Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زمن الجمال والجموح... كيف تشكلت أسطورة فرنسا؟

كتاب جديد يرصد كيف صار ديغول مهيمناً بعد موته وسارتر داعياً إلى العنف وميتران صنواً لفلاديمير لينين

ديجوليون يتظاهرون في الشانزليزيه 30 مايو 1968 دعماً للجنرال الذي جاء ليعلن "لن أتقاعد" (أ ف ب)

"التاريخ الحميم للجمهورية الخامسة" هو العنوان الفرعي للجزء الثاني من كتاب الصحافي والكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير "الزمن الجميل" الصادر عن دار "غاليمار"، وفيه يستعرض "فوغ" كما يسميه الفرنسيون "تلك الحقبة الممتدة من سنوات السبعينيات التي عبرت على إيقاع أفلام سوتيه وأغنيات داليدا ونينو فيريه وآلان باشونغ، وتحت سيادة بومبيدو وجيسكار وميتران وريمون بار وروكار وسارتر وماو، سنوات كانت في آن معاً خفيفة ومرحة وبورجوازية وثورية".

بهذه الأسطر يقدم جيزبير كتابه الذي خرج في (383) صفحة من القطع المتوسط، وهو عبارة عن سرد مكثف من التاريخ بالتفاصيل الدقيقة عن الشخصيات السياسية التي تواترت على السلطة، والمنافسة الحامية التي كانت تدور في الخفاء، وهو لا يتوقف عند السياسيين بل قدم صورة دقيقة عن المناخ السياسي وفاعليه وتوجهاتهم الأيديولوجية والثقافية والعاطفية، وربما برع الرجل في هذا الرسم الأدبي كون والده فناناً تشكيلياً.

ما الذي حل بنا؟

لكتابة هذه الثلاثية يشير جيزبير إلى أنه استعان بأرشيفه الخاص الذي امتد 50 عاماً، ويوضح "ساعدني الأرشيف في مقارنة مقاربتي للماضي والحاضر ومقاربات الفاعلين في الأحداث خلال تلك الحقبة، ومقاطعة ذكرياتي الشخصية الخالصة مع الأحداث التاريخية في حركة ذهاب وإياب مستمرة، وسرعان ما أدركت أن هذا العمل سيساعد في فهم السؤال الذي يؤرقنا جميعاً بشكل ما، وهو ماذا حل بنا؟".

ففي فترة السبعينيات، وهي الفترة التي تناولها الجزء الثاني من ثلاثية جيزبير، واصل المؤلف التقدم مدفوعاً كما يقول بـ "الصحوة الديغولية" التي استعرضتها باعتبار أنها "فترة الزمن الجميل" للجمهورية الخامسة، بعد أن عصفت بها التحديات التي فرضت نفسها وهي التحدي المناخي وبداية أفول التصنيع والبطالة والهجرة وفقدان المرجعيات.

ويستعيد جيزبير كل هذا التاريخ مستعيناً بخبرته ومسيرته الحافلة كصحافي رافق عن قرب تطور الحياة السياسية في فرنسا، وعمله لفترة في الولايات المتحدة كونه من أب أميركي وأم فرنسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبدأ الكتاب مع موت الجنرال ديغول الذي ترك فرنسا يتيمة من بعده، ويجول على خمس فترات رئاسية من ديغول إلى بومبيدو وجيسكار ديستان مروراً بميتران وشيراك.

ومن الصفحات الأولى يأخذ القارئ إلى قلب المعركة بين ديغول ورئيس وزرائه بومبيدو الذي اعتلى الرئاسة ولم يدل بأية كلمة رثاء أو تكريم للرئيس الراحل، وكان الجنرال أوصى بجنازة شخصية بعيدة من أي تأبين وطني، لكن منصب وكاريزما وتاريخ الرجل لم يسمحوا باحترام وصيته، ومع ذلك لم يدل خلفُه الرئيس بومبيدو بكلمة تأبين بسبب تدهور العلاقة بينهما في الفترة الأخيرة، لكنه في المقابل بقي على وفائه تجاه أرملته وابنه الضابط فيليب الذي طلب منه أن يترقى لرتبة أميرال وهو ما حصل عليه بالفعل.

ديغول أحدث تغييرات في الحياة السياسية والاقتصادية منذ الـ 100 يوم الأولى على توليه الحكم، في فترة ذهبية شهدت خلالها فرنسا ازدهاراً اقتصادياً إلى أن أتت الصدمات البترولية بخاصة عام 1973 واستقلال الجزائر.

