صندوق النقد يحذر مصرف لبنان من شراء السندات

توقعت المؤسسة الدولية أن تؤدي تدابير الميزانية لعام 2019 إلى خفض العجز المالي إلى نحو 9.75 في المئة

رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري يترأس لجنة وزارية في 3 يوليو (دالاتي ونهرا)

لم تنتظر بعثة صندوق النقد الدولي إلى لبنان ضمن مهمة "المادة الرابعة" وصولها إلى واشنطن لتقديم تقريرها إلى مجلس المديرين، حتى نشرت التقرير، بعد حصولها على موافقة السلطات اللبنانية، التي كانت تمنعت عن نشر التقرير الخاص بالعام الماضي. وجاء نشر التقرير بعد ساعات قليلة على لقاء وزير المال علي حسن خليل وبعثة الصندوق برئاسة كريس جارفيس، حيث جرى عرض لخلاصة اللقاءات التي عقدتها البعثة مع الوزارات والإدارات المختلفة. كما جرى استكمال إنجاز التقرير حول وضع لبنان الاقتصادي والمالي.

وقد فاجأ التقرير بالتحذيرات التي وجهها إلى مصرف لبنان من شراء سندات الخزينة المخفضة الفائدة بعدما امتنعت المصارف عن شرائها، والتي لم يتمكن لبنان من طرحها في الأسواق العالمية. وعزت مصادر مالية هذا الإنذار المبكر من قبل الصندوق للحؤول دون قيام المصرف المركزي بأي خطوة في هذا الشأن لما سيكون لها من تداعيات خطيرة على ميزانية المصرف المركزي، لأنها ستؤدي إلى تدهورها وتقويض صدقية المصرف. ودعا المركزي إلى التراجع عن شراء السندات وأن يدع السوق تحدد العائد على أدوات الدين الحكومية. ويجب ألا يكون هناك أي ضغط على المصارف الخاصة لشراء الديون منخفضة الفائدة بدلاً من ذلك. يجب أن يختزل المركزي عملياته المالية تدريجاً بمجرد أن تسمح التصحيح المالي والانخفاض اللاحق في العائدات التي يطلبها المستثمرون.

وتوقع الصندوق أن تؤدي تدابير ميزانية لبنان لعام 2019 إلى خفض العجز المالي إلى نحو 9.75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً أنه من المهم أن يبدأ لبنان عملية تعديل مالي وإصلاحات هيكلية كبيرة لاحتواء الدين العام وزيادة النمو.

ورأى أن التنفيذ القوي لجهود الحكومة للتصحيح المالي في 2019-2020 والإصلاحات الهيكلية المزمعة يمكن أن يعززا الثقة ويشجعا المانحين على صرف الأموال. ولفت إلى أن المخاطر وأوجه الضعف ما زالت قائمة بالنسبة إلى لبنان وعدم تحقيق الأهداف وإحراز تقدم في الإصلاحات قد يؤديان إلى تآكل الثقة.

ولم يستبعد الصندوق بناء على المعلومات الحالية أن يتجاوز العجز المتوقع بكثير المستوى المستهدف الذي أعلنته السلطات في لبنان والمقدر بـ7.59 في المئة.

وأوصى الصندوق بتنفيذ خطة الكهرباء بشكل سريع ومن دون تأخير لإلغاء عائق أساسي أمام تنفيذ الأعمال والاستثمارات. ودعا إلى إلغاء تدريجي لدعم الكهرباء لتأمين وفر في الخزينة.

وأكد ضرورة مضي لبنان بزيادة الضريبة على القيمة المضافة وزيادة الرسوم على المحروقات والعمل على زيادة الجباية والتحصيل في مرافق الدولة.

وتنشر "اندبندنت عربية" أبرز ما جاء في التقرير وفيه أنه "لدى الحكومة الجديدة فرصة لتنفيذ إصلاحات أساسية لإعادة التوازن إلى الاقتصاد اللبناني. وضعه الأساسي صعب، بما في ذلك العجز الكبير المزدوج والديون العامة الكبيرة والنمو المنخفض. لقد أقرت السلطات بالفعل خطة حاسمة لإصلاح قطاع الكهرباء وتعمل الآن على وضع ميزانية تقلل من العجز المالي. هذه خطوات أولى مرحب بها للغاية على طريق طويل نحو الاستدامة والنمو والتي يجب أن تنطوي على مزيد من التعديلات المالية والإصلاحات الهيكلية لتحسين بيئة الأعمال والحكم في لبنان.

تتطلب تقوية الاقتصاد اللبناني العمل في ثلاثة مجالات:

1-           خطة مالية متوسطة الأجل ذات صدقية تهدف إلى تحقيق فائض مالي أولي كبير ومستدام من شأنه أن يخفض بثبات نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بمرور الوقت.

