Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيلم عن حرب سورية بلا دماء في مهرجان البندقية 

المخرجة سؤدد كنعان تقدم في "نزوح" رؤية جديدة وتحرر المرأة أمام الكاميرا

مشهد من الفيلم السوري: خراب ولا دماء (ملف الفيلم)

 بعد فيلمها الأول، "يوم أضعتُ ظلي"، الذي نال جائزة "أسد المستقبل" قبل أربع سنوات، تعود المخرجة السورية سؤدد كعدان إلى مهرجان البندقية السينمائي في دورته الحالية، بعمل روائي جديد عنوانه "نزوح" عُرض في قسم "أوريزونتي بلاس"، خارج المسابقة. كثر منّا دخلوا إلى الصالة بتوقّعات عالية إلى حد ما وببعض الحذر، أولاً لأن الفيلم ضمّه القائمون على المهرجان إلى قسم غير تنافسي، وثانياً لأن الفيلم الثاني لأي مخرج(ة) هو الامتحان الحقيقي الذي يؤكد حرفته(ا) وموهبته(ا) وفهمه(ا) للأشياء. يحدث أن يبدع أحدهم في باكورته، ثم يتدحرج من الأعالي في فيلمه التالي. لا نستطيع القول إن سؤدد كعدان تدحرجت، ففيلمها متوسط الجودة، لا هو سيئ ولا هو عمل متقن يمكن الاشادة به. هو فيلم كغيره من الأفلام التي فرضتها الظروف وضرورة التعبير عن مآسي الشعوب، ولكن للأسف ولسوء حظ صنّاعها، الفن لا يُصنع بالنيات الحسنة والآراء المحقّة. 

يحملنا الفيلم إلى سوريا، خلال سنوات الحرب التي دمّرتها. يعرّفنا إلى عائلة من ثلاثة أفراد، الزوج (سامر المصري) والزوجة (كندة علوش) وابنتهما المراهقة (هالة رين). هم كسائر السوريين، يعيشون حرباً وحشية تقصف ممتلكاتهم وتحوّل حياتهم إلى جحيم يومي. لكن ما يميز هذه العائلة عن غيرها هو أن الأب يرفض أن يترك بيته ويرفض النزوح. لا يريد أن يحمل صفة نازح التي يعتبرها وصمة. فهو من عائلة شامية محترمة، ولا رغبة له في أن يتبهدل. ولكوننا نعرف ماذا حل بالنازحين واللاجئين، فقد نقف في صفه ونتفهمه إلى حد ما. الموت دفعة واحدة أفضل من الموت اليومي المتكرر. لكن معتز (هذا اسمه) لا يريد أن يموت بل هو مملوء بالأمل، وربما أكثر ممّا يحتاجه الوضع الذي هو فيه. يركض يميناً ويساراً، يضع حاله في خطر، لتأمين مواد غذائية وتلبية حاجات زوجته وابنته في مدينة منكوبة لم تبقَ فيها غير عائلته وعائلة أخرى، لا تزال تسكن بين الأنقاض في غياب تام للماء والكهرباء. ولكن إلى متى يستطيع الاستمرار في النكران؟ نكران وجود حرب وصلت إلى صالون بيته، بل واقتحمت السقف ونسفت الجدران. إلى متى سينكر ان حياته وحياة عائلته في خطر وعليه أن يختار بين الموت والنزوح؟ 

التمسك بالإقامة

 

الفيلم ينطلق جيداً، فكرة ناس يتمسّكون بمكان إقامتهم، بديعة وغير مستهلكة. دفء البيت، حتى تحت تهديد القذائف والصواريخ والبراميل المتفجرة، يعني لنا جميعاً الكثير، والإدارة الفنية أحسنت نقل هذه الأجواء التي توحي بالعش المنزلي وهو وحده موضوع لفيلم. لكن، كلّ ما يحدث بعد تلك المقدّمة، يترواح بين لحظات مقنعة ولحظات تصارع للإقناع. هنا يدخل الفيلم في صلب الموضوع، فالأب يريد أن يستفرد بقرار الرحيل أو البقاء، لا يقبل آراء تخالف رأيه، يحكم بذكورية طافحة. والفيلم يدين هذا بطبيعة الحال، وله موقف واضح منه. إلا أنه، في المقابل، يضعف سينمائياً كلما يترك الأب وجنونه وتعنته ليرافق الابنة الغارقة في عالم من الفانتازيا. صحيح نحن مع الابنة، لكن الأب وتصرفاته أجمل سينمائياً. 

