Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إرث من جنس وفساد وفضائح: تلك هي بريطانيا اليوم

نادراً ما كان العمل السياسي في المملكة المتحدة مختلاً كما يحدث في الوقت الراهن

السياسي البريطاني كير ستارمر يتهم الحكومة بالفساد  (رويترز)

عراك بالأيدي في قاعة البرلمان. فضائح جنسية يشترك فيها زعماء شعبويون. باب دوار لخروج ودخول الحكومات غير المستقرة. هذه هي الصورة النمطية التي عادة ما تميز السياسة الإيطالية. لكنها أيضاً دليل على المستوى المتدني الذي انحدرت إليه المملكة المتحدة إلى درجة أن مجلة "ذا إيكونوميست" The Economist  ابتكرت عبارة جديدة هي "بريتالي" Britaly لوصف حقيقة الأوضاع التي وصلت إليها الأمور في بريطانيا.

بالنسبة إلى من يتابعون السياسة البريطانية عن قرب من بيننا، كان العام الماضي عاماً أليماً بالنسبة إلى من يتابعه. إذا تعلق الأمر بالفساد، أو بالفضائح في ظل حكومة بوريس جونسون ــ أو مسألة عدم الكفاءة والفوضى التي برزت خلال عهد حكومة ليز تراس ــ فالسياسة في المملكة المتحدة نادراً ما كانت على هذا المستوى من الاختلال.

بعد تولي ريشي سوناك كرسي رئاسة الحكومة، يمكن أن يكون من السهل أن نعتبر أن ما سبق مجرد مرحلة شاذة في تاريخ بريطانيا. لكن هذه الانقسامات السياسية ليست مجرد اضطرابات موقتة. فالأفعال الفاضحة تتوالى باستمرار، وآخرها ما ارتكبه كل من الوزير في الحكومة غافين وليامسون، ووزيرة [الداخلية] سويللا برايفرمان. وكل ذلك يؤشر على أن العمل السياسي البريطاني قد بات مكسوراً، وهو ما يترك ندوباً عميقة ودائمة.

استطلاعات جديدة للرأي أجراها معهد أبحاث السياسات العامة IPPR، أظهرت أن اثنين من بين كل ثلاثة ناخبين بريطانيين يقولون حالياً إن السياسيين في المملكة المتحدة هدفهم "خدمة مصالحهم الخاصة" بدلاً من خدمة "مصالح البلاد". والأكثر من ذلك، إن هذا الشعور لطالما كان نادراً للغاية في الحيز السياسي البريطاني، وهو شعور يجمع عليه من يؤيدون حزب المحافظين وحرب العمال على حد سواء، والمؤيدون للخروج من الاتحاد الأوروبي، كما يؤيده المطالبون ببقاء المملكة المتحدة في أوروبا.

وما يثير القلق أكثر من مستوى الثقة المتراجع في السياسة البريطانية هو سرعة هذا التحول الذي يتطور. معهد أبحاث السياسات العامة سأل في استطلاعاته السؤال نفسه للناخبين العام الماضي. ومنذ استطلاع العام الماضي تراجعت النسبة بتسعة نقاط مئوية. وللمقارنة، فلقد تطلب الأمر حوالي سبع سنوات قبل تحقيق نسبة تراجع مماثلة وحوالي 42 عاماً لتحقيق النسبة المسجلة قبل ذلك.

ولماذا يعتبر هذا الأمر مهماً؟

هناك سببان لذلك. الأول هو أن تراجع عامل الثقة من شانه إلحاق الضرر بالديمقراطية البريطانية. وفيما تتهاوى الثقة، يتراجع عدد من يقومون بالخروج للتصويت في أيام الانتخابات (خصوصا الأشخاص من الشرائح التي لا تتمتع بتمثيل كبير في الأصل). كما يؤدي ذلك إلى زيادة الإنقسامات السياسية واتساعها، كما يؤدي إلى زيادة حجم التأييد للأحزاب السياسية الشعبوية وزعمائها.  

السبب الثاني هو أن السياسيين يواجهون بعد ذلك صعوبة في إدارة البلاد. فهم سيعانون حينها من أجل الفوز بإجماع داخل أجنحة الحزب الواحد وبين الأحزاب. وهكذا تصبح الحكومات أقل استقراراً، وتصبح عملية تغيير القيادة واستبدالها أمراً معتاداً. وهكذا يفقد السياسيون شرعيتهم وقدرتهم على إنفاذ سلطة الدولة. باختصار، يصبح الأمر أكثر صعوبة في قدرة السياسيين على معالجة القضايا الكبرى والتي تحتاج لتدخل حكومي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كل ذلك يعني أن علينا أن نأخذ عملية انهيار الثقة بكل جدية. إن الحل الذي يقترحه حزب المحافظين لعلاج مثل تلك المشكلة بسيط للغاية، تغيير القائد في أعلى هرم السلطة كي يحقق الاستقرار [أو يعيده]. ربما ذلك قد نجح في تهدئة الأسواق المالية. ولكن ذلك لا يمكنه أن يلغي الآثار العميقة التي ألحقتها "فوضى العام الماضي" بمكانة السياسة في المملكة المتحدة.