2-           إصلاحات هيكلية أساسية لتعزيز النمو والقدرة التنافسية الخارجية، بدءاً من تحسين الحوكمة وتنفيذ خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتوصيات الرؤية الاقتصادية للبنان.

3-           تدابير لزيادة مرونة القطاع المالي من خلال ميزانية عمومية أقوى للمصرف المركزي والاستمرار في بناء مخزون لرؤوس أموال المصارف".

ورأى التقرير "أنها لحظة مهمة للبنان. عانت البلاد منذ فترة طويلة من العجز المالي الكبير الذي ترك الدين العام ليكون أكثر من 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. عجز الحساب الجاري يزيد على 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وبقي النمو منخفضاً منذ بداية الأزمة السورية. حافظ مصرف لبنان بمهارة على الاستقرار المالي في ظل ظروف صعبة لعدة سنوات، ولكن التحديات التي يواجهها في ذلك نمت. ومن الأهمية بمكان أن يبدأ لبنان عملية تصحيح مالي وإصلاحات هيكلية كبيرة لاحتواء الدين العام وزيادة النمو. التصحيح المالي والإصلاحات هما السبيل الوحيد للخروج من الوضع الحالي في لبنان".

ورأى أن "لدى الحكومة الآن فرصة لتنفيذ الإصلاحات وقلب التيار. وقد وافق على خطة جديدة، وافق عليها البرلمان الآن، لإصلاح قطاع الكهرباء وخفض تكلفته المالية. كما قدمت إلى البرلمان مقترحاً للميزانية يهدف إلى تقليل العجز المالي الإجمالي في عام 2019. إن إصلاح الكهرباء والميزانية هما خطوتان على طريق طويل لإعادة التوازن إلى الاقتصاد الذي سيحتاج إلى مزيد من التعديل المالي والجذري. وستشجع الإصلاحات الجهات المانحة على صرف 11 مليار دولار أميركي في شكل تمويل ميسّر تعهدت السلطات بتأمينه لخطة استثمار رأس المال (CIP) في مؤتمر CEDRE في أبريل (نيسان) 2018. وتهدف CIP إلى تحديث البنية التحتية في لبنان مع توفير فرص عمل للمجتمعات المضيفة واللاجئين السوريين. إن زيادة النمو على المدى القصير المرتبطة بها يمكن أن تتصدى للتأثير الانكماشي للتسوية المالية المخطط لها، خصوصاً إذا قامت السلطات بتحسين إطار إدارة الاستثمارات العامة في وقت مبكر".

بيئة اقتصادية صعبة

ورأى التقرير أن النشاط الاقتصادي شهد تباطؤاً أكثر في عام 2018. وتشير التقديرات إلى أن انخفاض الثقة وعدم اليقين الشديد والسياسة النقدية المشددة، والانكماش الكبير في قطاع العقارات قد خفضت النمو إلى 0.3 في المئة العام الماضي. وصل معدل التضخم إلى أكثر من 6 في المئة في عام 2018 بسبب ارتفاع أسعار الوقود المستورد ولكن تباطأ في النصف الثاني من العام وحتى عام 2019.

وبلغ عجز الموازنة 11 في المئة من الناتج في عام 2018، مرتفعاً من 8.6 في المئة في عام 2017. تدهور الرصيد الأساسي إلى 41.4 في المئة من إجمالي الناتج بسبب الزيادة الكبيرة غير المتوقعة في الرواتب التي تم تنفيذها في أواخر عام 2017، إضافة إلى التوظيف الجديد. وكانت عائدات الضرائب أيضاً أضعف مما كان متوقعاً. بالنظر إلى الدين العام الكبير (151 في المئة من الناتج المحلي في عام 2018)، وتجاوزت مدفوعات الفوائد الآن 9 في المئة من الناتج. وارتفع العجز في الحساب الجاري إلى أكثر من 25 في المئة من الناتج في 2018، بسبب مزيج من انخفاض نمو الصادرات وارتفاع واردات الوقود وضعف التحويلات المالية الصافية إلى لبنان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت إلى أن تدفقات الودائع توقفت فعلياً وانخفضت احتياطيات المصرف المركزي الأجنبية بنحو 6 مليارات دولار منذ أوائل عام 2018 على الرغم من استمرار العمليات المالية، وكان نمو الودائع في 2018 الأدنى منذ عام 2005، ويعزى ذلك جزئياً إلى مدفوعات رأس المال والسندات التي سددتها سندات اليورو خلال الفترة نفسها. انخفض الإقراض المصرفي للقطاع الخاص، وارتفعت القروض المتعثرة، وارتفعت دولرة الودائع إلى أكثر من 70 في المئة. وأدت هذه التحديات إلى خفض التصنيف الائتماني من قبل وكالة موديز إلى Caa1 وتغيير النظرة إلى السلبية على تصنيفات B- لوكالتي "فيتش" و"ستاندرد أند بورز".

