Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وباء وكوارث وحروب... أي نوع من الحكومات يحتاج العالم؟

الأزمات تزعزع ثقة الجماهير في سياسات الحكومة وأخطاء الاتصال بين الطرفين عواقبها فادحة لكن يمكن تجنبها

جانب من فعاليات "منتدى الاتصال الحكومي" الذي نظمه المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة بالإمارات (اندبندنت عربية)

أوضاع سياسية متقلبة وأحوال اقتصادية قاسية وصراعات دولية متواترة وظروف مناخية تهدد الجميع، ولا يوجد ما يجمع بين كل ما سبق إلا الاتصال الحكومي بالمواطنين. فإن صلح الاتصال صلح حال الجميع، وإن شابته أخطاء أو خالجته مشكلات انعكس ذلك على الجميع سلباً على الرغم من أن الجميع لم يعد يملك رفاهية الخطأ.

رفاهية الخطأ أو بالأحرى فداحة حدوث خطأ في الاتصال الحكومي بالشعوب أمر يمكن تجنبه، لا سيما في ظل الظروف غير الطبيعية التي يمر بها الكوكب هذه الآونة.

"منتدى الاتصال الحكومي" الذي نظمه المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة يومي 28 و29 سبتمبر (أيلول) الحالي وجد نفسه هذا العام أمام تحالف تحديات عدة لم يسبق أن اجتمعت متزامنة وبهذه الكثافة والتواتر من قبل. حرب روسيا في أوكرانيا وأزمة الحبوب وسلاسل التوزيع والوقود والتحولات السياسية والاستراتيجية الآخذة في التحول والتقلب بشكل متسارع وأزمة اقتصادية متعددة الأبعاد تضرب أغلب دول العالم وشيوع غير مسبوق لأخبار غير موثقة تعتري أثير الإنترنت وأزمة مناخ لم تعد مجرد خطر يلوح في الأفق، بل أخطار تدق الأبواب بعنف وضراوة.

لكن التحديات تدق باب الأرض منذ بدء الخليقة، ولم يحدث أن تفتت الأرض أو انتهت الخليقة. والسر في التحديات الراهنة يكمن في كيفية مواجهتها والتعامل معها. ولي العهد نائب حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي قال إن التحديات ستظل موجودة والأهم هو إيجاد الحلول، مشيراً إلى أنه "لكل زمان تحدياته الخاصة، فالعالم يتعرض تارة لزلازل مدمرة، وأوبئة قاتلة، وحروب تحصد الأرواح، في حين تزداد صراعاتنا على الماء، ونتقاتل حتى يهلكنا الجوع، وتسبب ذلك كله في انهيار دول وسقوط حكومات، لكن على الرغم من كل ذلك، لم ينته العالم ولم تنقرض البشرية.

مصائب الدهر

الشعور العام للغالبية هو أن مصائب الدهر تكالبت على رؤوس الجميع في العامين الماضيين، وهذا ما أشار إليه بقوله إن "بعضهم ظن أن جائحة كورونا ستقضي على البشرية، وأن الحرب الروسية - الأوكرانية ستقسم العالم إلى جزأين، وأن طبول الحرب العالمية الثالثة قرعت، وظن آخرون أن انقطاع إمدادات القمح سيؤدي إلى مجاعة جديدة، وأن الغاز المصحوب بالدفء سينقطع عن قارة بأكملها، لكن ذلك كله لم يحصل".

وهنا تكمن أهمية الاتصال الذي هو "الشعرة الفاصلة بين الاستقرار والاضطراب بين الخلاف والاتفاق وبين الشعور بالأمن وهيمنة الارتباك وبين ما نحن عليه الآن وما نطمح أن نكون عليه غداً".

الآن وغداً ستظل هناك حكومات وسيظل هناك شعوب. وستظل هناك توقعات، بل التزامات بأن تتواصل الحكومات مع الشعوب. الحكومات أشكال وأنواع: حكومات مفتوحة وأخرى ديمقراطية وثالثة متفاعلة والقائمة تطول. وكذلك الشعوب تختلف باختلاف الثقافات والظروف التاريخية والاقتصادية والاجتماعية، لكن يبقى الانفتاح الحكومي على الشعب وعلى العالم والقدرة على الحوار والتواصل عبر مختلف المنصات وبوسائل مستدامة وفعالة توحد الجميع. الاتصال يكاد يكون الشرط الوحيد الذي ينبغي توافره في كل مؤسسة وجهة حكومية. وجود الاتصال أساس إدماج المجتمع في مساعي التنمية، وغيابه خطر مشترط للجميع، لا سيما في ظل انفتاح العالم على بعضه البعض. فإتاحة المعلومات ومنصات التعبير وتناقل الأخبار والمعلومات لم تعد اختياراً، بل هي أمر واقع.