خطة حزب العمال في هذا المجال مشابهة في طبيعتها، حيث يدعو الحزب [المعارض] إلى إجراء انتخابات عامة وإيصال حكومة تابعة للعمال إلى السلطة. فيما أننا بالطبع نحتاج إلى إجراء الانتخابات لمعالجة "الفجوة في الشرعية"، ريشي سوناك هو رئيس الوزراء الثاني الذي يتولى المنصب من دون حصوله على تفويض من الناخبين في البلاد ــ إن تغيير هوية الحزب الحاكم لن يعالج المشكلة بشكل تلقائي أيضاً.

إن الثقة في السياسة هي في طور التراجع منذ عقود ــ فوجه جديد أو حزب جديد يتولى السلطة وحده لن يغير شيئاً. إن الأدلة تشير بدلاً من ذلك أنه على السياسيين البريطانيين أن يسعوا لتنفيذ خطوات أكثر جرأة مثل الدعوة لتحقيق تغيير عميق في كيفية عمل الحيز السياسي في البلاد لمصلحة منح المواطن حجم تأثير أكبر في المجتمع. 

أربعة من أصل كل خمسة أشخاص في بريطانيا يقولون إن السياسيين يفهمون بشكل ضعيف حياتهم. وستة في المئة فقط من الناس قالوا إن الناخبين لديهم قوة تأثير أساسية على السياسات العامة ــ مقارنة بقول واحد من كل شخصين [استطلعت آراءهم] أن المتبرعين للأحزاب السياسية، وقطاع الأعمال، وجماعات الضغط لديهم التأثير الأقوى. لنقولها بشكل مبسط: الكثير من الأشخاص يشعرون أنهم غير ممثلين وأن أصواتهم [ومطالبهم] غير مسموعة.

إذا أردنا أن يتحسن مستوى الثقة بالسياسة في بريطانيا، فإنه يتوجب علينا أن "نعطي حق السيطرة على السياسة" فعلياً للناخبين.

وهذا من شأنه أن يعني أنه علينا أن نعمل على نقل أكبر للسلطات إلى المناطق والمواطنين أنفسهم. ربما يتخذ ذلك شكلاً من أشكال منح سلطات أكبر لرؤساء بلديات منتخبين، وأيضاً عبر استخدام أساليب ديمقراطية مبتكرة مثل تشكيل مجالس للمواطنين، وميزانيات يشارك في إعدادها الناخبين بشكل مباشر، ويكون لديهم قدرة على التأثير في كيفية صرف الحكومة لأموال الدولة. 

لكن في نظامنا الديمقراطي المبني على أساس أن يقوم نواب عن الشعب بتمثيل مصالحه ـ وواجبهم أن يفعلوا ذلك ــ وأن يكون لهم دور كبير في صناعة القرار السياسي. وكي ينجح ذلك، أظهرت الدراسات التي أجراها معهد أبحاث السياسات العامة IPPR، أنه علينا أن نبدأ في إعادة بناء الثقة في من يمثلونا من خلال التأكد بأنهم يشبهون الشعب الذي يمثلونه وأنهم يتحدثون بلهجته، وليس لمجرد أنهم من جنسه أو عرقه، ولكن أيضاً أن يكونوا من طبقات الشعب الاجتماعية كافة.

إن فهم أسباب تراجع منسوب الثقة وتراجعها في السياسة هو الشيء الصحيح الذي علينا القيام به. وهذا أمر لن يكون تحقيقه سهلاً. من السهولة بقدر خسارة الثقة، أما عملية بنائها فصعبة للغاية. لكن جائزة كبرى قد تنتظر الحزب السياسي الذي يقبل بمثل ذلك التحدي. لأن الحزب الذي قد يتمكن من إقناع الناخبين بأن السياسة من شأنها تحسين حياتهم ــ وأن يتمكن من تحقيق ذلك بالفعل ــ لا بد وأنه سيسيطر على الساحة السياسية في بلادنا للعقد المقبل من الزمن.

هاري كويلتر- بينر هو مدير الأبحاث والتواصل في معهد أبحاث السياسات العامة IPPR

© The Independent

المزيد من آراء