Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في يومه العالمي: هل أنصفت الشاشة المعلم؟

الأفلام العربية رصدت تحول وظيفة المدرس من المربي الفاضل إلى متهم بإفساد العملية التعليمية

شخصية الأستاذ فرجاني واحدة من أشهر أدوار المعلمين التي قدّمتها السينما المصرية (أرشيف مكرم سلامة)

تزامناً مع بداية العام الدراسي رسمياً في غالبية الدول العربية، تأتي شارة محرك البحث الشهير "غوغل" لتذكر المتصفحين بيوم المعلم العالمي الذي يوافق الخامس من أكتوبر (تشرين الأول)، إذ جرى اختيار هذا اليوم منذ 27 عاماً كفرصة للتعبير عن الامتنان لمن يشغلون تلك المهنة التي هي أساس كل المهن وكل الإنجازات في جميع المجالات.

واختيار التاريخ يعود إلى توصية كان قد جرى إقرارها بمعرفة منظمة اليونيسكو عام 1966 تتعلق بأوضاع المدرسين في مختلف دول العالم. وبالنظر إلى حال التايم لاين محلياً، سنجد أن المعلمين أبطال حكايات أخرى متنوعة، إنهم من يقدم لهم التلاميذ ممرات شرفية عرفاناً بقدرهم وشكراً لهم، وهم أيضاً من يعاقبون الطلبة بالجلوس في الفناء لساعات، لأن عائلات التلاميذ لم تشتر لهم الزي المدرسي من منافذ البيع التابعة لإدارتهم.

تناقض بشري لا يقلل أبداً من أهمية وقيمة تلك الوظيفة التي هي قلب كل نجاح تحققه البشرية، فكانت محوراً ووقوداً لأفلام سينمائية كثيرة متنوعة المستوى، لكنها في أغلب الأوقات كانت تتماس إلى حد التماهي في بعض الأوقات مع أوضاع المدرسين والطلبة في الحياة الحقيقية.

الهوس بمدرس اللغة العربية

كانت السينما المصرية طوال الوقت سباقة للتطرق لأغلب المهن، بخاصة تلك المرتبطة بحياة الشعب، مثل المعلم الذي يتسلم أمانة ومسؤولية أطفال صغار، وقد يكون من أشهر النماذج هنا أستاذ حمام، معلم اللغة العربية في فيلم "غزل البنات"، حيث مشاهده مع التلميذات اللاتي يخطئن في نطق الكلمات أثناء القراءة في غاية الكوميديا، وغاية في القتامة أيضاً.

المعلم "نجيب الريحاني" صاحب الراتب البسيط لا يجد أبداً أي تعارض بين أجره وبين إتقانه ما يفعل، فهو يقدم علمه وخبرته في اللغة العربية بإخلاص شديد على رغم ظروفه المادية الصعبة وديونه، حتى تأتيه الفرصة للعمل في منزل أحد الأثرياء ليساعد الابنة المدللة في تعلم اللغة العربية، ليحدث مزيد من المفارقات.

 

وإن كان مدرس اللغة العربية عام 1949 قد وجد فرصة لتحسين دخله بالعمل بشكل خاص في أحد القصور، فإن فكرة الدروس الخصوصية بشكل صريح لم تكن مطروحة بعد، إذ كانت المهنة في القصة هنا بديلة لعمله في المدرسة ومرتبطة بطالبة واحدة، يقيم مع عائلتها في منزلها الأرستقراطي.

وعلى رغم تعرضه لسخرية واسعة من الأسرة بسبب ملابسه الرثة، فإنه ظل على مبدأه، والفيلم بشكل أو بآخر حمل نقداً مجتمعياً لاذعاً للتفاوت بين الطبقات إبان العصر الملكي في مصر.

لكن فكرة الدروس الخصوصية نوقشت بشكل واضح للغاية في أفلام ومسلسلات أخرى كثيرة عرضت بعد ذلك بسنوات، لعل أبرزها في العصر الحديث "رمضان مبروك أبو العلمين حمودة" 2008، حيث محمد هنيدي مدرس لغة عربية أيضاً منحدر من منطقة ريفية، يتعرض لمواقف صادمة بعد أن يتوجه للعمل في مدرسة خاصة يلتحق بها أبناء كبار المسؤولين في الدولة، وهو يرفض مبدأ الدروس الخصوصية، خوفاً من "كسر عينه" أمام الطالب، ويستهجن في أكثر من مشهد تلك الوسيلة التي تحط من هيبة المدرس، وهي الشخصية التي قدمت أيضاً كمسلسل تلفزيوني، وحققت نجاحاً كبيراً، وباتت من شخصيات المعلم الشهيرة في السنوات الأخيرة، ربما لأنها تعرض مشكلات عصرية للغاية تواجه الطلبة والمعلمين على السواء، وذلك على رغم أن المدرسة التي تظهر في الأحداث خاصة وذات نظام دولي، ويعيش طلابها في رفاهية وكذلك يتقاضى معلموها أجوراً مرتفعة.

محاولات إصلاحية والسينما بالمرصاد

فيما الوضع في المدارس الرسمية ليس على هذا النحو، إذ هناك خطط بدأت منذ سنوات لإصلاح المنظومة التعليمية في ما يتعلق بتطوير المناهج ونظام الامتحانات وأيضاً زيادة أجور المدرسين، في المقابل باتت السوشيال ميديا هي الناقد الأول لأي قرارات جديدة تخص هذا الشأن، فبالتزامن مع اليوم الدولي للمعلم، يتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر منشوراً وزارياً يتعلق بفتح باب التطوع للتدريس مجاناً في المدارس، التي تعاني عجزاً في أعداد المعلمين.

