رحيل الفنان السوداني حسان علي...  الجنوبي المولع بالألوان

شارك في معارض عالمية وفاز بجائزة يابانية

الرسام السوداني الراحل حسان علي (اندبندنت عربية)

غيّب الموت قبل أيام الفنان السوداني حسان علي، وهو واحد من أصحاب التجارب التشكيلية الملهمة التي أثرت الحياة الفنية في القاهرة منذ استقراره فيها مطلع التسعينيات من القرن الماضي. أقام حسان علي الكثير من المعارض الفردية وشارك في العديد من العروض الجماعية حول العالم، كما كانت له إسهامات عده في مجال الكتب والإصدارات الموجهة للصغار، وفاز مرتين بمسابقة "نوما" لكتب الأطفال باليابان عن كتابه "الوحشي الصغير" عام 1986 ثم عن كتابه "قرية الفراشات" عام 1996.

في زيارة سابقة إلى محترفه القاهري، وقبيل الخوض في لعبته العجيبة التي كان يعرف هو بدايتها ولا يعرف على وجه التحديد متى تنتهي لمحت ذلك الطفل في عينيه المترقبتين، وأنامله المتحفزة لكسر الصمت المحيط بالمساحة البيضاء. عجائن من اللون كان يفردها أمامه على مساحة الرسم، كأنه يخط بيديه حدود المعركة المقبلة. درجات من الأحمر، تعلوها طبقة من الأبيض الناصع، تليها أخرى من الأصفر. عجائن وأحماض وأحبار طباعة أرهق نفسه في البحث عن المخفف المناسب لها، كان يضع ألوانه وعجائنه هذه ويتوقف... يبتعد قليلاً ثم يعود إليها مرة أخرى. يأتى بأدواته ويضعها جانباً، يأخذ أنفاساً هادئة من السيجارة، ثم يبدأ من جديد. ينشىء تقاطعات هنا وأخرى هناك، ليعود ويزيلها. يستخدم راحة يديه تارة وأصابعه تارة أخرى. يفرد بالسكين ما سبق أن أزاله ثم يهدأ، كأنه يبحث عن شيء ما هارب ومتوار بين طبقات اللون والعجائن، يعرف هو فقط بوجوده. يتوالى البحث ما بين كر وفر، وتكشُف واختباء إلى أن تتبدد الغيوم وتتورد أساريره من جديد، فقد التقط لتوه أطراف الخيط. توقفت الآداة بين يديه أمام شيء ما على سطح اللوحة، صار أكثر هدوءاً وروية. استطال رماد السيجارة بين أصابعه من دون أن يدري، مسح خيوط العرق المتصبب فوق جبينه وابتعد.

اقترب وتأمل... هي ألوان معجونة بوهج الشمس، ورائحة البخور، وطعم الفلفل. مساحات تحتضن أخرى. نقاط ملونة وخربشات، وكائنات عجيبة تظهر وتختفي، وخطوط تتشابك وتتنافر لتحدد ملامح أو تحاصر مساحة. لقد استحال اللون إلى جدران وبيوت وصحارى شاسعة، ظهرت بين تعاريجه أشباه نوافذ وأبواب، تشكّلت سحباً وحروفاً مجهولة، وعلامات وطلاسم، وثمة كائنات عجيبة تذهب وتجيء، تظهر وتختفي. ها هو ذلك الجنوبي القادم من "حلفا" يتراجع في استحياء تاركاً لنا فرصة للتأمل، كأنما هو قد أدى دوره وانتهى الأمر. حتى في غمرة احتفاء الناس بأعماله في قاعات العرض كان لابد لك أن تبحث عنه كي تراه، فهو غالباً ما يتنحى جانباً محاولاً تجنب العيون المتسائلة أو الباحثة عن شروح وقراءات لأعماله.

لم يدرس حسان علي الفن داخل مؤسسة أكاديمية ولم يتلق الخبرة على نحو مباشر على يد فنان بعينه. هو درب نفسه على البحث والرؤية والمشاهدة، وهو يتذكر من طفولته ذلك المُعلم لمادة التربية الفنية الذي ربما كان سبباً في تعلقه بالرسم، ذلك العالم السحري الذي رآه حينها محاصراً في محيط المساحة الصغيرة للورقة أو قماش الرسم. وقتها كان يقلد ما كان يرسمه ذلك المعلم، إلى أن بدأ يرسم وحده لوحات كلاسيكية الطابع. كان يرسم ما يصادفه، ساعدته في ذلك الطبيعة الخصبة لجنوب الوادي. كان حسان علي يرسم وقتها بالأبيض والأسود، وظل هكذا فترة طويلة لا يعرف سوى أقلام الرصاص والفحم إلى أن اكتشف اللون وسحره اللامتناهي، وأغرته الخامة بالبحث في إمكاناتها اللامحدودة. أصبح مع الوقت أكثر تحرراً وعفوية من ذي قبل. استخدم كل ما وقع بين يديه كأدوات للرسم، يضيف قطعاً من القماش، أو قصاصات الورق أو أي شيء يصلح للإضافة على سطح العمل. صارت اللوحة جزءاً من أعصابه ونسيجه الداخلي. هو فنان شغوف بالرمز، نلمحه متوارياً في أعماله خلف ملامس الصخور، ودرجات الألوان القريبة من درجات اللون التى يضعها أهالي النوبة على جدران بيوتهم الطينية.

ذهب حسان علي إلى القاهرة وقد تشبّعت روحه بألوان الجنوب وفاضت الذاكرة بأهازيج أهل النوبة وطقوسهم اليومية، لتختلط كل هذه الأشياء جميعها بدرجات اللون لديه، وتنساب عمداً تارة، ومن دون وعي تارة أخرى بين خطوط الفرشاة وخربشات السكين على سطح اللوحة. اختار حسان الاستقرار في مصر بعد سنوات من الزيارات ومحاولات حثيثة من الأصدقاء لغوايته بعبور البحر إلى أوروبا. اختار القاهرة لأنه لن يشعر بالغربة فيها كما كان يقول، ولن ينتابه الإحساس بالوحشة، وليحقق كذلك حلمه الطفولي بتتبع ذلك النهر المسافر إلى الشمال.

في أحاديثه مع الأصدقاء طالما تذكّر حسان ذلك الفتى الممسوس من قريته، وتلك الحكايات العجيبة عن الجن والمردة والكائنات الخرافية، التي كان يلقيها على مسامعه هو وأقرانه كل ليلة من دون توقف. وعلى الرغم من أنه لم يكن يتذكر شيئاً من تفاصيل هذه الحكايات إلا أنه ظل يؤمن بتأثيرها فيه ويستشعر دفء حضورها في وجدانه، وانفلاتها من أسر الذاكرة كلما عنّ له أن يمارس طقسه اليومي لكسر ذلك الصمت المحيط بالمساحة البيضاء.

المزيد من ثقافة