ذريعة الصين لقمع احتجاجات هونغ كونغ

أدى غياب الشرطة عن الخط الأول في المواجهات قبل اقتحام المتظاهرين مقر البرلمان إلى إطلاق موجة من نظريات المؤامرة لاتزال قيد التداول

متظاهرون في هونغ كونغ احتجاجاً على مشروع قانون يقضي بتسليم مطلوبين الى الصين (أ.ف.ب.)

احتفلت مؤسسة الحكم في هونغ كونغ بذكرى عودة المستعمرة البريطانية السابقة إلى الوطن الأم. نُظمت الاحتفالات داخل الأبواب المغلقة ولم يُسمح للعامة بحضورها، ويبدو أن المنظمين بذلوا قصارى جهدهم لمنع المحتجين من استغلال الحدث لإحراج السلطات، لكن خطتهم باءت بالفشل.

تزداد الحركة المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ قدرة على الصمود، ويزداد أعضاؤها الشباب غضبا وإحباطا. إذ رُفضت مطالبهم كافة، بما في ذلك المطلبان اللذان يشكلان أساس هذا الاحتجاج، وهما سحب مشروع قانون الترحيل وإجراء تحقيق مستقل في أعمال عنف اتهمت الشرطة بارتكابها في 12 يونيو(حزيران) الماضي.

كان معظم الناس في هونغ كونغ على استعداد للتعبير عن موقفهم عبر التجمعات السلمية، على الرغم من حقيقة أنهم لا يعلقون الكثير من الآمال على إدارة رئيسة الحكومة ​​كاري لام. ومع ذلك، يعتقد بعض الشباب أن هذا النهج السلمي غير فعّال، وأدى شعورهم باليأس إلى ظهور نهج أكثر تطرفاً وصداميةً. هكذا تعيش الديمقراطية في هونغ كونغ لحظات حاسمة.

كان التوزع حول المباني الحكومية هو التكتيك المعتاد، إذ نجح المتظاهرون الشباب فعلاً في وقف اجتماعات المجلس التشريعي في 12 يونيو، ما أدى إلى إنهاء المداولات حول تعديلات مشروع قانون مثير للجدل يسمح بتسليم المطلوبين للصين. لكن شهد الاسبوع الماضي تصعيدا حادا.

شرطة هونغ كونغ مدربة تدريبا جيدا ويفترض أنها تتمتع بالقدرة على حماية المباني الحكومية الرئيسية. لكن، يبدو أن عناصر الشرطة اختفوا مساء الاثنين الماضي، قٌبيل اقتحام المتظاهرين مبنى المجلس التشريعي. ولذلك كان لابد أن تروّج نظرية مؤامرة متوقعة لتفسير يزعم أن انسحاب قوات الأمن كان متعمدا لإتاحة الفرصة للتخريب داخل المبنى، ما سيؤثر سلبا على تعاطف المجتمع مع المحتجين الشباب. فأهالي هونغ كونغ ينفرون من العنف، والنشطاء السياسيون الذين يستخدمون العنف لا يستطيعون كسب تأييد الأغلبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن العنف ينتج من الغضب والإحساس باليأس الذي يتفاقم بسبب رفض الحكومة الدخول في أي حوار مع المحتجين. هكذا لم توافق كاري لام، رئيسة الجهاز التنفيذي في هونغ كونغ على الاجتماع بالمشرّعين المؤيدين للديمقراطية منذ أخذت الانتقادات تتنامى أوائل يونيو، كما رفضت مرة أخرى أن تلتقي بهم هذا الأسبوع.

وخشي الشباب الراديكاليون أيضاً من تراجع الدعم الدولي لهونغ كونغ بعد انتهاء قمة مجموعة العشرين والاجتماع الإيجابي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ بشأن النزاع التجاري الصيني الأميركي.

وتعتقد أصوات كثيرة في صفوف الحركة المؤيدة للديمقراطية أن هذه الأزمة أصبحت حالياً حربا على مستوى الرأي العام. كان النهج السلمي وغير العنيف يضمن الدعم المجتمعي الواسع. وتجلى ذلك بوضوح في مظاهرات 9 و16 يونيو الاحتجاجية التي شارك في أولاها ما يقدر بمليون متظاهر فيما ضمت الثانية حوالي مليوني متظاهر. وكان الهدف هو الحفاظ على الزخم في 1 يوليو (تموز) حين سار 550 ألف شخص في مظاهرات سلمية. كما كانت هناك آمال في أن تحقق الحركة الديمقراطية أداءً جيداً في انتخابات المجالس المحلية في نوفمبر (تشرين الثاني) وانتخابات المجلس التشريعي في سبتمبر (ايلول) من العام المقبل.

غير أن آلة الدعاية للمعسكر التابع للصين تلقت حالياً دعماً غير متوقع. فقد كانت سيادة الدولة والأمن القومي ومكافحة الدعوة للاستقلال مبررات للقمع السياسي، كما أن حالة الهيجان في مبنى المجلس التشريعي وفّرت ذريعة لاعتقال المتظاهرين ومقاضاتهم.

وبما أن القيادة الصينية اختارت أن تدعم كاري لام، وهي تشعر بالقلق إزاء الحالة المعنوية لقوات الشرطة المحلية، فإن حملة قمع باسم فرض القانون والنظام تُعتبر حالياً قابلة للتبرير. ففي رأيي، كان القادة الصينيون حريصين على تعلم الدروس التي تُستخلص من سقوط جدار برلين، ومن الثورات "الملونة" في أوروبا الشرقية والربيع العربي. وكان أحد هذه الدروس الرئيسة هو سحق مصدر المشاكل في بدايته.

ليس لدى القيادة الصينية أي رغبة للانصياع للحركة الجماهيرية، وهي تبدي حرصاً متأصلاً على الحدّ من انتشار مظاهرات هونغ كونغ على نطاق أوسع.  بالتالي ليس من المرجح أن تستجيب بكين لرغبة شعب هونغ كونغ في التمسك بمبادئ الديمقراطية استجابة تسمح بتهدئة الخلاف.

بالنظر الى الوضع المحلي، فإن إدارة كاري لام باتت ضعيفة كثيراً حتى أن الصين غير راضية عن أدائها. فمجتمع الأعمال مستاءٌ من تضحية الإدارة بمصالحه المالية، والأحزاب السياسية المؤيدة لبكين غاضبة من الأضرار التي لحقت بحملاتها الانتخابية. ويتعين الآن على لام أن تعتمد بشكل أساسي على دعم بكين، التي يُتوقع أن يزداد نفوذها وتدخلها.

يدرك أبناء هونغ كونغ أن الوضع قاتم. وتبدو الهجرة أحياناً خيارهم المنطقي الوحيد. لكن معظمهم لم يتخلوا عن الأمل. قد تكون لحظة التخريب الغاضب بمثابة خدش لصورة ثورة "جامعة" حميدة، ومع ذلك فإن كفاحهم السياسي ما زال يستحق تعاطف ودعم المجتمع الدولي.

جوزيف يو شيك تشنغ هو أستاذ متقاعد للعلوم السياسية ومنسق مشروع بحوث الصين المعاصرة بجامعة سيتي في هونغ كونغ، والمحرر المؤسس لـ "مجلة هونغ كونغ للعلوم الاجتماعية" و "مجلة التنمية الآسيوية المقارنة." سياسيا، كان تشنغ من مؤسسي التحالف من أجل الديمقراطية الحقيقية في هونغ كونغ وأمينًا لصندوق الدفاع عن العدالة في هونغ كونغ.

© The Independent

المزيد من آراء