وإلى جانب استعراض التفاصيل السياسية والمنافسة بين اللاعبين، تطرق جيزبير إلى الحياة الفكرية ورموزها وخص جان بول سارتر بنقد لاذع، إذ وصفه بـ"المنافق الثقافي" وكيف أنه استطاع أن ينعطف حيث كان موجوداً في احتفال مع ضباط ألمان، لكنه لم يظهر بالصورة، وفور التحرير انضم إلى طاقم الذين تولوا ملاحقة المتعاونين مع النازية، وهو يصفه بـ "الداعي للقتل"، كما ركز على دعوته إلى العنف في تقديمه لكتاب فرانز فانون "معذبو الأرض"، الذي كان بعيداً كل البعد من قناعات فانون نفسه، وكان هذا الأخير على فراش الموت عندما كتب سارتر مقدمة كتابه وحرف فكره البعيد من العنف، بينما لم تكن لديه حيلة لمنع ذلك.  

على أعتاب الحاضر

توقف فرانز أوليفيه جيزبير مطولاً عند هذه الفترة، سواء على الصعيد الشخصي لكل من الرئيسين وطريقة معاملة الجنرال لبومبيدو حين كان رئيس وزرائه، والفضائح التي راجت في تلك الأثناء وطالت زوجة بومبيدو، ومنها ما هو ملفق، لكن الجنرال لم يدافع عن وزيره الأول مما ترك غصة في حلقه لم يغفرها للجنرال حتى النهاية.

واستعرض الكاتب كذلك حياة الشخصيات الأساس من جيسكار ديستان إلى فرانسوا ميتران إلى شيراك وهولند، كما كشف القناع عن أوجه المثقفين من ألتوسير إلى دريدا إلى أرون وفوكو والماويين والتروتسكيين، معتمداً على أرشيفه الخاص ومعاصرته لتلك الفترة ومقابلاته ومعرفته القريبة بالشخصيات وعاداتهم.

فهو حين يصف شيراك يقول "كان يتظاهر بأنه أبله في حين أنه كان على قدر واسع من الثقافة، وعلى معرفة دقيقة بتاريخ الحضارات، وكان نهماً ينهي طبقه بسرعة فائقة، ولا يحب ذاته ولا يجد نفسه وسيماً، وكان يتمنى أن يكون شخصاً آخر".

وعن غياب ديغول وحيرة بومبيدو يقول "تيتمت فرنسا على إثر فقدان الأب ومؤسس الجمهورية الخامسة وبطل التحرير، فعلى مدى عام ونصف العام بعد تولي خلفه جورج بومبيدو الرئاسة كان اليتم مصير الشعب الفرنسي الذي انعتق من أب متسلط، وهذا الغياب حرر في المقابل الرئيس الجديد الذي كان ينوء تحت عبء الظل المخيم للرجل الكبير في بداية عهده، إذ كان يشعر بعدم كفاءته أو بأنه لن يكون على المستوى المطلوب، ولقد حرره الموت نفسياً فهو لم يعد تحت الوصاية. لكن ديغول وضع مستوى عالياً لخلفه الذي شعر على الدوام أنه مهما فعل فلن يصل إليه".

بومبيدو يتنفس الصعداء

هكذا سحب الجنرال السجادة من تحت أقدام منافسيه واستبق الأمر حين قال للجنرال جاك فوكار "سأسحق مستشار الظل"، وكان ذلك قبل زيارة إلى أفريقيا، مضيفاً "إذا حدث مكروه فسيستولون على جثتي ويستثمرون لمصلحتهم كل ما أمثله، لكنني سأنال منهم".

وكشف الورقة حيث سجل إرادته الموجهة إلى بومبيدو مع نسخة منها إلى صهره الآن دو بواسو، "ما من احتفال في باريس ولا جنازة وطنية".

لكن مع ذلك أقيمت مراسم احتفال تأبيني في باريس شكلت أفصح تكذيب لادعاءات المعارضة التي كانت تتهم الجنرال بعزل فرنسا، وبدا ذلك من الشعور العام بالأسى فور إعلان وفاته، ففي الـ 12 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970 تدافعت كل الشخصيات العظمى حول العالم إلى جانب المغمورين نحو نوتردام في باريس لحضور القداس برئاسة بومبيدو".

لكن بومبيدو لم يتفوه بكلمة تأبين للرئيس الراحل مما أثار اشمئزاز ميشال دوبريه، الذي ذكر في مذكراته أنه "كلما تذكرت فترة الحداد كلما تضاعف لدي هذا الشعور بالعار".

