إحصاءات جديدة من "المركزي القطري" تظهر استمرار شح سيولة النقد

تحسن طفيف في الناتج المحلي وسط إصدار أدوات دين محلية بـ4.4 مليار دولار في يونيو الماضي


يطغى توجه الاقتراض الداخلي والخارجي على السياسة المالية للحكومة القطرية بغرض توفير التمويل لمشروعاتها (رويترز)

على الرغم من المؤشرات الإيجابية التي أعلنها جهاز التخطيط والإحصاء في قطر أخيرا حول الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، والذي ارتفع 0.9% على أساس سنوي في الربع الأول من 2019، إلا أن أزمة السيولة ما زالت تتفاقم في القنوات الاقتصادية داخل الدوحة، حيث يطغى توجه الاقتراض الداخلي والخارجي على السياسة المالية للحكومة القطرية، بغرض توفير التمويل اللازم لسداد العجز والوفاء بالتزامات الاستحقاقات المالية، حيث أصدر مصرف قطر المركزي أدوات دين حكومية بقيمة 15.9 مليار ريال (4.4 مليار دولار) خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي.

انخفاض مستوى السيولة

وتتزامن الإصدارات مع مرور عامين على مقاطعة الرباعي العربي للدوحة، والتي كان لها بالغ الأثر على الاقتصاد القطري، من أبرزها انخفاض مستويات السيولة المصرفية وشحها، وارتفاع معدلات الدين المحلي والخارجي. إلا أن الدوحة تصرّ على تجاوزها المرحلة الصعبة وعودة اقتصادها إلى الانتعاش من جديد. وأظهرت بيانات نشرت أخيرا "أن احتياطيات قطر الدولية والسيولة من العملة الصعبة قد سجلت تراجعا حادا بعد فرض العقوبات".

ويقول مصرفيون إن "ذلك قد يرجع لضخ سيولة من جانب صندوق الثورة السيادي الذي يمتلك أموالا كافية لدعم ميزان المدفوعات لسنوات".

وفي 5 يونيو (حزيران) 2017، أعلنت أربع دول عربية (السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر) مقاطعة الدوحة إثر اتّهامات للأخيرة بدعم جماعات إرهابية والعمل على زعزعة استقرار الدول الأربع المقاطِعة، وهي التهم التي تنفيها قطر، الدولة الخليجية الصغيرة والغنية بالغاز، فيما تردّ الدوحة بأن المقاطعة ما "هي إلا محاولة للتأثير على قرارها السياديّ". وترتّب على المقاطعة آثار سلبية اقتصاديّاً وسياسيّاً على الدوحة، إضافة إلى حظر النقل الجوي والبري مع هذه الدول.

أعلى إصدارات منذ بداية 2019

وتعد قيمة الإصدارات هي الأعلى محلياً خلال العام الحالي في ظل ضغوط مالية تواجه الدوحة مع اقتراب تنظيم كأس العالم 2022. وحسب بيانات المركزي، توزعت الإصدارات إلى سندات خزانة بقيمة 13.3 مليار ريال (مليار دولار أميركي) على شريحتين، ليرتفع رصيد السندات المدين القائم على الحكومة لنحو 74.275 مليار ريال (20.6 مليار دولار أميركي)، ويعد هذا الإصدار الثاني خلال العام الحالي.

وأوضح المركزي القطري أن الشريحة الأولى للسندات بلغت 6.5 مليار ريال لأجل 5 سنوات، فيما بلغت الشريحة الثانية نحو 6.8 مليار ريال لأجل 10 سنوات. بجانب ذلك طرح "المركزي" صكوكا إسلامية بقيمة ملياري ريال موزعة على إصدارين لأجل 5 و10 سنوات وبقيمة مليار ريال لكل إصدار، ليرتفع معها الرصيد القائم للصكوك الحكومية التي بدأ إصدارها في 2014 لنحو 44 مليار ريال (12.2 مليار دولار).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يكتفِ "المركزي" بذلك، بل طرح مطلع الشهر الماضي أذونات خزينة بقيمة إجمالية 600 مليون ريال موزعة على ثلاثة إصدارات، الأول بقيمة 300 مليون ريال لأجل 3 أشهر، والثاني بقيمة 200 مليون ريال لأجل 6 أشهر، والثالث بقيمة 100 مليون ريال لأجل 9 أشهر، وبلغت الفائدة 2.24% و2.33% و2.34% على الترتيب.

وبعد الإصدارات الثلاثة، زاد الرصيد القائم من الأذون الحكومية لنحو 2.9 مليار ريال بنهاية يونيو (حزيران) الماضي، فيما ارتفع الرصيد القائم لإجمالي إصدارات الدين المحلي في قطر لنحو 121.2 مليار ريال (33.7 مليار دولار) على الحكومة مطلوب سدادها خلال الفترة من الآن وتمتد حتى 10 سنوات.