الحكومات التي تحتاج إليها شعوب العالم لها معالم واضحة على الرغم من اختلاف مكوناتها وتوجهاتها. رئيسة وزراء كندا السابقة كيم كامبل حين تحدثت عن "أي نوع من الحكومات يحتاج العالم؟" قالت إنها "الحكومات الفاعلة القادرة على حل المشكلات وحشد المواطنين تجاه المخرجات والسياسات، هي تلك الحكومات القادرة على إحداث التغيير الإيجابي المنشود وتعزيز الروابط بين المجتمعات، مع شرط ألا تنعزل الحكومات عن محيطها العالمي".

لم يعد الانعزال ممكناً

لم يعد الانعزال ممكناً. الثورة الرقمية حولت العالم إلى "قرية صغيرة" فعلياً. هو واقع –حلوه بمره- وهو يعني أن التواصل الثقافي كذلك وتبادل الخبرات المؤسسة لفهم الآخر أصبحت ضرورات حتمية في ظل اتصال مشارق الأرض بمغاربها وتداخل الثقافات والأمل في تعايشها لا تناحرها.

وزير التسامح والتعايش في الإمارات الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان في إطار حديثه عن الثقافات المتوازنة والعلاقات المتكافئة قال إن هذا التوازن يجب ألا يكون نظرياً فقط، بل ينبغي أن يتحول إلى مشروعات ومبادرات اجتماعية واقتصادية وبرامج تطوع، مشيراً إلى أن "الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالعلاقات بين الأمم والشعوب يمكن أن يكون لها قيمة اقتصادية تسمح بتنمية الاستثمارات المشتركة وتشجع الابتكار المفيد على كل المستويات".

على كل المستويات خسر العالم كثيراً بسبب عامين من هيمنة وباء كورونا، لكنه تعلم كثيراً أيضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الرئيس السابق لمجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم يقول إن في إمكان العالم تجاوز تحديات الأزمات الكبرى من خلال الجهوزية ودعم الدول النامية، حيث فشلت التكنولوجيات بالغة التطور في وقاية الدول الفقيرة آثار جائحة "كوفيد-19".

أول الدروس المستفادة من الوباء هو فهم المزاج العام ومعرفة مواطن القوة في شعب ما، وهذا الفهم -كما يقول يونغ- يتيح لمن هم في المراكز القيادية وضع السياسات الصحيحة واستشراف الإمكانات، مع الوضع في الاعتبار أن طموحات الشعوب في حال تغير مستمر وارتفاع لا يتوقف. ويضيف "استمرار ارتفاع الطموحات يحتم توافر سبل تحقيقها، حيث بنى تحتية متطورة وقطاعات صحية وتعليمية للجميع مع حماية الفقراء كعنصر رئيس في أية قرارات تتخذها الدول.

اللافت هو أن طبيعة علاقات قادة الدول، لا سيما الدول الكبرى، ببعضهم بعضاً تؤثر على ما يجري في العالم بشكل كبير. يقول يونغ إنه من خلال عشرات قمم "السبع" و"العشرين" التي حضرها، يمكنه القول إن قادة الدول الكبرى حين يتآلفون وتجمعهم حوارات حقيقية تظهر الآثار واضحة على سياساتهم التي تؤثر على بقية العالم إيجاباً. وعلى النقيض من ذلك، فإن نتيجة انتخابات واحدة في دولة ما أيضاً قادرة على إلقاء ظلالها على بقية العالم أيضاً، ولكن في الاتجاه المضاد.

عكس الصالح العام

الاتجاه المضاد للصالح العام للكوكب يشير إلى أن الفقر هو أكبر العوائق أمام التنمية، ويونغ يقر بأن تحقيق هدف الألفية القضاء على الفقر بقدوم عام 2030 لم يعد في الإمكان، "وهذا ما يقلق مضجعه ليلاً".

ويشير يونغ إلى أنه ولد في كوريا في عام 1959 وقت كانت البلاد تعاني فقراً شديداً. ولم تحصل كوريا على قرضها الأول من خلال البنك الدولي حتى عام 1962، لكن أحداً لم يكن على علم بما يحدث خارج البلاد وكيف يعيش الناس في دول أخرى. يقول "اليوم وبينما الجميع يحمل هاتفاً ذكياً بين يديه، والجميع على علم بما يجري وكيف يعيش الناس في بقية دول العالم، فإن سقف الطموحات آخذ في الارتفاع، ولو لم يتم أخذ هذه السقف في الحسبان من قبل الحكومات فسيكون هناك "ميدان تحرير" في كل مكان.

