة له مما يجعله يتناوله مجدداً بشكل موسع في كتابه الثالث "نهاية نهاية الأرض"، بالإضافة إلى اشتماله على صراعاته الفريدة وهمومه ككاتب وصراعه مع نفسه كإنسان وبعضاً من مراحل سيرته الذاتية أيضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كتب فرانزن كذلك العديد من القصص القصيرة منها "مكاناً ما شمال ويلمنغتون"، و"جمهورية الذوق السيئ"، وقدم حلقات تلفزيونية مثل "شارلي روز"، "عائلة سمبسون"، "أوبرا وينفري شو" و"ريل تايم" مع بيل ماهر. كما قام بترجمة مشروع كراوس، المؤلف من ثلاث مقالات للكاتب النمساوي كارل كراوس تهاجم تلاعب وسائل الإعلام بالواقع، وآلية التكنولوجيا غير الإنسانية والرأسمالية الاستهلاكية، والخطاب الشوفيني لإمبراطورية آخذة في التلاشي. وعلى رغم أن كراوس كان له أتباع متحمسون، من بينهم فرانز كافكا ووالتر بنيامين، فقد ظل متنبئاً وحيداً، ولا يعرفه إلا القليلون، جوناثان فرانزن واحد منهم.

في مشروع كراوس، لا يقدم فرانزن، مجرد ترجمة جديدة ونهائية لكراوس، بل يضمن ترجمته الأمينة والبارعة في الوقت نفسه، تعليقاته التوضيحية وملاحظات تكميلية من الباحث بول ريتر والمؤلف النمساوي دانيال كيلمان. كان كراوس كاتباً شريراً وصعباً، يسخر من بعض الشعراء والكتاب مما جعل فرانزين يعلق عليه بالطريقة التي اتبعها كراوس، مستعرضاً المشهد الثقافي والتكنولوجي اليوم بوضوح مخيف، ولم يفته أن يشجب ادعاء "تويتر" الفضل في ثورات الربيع العربي، وإبراز كيفية تأثير التكتلات الإعلامية على السياسة في سعيها لتحقيق الأرباح.

في السنوات القليلة الماضية، انشغل فرانزن بالإدلاء برأيه حيال كافة الأمور التي نختبرها للمرة الأولى وقلبت حياتنا رأساً على عقب، بدءاً من وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تكن سوى انفصال مستتر، مما يدفعه إلى التساؤل بحسرة: "ما حال الأشخاص الذين يبتغون تواصلاً عميقاً، فرداً لفرد، في هدوء أو ديمومة الكلمة المطبوعة؟". أو يقر بإذعان أن "الجوهر الفعلي لحياتنا اليومية هو الإلهاء الإلكتروني التام"، أو يستسلم للهزيمة: "كل الأشياء الحقيقية، الأشياء الأصيلة، الأشياء الصادقة، في طريقها إلى الموت".

المزيد من ثقافة