ووفق التقرير، "تعتمد التوقعات الاقتصادية على التقدم في الإصلاح وعلى التطورات خارج لبنان... لكن المخاطر ومواطن الضعف لا تزال قائمة. إن فشل الحكومة في تحقيق أهدافها والمضي قدماً في الإصلاحات أو انهيار الإجماع السياسي والاجتماعي قد يؤدي إلى تآكل الثقة. من ناحية أخرى، هناك مخاطر تصاعدية، والتي، إذا تحققت، يمكن أن تساعد جهود التكيف الحكومية. فحل الصراع السوري وتطبيع العلاقات سيفيدان لبنان من خلال المشاركة في إعادة الإعمار السوري. كما أن الاكتشاف المحتمل لحقل غاز طبيعي في المياه الإقليمية اللبنانية، حيث من المتوقع أن يبدأ التنقيب بحلول نهاية العام، سيعزز النمو ويحسن التوازن الخارجي للبلاد".

أولويات السياسة

ورأى التقرير أن "التنفيذ الحاسم لبرنامج إصلاح قوي ومتماسك أمر بالغ الأهمية للحفاظ على الثقة. تتطلب إعادة التوازن إلى الاقتصاد في الإطار الحالي إلى ربط سعر الصرف وتنفيذ قوي لتصحيح مالي كبير وموثوق وإصلاحات هيكلية طموحة. وفي التقدير الأولي لموظفي صندوق النقد الدولي، فإن تدابير الميزانية ستخفض العجز المالي على أساس النقد إلى حوالى 9 في المئة من الناتج، على الرغم من أن الميزانية لم تتم الموافقة عليها بعد وهناك شكوك حول الشكل الذي ستتخذه، وفق المعلومات الحالية. ويرجح أن يكون العجز المتوقع أعلى بكثير من الهدف المعلن للسلطات. لا يزال هناك عدم يقين بشأن مخزون أوامر الدفع غير المسددة التي ستؤثر في العجز النقدي لعام 2019. ومع ذلك، فإن العجز المتوقع يستفيد من المدخرات المؤقتة في مدفوعات الفوائد بسبب التأخر في إصدار سندات اليورو. ومن دون اتخاذ تدابير إضافية، سيبقى العجز الرئيسي أعلى من مستوى استقرار الديون، وستظل نسبة الدين العام غير القابلة للاستمرار بالفعل إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار متزايد. لذلك من الأهمية بمكان لاستدامة الديون أن يتم الإعلان عن خطة مالية متوسطة الأجل تستند إلى تدابير موثوقة ودائمة من شأنها أن تحقق فائضاً مالياً رئيسياً كبيراً على المدى المتوسط. ويتوقع موظفو صندوق النقد الدولي أن هناك حاجة إلى فائض أساسي يبلغ حوالى 4.5 في المئة من إجمالي الناتج لتخفيض نسبة الدين بشكل ملحوظ على المدى المتوسط إلى المدى الطويل. إن تحديد الإجراءات المسبقة والاتفاق عليها لدعم مثل هذه الخطة يمكن أن يوفر دفعة دائمة للثقة".

وخلص التقرير إلى القول إن المصرف المركزي كان "محور الاستقرار المالي وحارس العملة، ولكن على حساب المصارف وتقييد ميزانيتها العمومية. وفي السنوات القليلة الماضية، وفرت العمليات المالية للمصرف عوائد هامشية مرتفعة بالليرة اللبنانية، ما اضطره إلى تبني موقف نقدي صارم لتعويض السياسة المالية الفضفاضة، وقد أسهم ذلك في انخفاض الإقراض الإنتاجي للاقتصاد. سمحت عمليات المركزي للمصارف بتقديم أسعار ودائع مرتفعة للاحتفاظ بها وجذب ودائع مولت العجز في لبنان لفترة طويلة. ولكنها في المقابل، أنتجت معدلات إقراض مرتفعة، من 6.8 في المئة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 إلى 9.7 في المئة بحلول يونيو (حزيران) 2019. ما أدى إلى تفاقم انخفاض الإقراض للقطاع الخاص وارتفاع في القروض المتعثرة بسبب البيئة الاقتصادية. تؤكد هذه التطورات الضرورة الملحة للتصحيح المالي الذي سيتيح خفض أسعار الفائدة".

المزيد من اقتصاد