Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حمار سكوليموفسكي يروي سيرة الحرية والتمرد بـ"القاهرة السينمائي"

يكشف الفيلم في أول عرض شرق أوسطي كيف يعلمنا الحيوان فهم البشر وينال جائزة النقاد

اتخذ المخرج البولندي سكوليموفسكي من الحمار رمزا للجمالي والإنساني  (ملف الفيلم)

"إيو" للمخرج البولندي يرجي سكوليموفسكي من أكثر الأفلام التي نالت الإعجاب هذا العام، هذا فيلم مغاير يأتينا من خارج الصندوق، أنجزه صاحب "قتل أساسي" انتصاراً لآخر ذرة براءة صمدت فيه عبر الزمن. مرة كل بضعة أيام، أرى أحدهم وهو يحتفي به على وسائط التواصل بحماسة شديدة، بعد اكتشافه له في أحد العروض المنتقلة حول العالم. الحماسة التي يبديها الناس تجاه "إيو" مستحقة وتأتي على دفعات، وذلك منذ عرضه الأول في مهرجان "كان" السينمائي الأخير حيث نال جائزة لجنة التحكيم. السينما، في النهاية، يصنعها الجمهور والمشاهدون، بمعنى أنهم هم الذين يعطون الفيلم شرعية وتكريساً. مهما احتفت المهرجانات بالأفلام يبقى اللقاء بالجمهور هو الأهم. واليوم، بعد جولة في القارات الخمس يصل الفيلم المنتظر إلى المنطقة العربية، في أول عرض شرق أوسطي له، أثناء مهرجان القاهرة السينمائي (13 – 22 نوفمبر "تشرين الثاني") الذي يستعيد، إلى مسابقته الرسمية، أفلاماً سبق أن عرضت في مهرجانات كبيرة، كبرلين و"كان" والبندقية وغيرها.

 

 

لم يكن أحد يتوقع أن مخرجاً في الرابعة والثمانين من العمر سيأتي يوماً بفيلم يحمل هذا القدر من الحرية والتمرد. فسكوليموفسكي الذي يعد أحد رواد الموجة البولندية الجديدة في الستينيات، يسقط علينا بفيلمه "من فوق". عمله لا يشبه أي فيلم آخر ولا يشبه تاريخه، ويصعب ربطه بموضة أو ظاهرة. هكذا يعمل الكبار، عبر الدخول من باب والخروج من باب آخر، دائماً من حيث لا نتوقعهم. أما بطولة الفيلم فهذه وحدها حكاية. البطل هنا ليس بإنسان، بل حمار يجعله سكوليموفسكي شاهداً على قسوة الإنسان ومجانية أفعاله. الفيلم يتبنى وجهة نظر راديكالية، معبراً عن أفكار مخرجه الذي يقول في إحدى مقابلاته، بأنه شعر بإحساس مر وهو يعود إلى مهرجان "كان" ليعرض فيلمه فيه، على رغم بهجة الحضور. فكثر من مجايليه الذين كانوا يشاركون في "كان" ما عادوا من هذا العالم، أما هو فأصبح بعد سنوات من انطلاقته يفضل ألا يخرج من منزله الواقع في الغابات بعيداً من هذا العالم الذي ما عاد يلهمه. فثمة حرب في أوروبا، وكيف له أن يسعد بعرض فيلم والمأساة يومية في أوكرانيا وفي كل مكان.

 

 