 

وهذا الصمت فسره بومبيدو في ما بعد في مذكراته بالقول "هناك طعم الرماد الباقي تحت لساني منذ أخرجني ديغول من رئاسة الوزراء بعد أحداث ’مايو 68‘".

فبومبيدو الذي غالباً ما كان غائباً خلال هذه الأحداث قبل أن يقيله الجنرال من منصبه بلا سابق إنذار ومن دون أن يعلمه شخصياً بذلك، يتساءل "أتفهم أن يكون الرئيس شعر برغبة في تغيير وزيره الأول، ولكن لماذا لم يصارحني بذلك وجهاً لوجه؟".

"هكذا يبدو بومبيدو، ليس حقوداً وحسب، بل رؤيوياً أيضاً ومثقفاً عميق التفكير، وأحد رؤساء الجمهورية الخامسة الأقل نرجسية إلى جانب شيراك وأولند".

وبحسب جيزبير الذي رصد هذه الفترة بتفاصيلها الدقيقة مبيناً كيف تصرف الفرنسيون تحت الاحتلال الألماني، وكيف تشكلت أسطورة فرنسا المقاومة في حين أن معظم الفرنسيين تعاونوا مع المحتل، وحتى الشيوعيين لم يتوصلوا إلى قرار محاربة النازية إلا بعد فترة حكم بومبيدو، فضلاً عن حال مثقفي تلك الفترة المعتنقين للماركسية أو الماوية على غرار لوي التوسير (قاتل زوجته)، وكيف لعب ميشال فوكو دور الأخ الأكبر والحليف الموضوعي أو الأبله الذي لا غنى عنه بالنسبة إلى الماوية.

ويكتب جيزبير عن سارتر "الذي انشغل على الدوام بإخفاء تصرفاته المشبوهة خلال فترة الاحتلال النازي"، وعن ميتران الذي لو كانت ولدت ابنته غير الشرعية مازارين صبياً لسماه تشي، وعن ميتران إذ يقول "الرحلة لا تفرق بين الحياة الشخصية لكل شخص ومسيرته السياسية، إذ ينعكس وجه الإنسان على الحياة السياسية والعملية في آن معاً".

الطموح أو قوة الشعب

ولم يترك فرانز أوليفيه جيزبير أية تفصيلة من الحياة السياسية والفكرية التي عايشها كصحافي يقابل الرؤساء والوزراء والمثقفين، ومن ثم كمراسل من الولايات المتحدة أثناء فترة حكم ريغن الذي "على بلاهته كما وصفه كثيرون استطاع توقيع معاهدة ’ستار ورز‘ لجعل أوروبا منزوعة السلاح النووي، مما عجل بسقوط الاتحاد السوفياتي".

وفي عرضه للنزوع نحو يسار اليسار داخل الحزب الاشتراكي بعد وصول ميتران إلى الحكم يقول، "كنت في زيارة خاطفة إلى باريس ومررت بمكتب رئيس الوزراء بيار موروا، ولدى سؤالي له عن الأوضاع قال لي ’كلهم أضحوا مجانين حتى الرئيس، تعرف كم أحب ميتران لكنه في هذه الأيام يحسب نفسه لينين، نعم لينين، لا أمازح. لينين ولا تضحك، إنه أمر مرعب‘".

يقول جيزبير، "تأكدت من ذلك عندما رفع ميتران غضبه عني عام 1989 ودعاني لزيارته في الإليزيه"، ويختتم بما غرقت فيه فرنسا من نكران للمشكلات الاقتصادية والإنفاق والدخول في متاهات اقتصادية.

يقول، "في ما بعد عندما طرحنا أمامه المأزق الاقتصادي الذي كان نتيجة التدابير الأولى التي اتخذها اليسار، كان ميتران يلمح إلى أن ذلك كان الثمن الذي تعين دفعه ليبرهن لمعسكره على أن هذا النوع من السياسات ليس ممكناً".

وينهي الكاتب الجزء الثاني من الثلاثية بصوت الجنرال ديغول قادماً من العالم الآخر يعظ ضد الجمهورية الرابعة، "بلدنا يتأرجح ونحن على حافة الهاوية الاقتصادية والاجتماعية، وموازناتنا خيالة. مسكينة فرنسا وهي جاثمة على ركبتيها، إذ لم يعد للفرنسيين القوة، وقوة الشعب هي الطموح ولا يمكن لفرنسا التخلي عن طموحها الوطني".

المزيد من كتب