وحسب رصد سابق لـ"إندبندنت عربية"، ارتفعت قيمة أدوات الدين الحكومية المصدرة محلياً خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة 164% لتسجل 10.7 مليار ريال (2.9 مليار دولار)، مقابل 4.05 مليار ريال (1.12 مليار دولار) في الربع المماثل من 2018. ودفعت أزمة السيولة الأجنبية في قطر إلى لجوء الحكومة إلى الأسواق العالمية على مدار عامين (2018 و2019)، وأصدرت سندات بإجمالي 24 مليار دولار، مقسمة إلى 12 مليار دولار في كل عام.

وفي اتصال مع خبراء ومسؤولين في قطر للتعليق، لم يتم التجاوب حتى لحظة النشر، كما تم الاتصال بمصادر اقتصادية قطرية للتعليق على التقرير إلا أنهم لم يتجاوبوا مع الاتصال.

ارتفاع الدين

وحسب بيانات البنك المركزي القطري، ونتيجة للتوسع بالاقتراض الأجنبي، ارتفع الدين الخارجي للبلاد إلى 156.4 مليار ريال (43.5 مليار دولار) بنهاية 2018، مقارنة بنحو 114.24 مليار ريال (31.7 مليار دولار) في العام 2017، بزيادة 37%.

ويقول محللون مصرفيون إن الإصدارات المكثفة تأتي في ظل الضغوط المالية التي تواجه الدوحة للوفاء بالتزاماتها السريعة لتمويل مشروعات كأس العالم 2022، ولسدّ عجز الموازنة من ناحية، وسداد استحقاقات مالية إزاء إصدارات دين سابقة تعجز الميزانية على الرغم من تحقيقها فائض سدادها.

وتظهر بيانات رسمية أن تحسّن السيولة الأجنبية لدى البنوك القطرية لم يكن بالقدر الكافي الذي يلبي تطلعات النظام القطري في توفير التمويلات اللازمة للمشروعات الكبرى بالبلاد، إلا أن احتياطيات الدوحة الكبيرة تُؤمِّن جزءاً من الاحتياجات المطلوبة للوفاء بالالتزامات الضرورية.

استنزاف النقد الأجنبي

وزاد من معدل استنزاف النقد الأجنبي من البنوك القطرية حرص النظام على الحفاظ على قيمة الريال، بخاصة بعد تراجعه فور إعلان مقاطعة الرباعي العربي لقطر في يونيو (حزيران) من العام 2017، وهروب الاستثمارات من قطر إلى أسواق أكثر استقراراً.

وبحسب تقرير لوكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، فقد ضخّت قطر نحو 38.5 مليار دولار من احتياطياتها البالغة نحو 340 مليار دولار في الاقتصاد لامتصاص أثر المقاطعة العربية. كما أودع جهاز قطر للاستثمار، وهو صندوق الثروة السيادي لقطر، مليارات الدولارات في البنوك القطرية للحيلولة دون معاناة تلك البنوك من نقص في التمويل، بعدما سحبت بنوك أجنبية ودائع وقروضا من قطر بعد إعلان المقاطعة الرباعية العربية.

وفي مارس (آذار) 2018، أظهر تقرير رسمي لصندوق النقد الدولي تخارج نحو 40 مليار دولار على شكل ودائع لمقيمين وأجانب واستثمارات من البنوك العاملة في السوق القطرية، منذ قرار المقاطعة، إلا أن تدخّل القطاع الحكومي أسهم في تخفيف الأثر والحفاظ على استقرار النظام المصرفي للبلد الغني بالغاز.

انكماش قطاع التشييد

وانكمش قطاع التشييد في قطر خلال الربع الأول من العام الحالي بمعدل 1.2%، وذلك للمرة الأولى منذ بدء صدور بيانات قطاع التشييد القطري، بحسب بيانات حديثة لهيئة التخطيط والإحصاء القطرية.

ووفقا لوكالة "بلومبيرغ" الأميركية، فإن انكماش قطاع التشييد بدأ يؤثر سلبا في أداء الاقتصاد القطري ككل، إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي لقطر من دون حساب النفط والغاز نموا بأقل من 2% خلال الأشهر الستة المنصرمة.

وبحسب بيانات الهيئة، فإن قطاع التشييد سجل نمواً سنوياً بمتوسط 18% منذ نهاية 2012 مدعوماً بالإنفاق الحكومي على مشروعات البنية التحتية لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022، البالغ كلفتها 200 مليار دولار.