الرئيس التنفيذي لـ"فوربس ميديا" مالكوم ستيفنسون فوربس يرى أن حكومات عدة تعاملت بطريقة خاطئة في الأوقات الخاطئة. يقول "للأسف لم تتعامل حكومات كثيرة بالقدر نفسه من الحكمة التي تعامل بها يوسف (عليه السلام) في السنوات السبع العجاف. فهناك حكومات لجأت إلى سياسات تقوم على زيادة الضرائب ورفع الفائدة وتخفيض قيمة العملة لكبح التضخم، متناسية أن هذا قد يؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي قوي. هذا ليس الوقت المناسب لتعويم عملات وإلغاء الدعم الموجه للفئات الأكثر احتياجاً. على الحكومات أن تكون أكثر حصافة في فهم ما يجري حولها".

فوربس وجد في الإمارات نموذجاً جيداً في التعامل الذكي مع الأوضاع الاقتصادية العالمية الصعبة في زمن الأزمات. قال "وجدت الإمارات لنفسها مسلكاً مختلفاً عن التوجه العالمي، فعلى الرغم من ارتباط عملتها بالدولار الأميركي وما يعنيه ذلك من اقتفاء لأثر السياسة النقدية الأميركية حال رفع الفائدة أو خفضها، إلا أنها تمكنت بالتوجيه السليم للفوائض النقدية ودعم النظام المصرفي وتنويع أسواق التوريد من تجاوز التبعات الاقتصادية للتضخم بنسبة كبيرة".

وعلى الرغم من الكم الهائل من المشكلات الاقتصادية التي تعصف بدول عدة في العالم، فإن فوربس يؤكد ضرورة التزام الحكومات بالشفافية والصدق في التواصل مع الجماهير، داعياً إياها إلى عدم تقديم وعود غير قابلة للتنفيذ، وامتلاك الجرأة لطرح الأسئلة الصعبة والعميقة والإجابة عنها بموضوعية لنيل ثقة الشعوب.

عن الأخبار السيئة

في شأن صعوبة إخبار الشعوب بالأخبار السيئة لا سيما حين يتعلق الأمر بالاقتصاد، يقول فوربس لـ"اندبندنت عربية"، "يجب على الحكومات أن تخبر شعوبها عن سبب سوء الأخبار وتشرح لهم بشكل واضح ما تنوي اتخاذه من خطوات حيالها. مثلاً سريلانكا دمرت قطاعها الزراعي قبل سنوات حين منعت استخدام الأسمدة. عليهم أن يشرحوا أنه تم التراجع عن هذه السياسة، وأنهم وصلوا مرحلة ما فوق المديونية وأنهم سيتفاوضون في شأن هذه المديونية. وعلى الحكومات أيضاً أن تأخذ في الاعتبار أثناء الاتصال بالجماهير وقت الأزمات أن تتعامل مع الأوضاع الآنية، حيث الأولوية هي إخبار الناس كيف يؤمنون وجبة اليوم وليس وجبة الغد".

لكن ماذا عن الأخبار الاقتصادية السيئة في الأوقات بالغة الصعوبة؟ يجيب فوربس "هذه هو مربط الفرس. صندوق النقد الدولي يخبرنا أن الدعم المقدم للفئات الأكثر احتياجاً ليست بالأمر الجيد اقتصادياً، وهذا صحيح، لكن التوقيت الذي نتعامل فيه مع هذا الأمر غير الجيد بالغ الأهمية والخطورة. لا تنزع عن المريض الأجهزة الطبية التي تبقيه على قيد الحياة أثناء الأزمة. الخطوات التي اتخذت في باكستان ومصر مثلاً نموذج على ما أقول".

ماذا تفعل الحكومات إذاً؟ يرى فوربس أن "التوقيت كلمة السر. التعويم وإلغاء الدعم وغيرهما، خطوات اقتصادية مهمة، لكت التوقيت يمكن أن يكون قاتلاً. مصر مثلاً دولة يجب أن تكون في طريقها إلى كامل الازدهار. تعدادها ومواردها وإمكاناتها وثقافتها تؤهلها لأن تكون في مكانة أفضل مما هي عليه بكثير، لكن المشكلة أنه يتم إعطاؤهم الروشتة الخاطئة. التعويم في الوقت الخاطئ هو أسرع الطرق للتضخم"، لكن حين يكون هناك أزمة ثقة تاريخية بين الحكومات والشعوب، فإن فوربس يوضح أن "على الحكومات أن تسلك المسارات الصحيحة: ضرائب أقل، عملة محلية مستقرة، توفير بيئة مناسبة تدعم المواطنين على بدء مشروعات بطريقة قانونية لأنه كلما كثرت الخطوات البيروقراطية والتصاريح زاد الفساد وتفاقم. نيوزيلندا وإستونيا توفران بيئة مثالية لبدء المشروعات، حيث يمكن لأي شخص بدء مشروعه بدقات زر بسيطة، لكن المشكلة أن دولاً أخرى مؤهلة لأن تحزر تقدمات اقتصادية جبارة يتم إعطاؤها وصفات اقتصادية خاطئة فتسوء حالتها".