وفي كلّ مرة تتوجّه فيها الحكاية صوب الابنة ليرينا لقاءاتها المتكررة فوق سطح البيت مع ابن الجيران، يترهل الفيلم أكثر فأكثر، لأنه يستند إلى أشياء متكررة ورهانات لا تنتج ابهاراً، بل تعيد الفيلم إلى نقطة الصفر. وقوع الفيلم بين أيادي الأم والابنة يبث الشعور بأننا في فيلم آخر، أو بمعنى أدق في فيلم مقابل فيلم. فيلم الأب مقابل فيلم الأم والإبنة. 

قذيفة إستعارية

 

الفجوة الضخمة التي يحدثها سقوط قذيفة في سطح المنزل استعارية. فهي تسمح للمرأة في التحرر من سطوة الرجل. ويصبح بإمكانها أن تحلّق بجناحيها فتقرر ما تريد، خصوصاً أن الاب يقرر فجأةً أنه حان وقت تزويج الإبنة غير البالغة، بل وهناك مَن ينتظرها في الحي المدمّر ليبني معها عائلة وسط الخراب. لكن، في المقابل، دوافع المخرجة واضحة جداً، وتضعّف من جمال الاستعارة، لا سيما مع الرسالة الموجهّة إلى النساء ("لا تنظرن إلى الخلف"): اعطاء دور بارز للمرأة وسط الصراع الدائر، لمواجهة تسلّط الأب (وهو تسلّط يمكن العثور على ما هو أشد منه في المجتمع السوري)، حتى لو كانت على حساب القصّة والواقعية والأولويات في ظروف مماثلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الهدف نبيل لكن النحو الذي يتجسّد فيه على الشاشة، يحتاج إلى كتابة أعمق وإيجاد حلول أكثر ذكاءً. رغم أهمية قضية المرأة في مواجهة النظام الأبوي الذي تعيش فيه، ففي هذا السياق تبدو مفتعلة ومتأتية من رغبة في نيل رضا الجمهور الغربي. إضافة إلى أن الأداء الضعيف لبعض الممثّلين لا يسهّل المهمة، بل يضيف إليها مشكلة اخرى. 

ما هو لافت أيضاً في الفيلم هو خطاب المخرجة إزاء النظام السياسي في بلادها. والخطاب هنا يعني غياب الخطاب. فمع دخول النظام السوري مؤخراً مرحلة جديدة، لا شك إن الأفلام أيضاً ستفاوض لتأخذ طابعاً أكثر ديبلوماسيةً، فتكتفي ببث روح الأمل رغم الدمار الذي يحاصر الناس في كلّ مكان. لم تعد النظرة بتلك الشراسة التي كانت عليها في "يوم أضعتُ ظلي". ربما الحرب أصبحت بعيدة في مجال رؤية البعض أو ذاكرته ، وما عادت تستدعي الغضب بل التفكير في المستقبل. صحيح أن الدمار والخراب في الفيلم شاهدان كافيان على جرائم هذا النظام، ولكن هناك في المقابل شعور بالتنصّل من اعطاء النص السينمائي بُعداً سياسياً والاكتفاء بلمسات إنسانية. عيب الفيلم في أنه يجعلنا ندرك كلّ ما ودّت المخرجة قوله وفعله بسبب الخيوط والمسارات الواضحة والمكشوفة. لا نخالفها في المبدأ بل في الحلول التي ترد له الاعتبار سينمائياً. محاولة الفيلم لتقديم شيء مختلف عن السينما التي تُعتبر رد فعل على ما عاشه السوريون محببة، لكن المشكلة في الأفكار التي تترجمه. في النهاية، "نزوح" محاولة لعرض رواية أخرى من روايات الحرب السورية التي حوصرت في اطار الضحايا والقتلى والدمار… فيلم سوري عن الحرب حيث لا نرى أحداً يموت، لا بل ويحرر المرأة قبالة الكاميرا وخلفها. 

المزيد من سينما