البطل الأوحد

من هذا السخط ومن هذه الأحوال التي تحيط بنا ولد فيلم "إيو"، ولو إن سكوليموفسكي يستوحي من السينما أيضاً، ومن فيلم "أو أزار بالتازار" لروبير بروسون الذي قال عنه سكوليموفسكي غير مرة بأنه فيلمه المفضل عبر التاريخ. حماره نوع من امتداد لحمار بروسون، ويتيح للفيلم أن يعبر من حالة خاصة إلى عامة، ومن تفصيل إلى رؤية شاملة لمصائب آخر مئة عام وأكثر، مواصلاً الفكرة من حيث كان تركها بروسون، حاملاً في داخله روحانية لا ينجز المخرج أي شيء من دونها. فهي من صميم "إيو" الذي يقترب بعض الشيء من السينما التجريبية، ناهيك بأنه ينطوي على انسجام كبير بين المضمون والشكل، وهذا يتأتى من حقيقة أن سكوليموفسكي هو أيضاً فنان تشكيلي يملك حساً تكوينياً رفيعاً. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إذاً الحمار هو البطل الأوحد مع شخصيات ثانوية من حوله، منها شخصية تلعبها إيزابيل أوبير. يتعقبه الفيلم منذ لحظة مغادرته سيركاً في بولندا وإلى حيث ستأخذه الأحداث المتداخلة. فنرى العالم من وجهة نظر حيوان لا مصلحة له في إقناعنا بشيء. فهو كائن حيادي نوعاً ما، يرى ويشعر ويعيش، ولا قدرة له على التعبير مثلنا. يتلقى الضربات المتتالية من غير أن يستجيب للعنف. مسيرة الحمار سنتابعها ونحن نتنقل من مكان إلى آخر، ومن جو إلى ثان، ذلك أن الفيلم يتيح هذا التجوال في مناطق مختلفة ليعطي فكرة شاملة عن عالم واسع، عالم أكثر توحشاً مما نعتقده، هذا كله من خلال قصة حمار، وفي هذه الفكرة مبادرة إنسانية، لكن يجب ألا تختلط علينا الأمور، فهذا ليس فيلماً عن عالم الحيوانات أنتجته جمعية تدافع عن حقوقها. إنه فيلم إنسانوي، يحفر في داخلنا، وحيث الحيوان يساعدنا في فهم البشر. فنرى ما نحن قادرون عليه من خلال ما نفرضه على الأضعف منا. والبشر هنا نوعان: هناك من يعامل الحمار برفق، ومن يتعاطى معه بعنف وقسوة. ولكن، في مجمل الأحوال، الأمل موجود، ولا يزال هناك إمكان عالم أفضل يراهن عليها سكوليموفسكي.

 

 

يصعب مشاهدة "إيو" من دون الانتباه إلى أنه فيلم عن الطبيعة، من دون أن يكون بالضرورة فيلماً عن البيئة. ثمة مشاهد يقترب فيها سكوليموفسكي إلى فكر المخرج الأميركي ترنس ماليك، لا سيما تلك التي تحتفي بالثروة الطبيعية المعششة في الكون، والتي تشكل حضن الإنسان الدافئ. اللقطات الجوية التي تعبر السهول والوديان تخاطب غرائزنا البدائية، وهي مشغولة بشغف على يد فنان يعرف ماذا يريد من فنه، لكن حتى الدفاع عن البيئة، لا يحول الفيلم في أي لحظة إلى ملف يمكن توظيفه أيديولوجياً. صحيح هناك طبيعة، ولكن خلافاً للمخاوف الحالية فلا شيء يمكن تدميره، إذ تبدو الطبيعة أبدية، الكائنات تعبر من هنا، وهي باقية.

رحلة الحمار ما هي سوى مناسبة لمسح شامل عن عالمنا الحالي، من دون خطاب مباشر. وهي أيضاً مناسبة للحمار كي يكتشف هذا العالم ويعيشه بحواسه، هذا العالم، كما يراه سكوليموفسكي مكان يصعب فهمه ووضعه في إطار منطقي، لكن ما يهم المخرج هو رد الاعتبار إلى أصحاب الضمائر الحية الذين لا ينجح الشر في تحويلهم إلى أشرار. والحمار الذي سيكون نصيبه من الخير والشر متساوياً، خير مثال. يحاول العالم الذي نعيش فيه تغييرنا كي نستجيب لما يريده منا، لكن حمارنا عنيد وسيظل كذلك حتى اللحظة الأخيرة، لا يتنكر لمبادئه، يرفض ويعبر عن رفضه، فماذا عنا نحن البشر المتفوقين على سائر الكائنات؟ هذه هي فلسفة سكوليموفسكي التي لا تتحول في أي لحظة وعظاً وتنظيراً، بل تقحمنا في تناقضات الطبيعة البشرية، مثيراً المتعة والدهشة. 

المزيد من فنون