التعطش للمعلومات

الجمهور بطبعه متعطش للمعلومات، لا سيما تلك التي تمس تفاصيل حياته اليومية، وحين تقوم الحكومات بدورها في توصيل المعلومة وشرح السياسات، لا سيما الاقتصادية التي تمس حياة المواطنين وتقديم التوقعات المبنية على حسابات لا أمنيات، فإن احتمالات نجاح ما تتخذه من سياسات اقتصادية غالباً تكون أوفر.

نائب وزير المالية لشؤون الخزانة العامة المصري إيهاب أبو عيش يقر بأن المواطن في حاجة إلى رؤية جهود حقيقية تبذل في الواقع وليس تصريحات فقط، مشيراً إلى أن نجاح السياسات الاقتصادية وثيق الصلة بدرجة استجابة المجتمع لها، وهو ما يعني وجود حاجة مستمرة للحكومات لتقييم برامجها وتعزيز ثقة المواطن.

تعزيز ثقة المواطن في الحكومة يسميه الدبلوماسي السابق والكاتب شاشي ثارور "إشهار شرعية للحكومة"، وهي الشرعية التي تعززها أو تضعفها سياسات وتحركات الحكومة في التعامل وقت الأزمات. وفي حال حدوث أخطاء، وهو أمر وارد كما حدث في التعامل مع جائحة "كوفيد-19" وفي الأزمات الاقتصادية الحالية، فإن ثارور يرى في "تعلمنا الدروس للتخفيف من التأثيرات المرات المقبلة" الحل الوحيد، شرط أن يكون الإقرار بالخطأ حقيقياً ونية الإصلاح صادقة.

هذا ما عبر عنه وكيل وزارة المالية في حكومة الإمارات يونس الخوري بقوله "إن العالم يعيد تكرار أزماته حتى بعد سنوات، لكن العبرة تبقى في كيفية الاستفادة من التجارب السابقة لتخطي التحدي"، مشيراً إلى أن وزارة المالية الإماراتية وضعت بالتعاون مع صندوق النقد الدولي مشروع "المخاطر المالية"، الهادف إلى التعامل مع التحديات الاقتصادية الناشئة عن الأزمات المالية في مهدها وتحييد مخاطرها في وقت مبكر، وهو ما أثبت نجاحاً كبيراً.

النجاح المنشود في الاتصال الحكومي بالشعوب يسهل قياسه في أوقات الأزمات، لكن اجتياز الأزمات التي تتطيح العالم بفعل اعتياد الأزمة يختلف عن اجتيازها باعتياد أجواء الأزمة.

"منتدى الاتصال الحكومي" يؤكد حقيقة أن الأزمات تؤثر سلباً على الحالة المعنوية للجمهور. وحين تكون الأزمة عميقة وتخلف آثاراً كثيرة خلفها، غالباً تتزعزع ثقة الجمهور في الحكومة وسياساتها، وهو ما قد يتسبب في اضطرابات أو خلل في العلاقة بين الجمهور والحكومة، أو كليهما.

ويخلط البعض بين احتواء الأزمة والتكيف معها. فاحتواؤها يعني السيطرة عليها واستعادة زمام الأمور. وينجم عن هذا تحفيز الروح المعنوية للجمهور وسهولة أخبارها بدورها في إحداث النهضة، وهو ما يعمق الصلة ويزيد الثقة بين الحكومة والجمهور.

أما التكيف فقد يكون مرحلة من مراحل الاحتواء، فيتم وضع الخطط والاستراتيجيات لاحتواء الأزمة وتجاوز آثارها، لكن يبقى على إدارات الاتصال الحكومي أن تضغ الخط الفاصل بين التكيف والاحتواء.

الاتصال الحكومي في زمن الاختبارات الكبرى والأزمات العظمى ليس رفاهية أو مسألة قابلة للنقاش أو التفاوض. الاتصال الحكومي المواكب للعصر الرقمي والمستشرف لروح الأزمة والمتابع للمزاج العام لم يعد اختياراً، بل فرض لمن ينوي النجاة.