ويشدد المنشور على عدم وجود أحقية للمتقدم في المطالبة بأية مزايا مادية أو حتى في التعيين مستقبلاً، وهو أمر قوبل بالتندر من قبل رواد "فيسبوك" الذين أبدوا دهشتهم من إقبال بعضهم على وظيفة بلا مقابل مهما كانت قيمتها، الأمر صاحبه أيضاً تداول تقرير جديد يحذر فيه البنك الدولي من تراجع الإنفاق على العملية التعليمية بمصر، مما سيؤدي بدوره إلى مزيد من النقص في أعداد المدرسين والفصول الصالحة للاستخدام، وستتأثر الخدمة المقدمة برمتها، حيث إن معلمي التعليم الأساسي لا يزيدون على مليون مدرس، 40 في المئة منهم في المرحلة الابتدائية فقط، في حين يبلغ عدد الطلبة في مرحلة ما قبل التعليم الجامعي أكثر من 25 مليوناً أي ما يقارب ربع سكان الدولة.

وبالعودة لـ"وظيفة" المعلم المتطوع فالحقيقة أن بعضهم يعتبرها فرصة بالفعل، إذ تقول "ن. ع"، وهي خريجة إحدى كليات التربية في التعليم الأساسي، إنها مع إيقاف تعيينات المعلمين في السنوات الأخيرة يمكنها من خلال التطوع كمساعدة معلمة في مدرسة حكومية أن تكتسب خبرة، وأيضاً "شعبية" على حد قولها، مشيرة إلى أنها في المحيط الذي تعيش فيه يقبل أغلب الأهالي على إعطاء أبنائهم دروساً خصوصية حتى في المرحلة الابتدائية، وذلك نظراً إلى الكثافة العددية الهائلة في الفصول بالتالي صعوبة التحصيل.

وتلفت إلى أن أكثر من زميل لها اتخذ الخطوة نفسها، وأنها كانت تطمح أن تجد فرصة عمل طبيعية في مدرسة بجوار بيتها بأجر ثابت، لكن لم يعد أمامها سوى بوابة الدروس الخصوصية، وهي ظاهرة تحاول الجهات الرسمية في مصر محاربتها من خلال التغييرات الجذرية التي طرأت على المناهج، وعلى أسلوب الامتحانات بخاصة في المرحلة الثانوية، وفي انتظار أن تؤتي ثمارها بشكل ملموس.

مرارة السخرية

مرة أخرى تقودنا الدروس الخصوصية إلى السينما، إذ جسد الفنان جورج سيدهم شخصية المدرس الذي يحاول بشتى الطرق الحصول على أكبر قدر من المال من خلال إعطاء دروس خصوصية لأعداد كبيرة من الطلبة، وذلك في فيلم "الشقة من حق الزوجة" عام 1985.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان سبق وجرى التطرق لتلك الظاهرة قبل ذلك بـ20 عاماً من خلال فيلم يحمل عنواناً مباشراً هو "مدرس خصوصي" حينما جسد الشخصية الفنان عماد حمدي، فهو مدرس يذهب لإعطاء دروس لأحد الطلبة في منزله فيقع في حب شقيقته. وفي عام 1875 قدم حمدي أيضاً شخصية ناظر مدرسة حكومية فاسد يقوم بتسريب امتحان نهاية العام في مقابل الحصول على مبلغ مالي ضخم.

لكن يعتبر فيلم "قصر الشوق" عام 1966 من أكثر الأعمال في سينما الأبيض والأسود التي حملت نقداً لاذعاً للغاية لمهنة المعلم، حيث يظهر الأب السيد أحمد عبدالجواد، وهو يوبخ ابنه كمال بقسوة لرغبة الشاب في الالتحاق بمدرسة المعلمين، ويصفها بأنها مهنة تعيسة وبائسة، وأصحابها ليسوا في مركز اجتماعي مرموق، ويسخر الأب القوي الشكيمة بشدة من طريقة تفكير ابنه التي تبدو في نظره ساذجة وغير واقعية، إذ يقول له الشاب إن الدول الأوروبية تقيم تماثيل لمعلميها المهمين، نظراً إلى مدى تأثيرهم في تقديم الأمم، فيرد عليه الأب متسائلاً باستنكار عن حدوث هذا الأمر في مصر، ومطالباً كمال بأن يكون واقعياً، ثم يتركه حزيناً باكياً، ويخرج من الغرفة.

"الرجال المحترمون"

نظراً إلى الترابط الشديد بين تلك المهنة وحياة المواطن، إذ يستهلك التعليم ما قبل الجماعي في مصر ما بين 12 و14 سنة من عمر الطالب، وجدت الدراما في المحيط المدرسي بطلبته ومعلميه مادة دسمة ومعبرة للغاية عن تشريح المجتمع، بل إن تطور تلك الأفلام واختلافها من حقبة إلى أخرى يمثل ما يشبه التأريخ الموازي لوضع المدرسين على مر الحقب.

 

واللافت أنه طوال الوقت هناك سخط من أوضاع أصحاب تلك الوظيفة الجادة والفارقة في حياة الأجيال، فالأستاذ مستطاع الطعزي مدرس الفلسفة يجد نفسه وقد تحول إلى التحقيق في المدرسة بتهمة نشر الشيوعية، على رغم من أنه كان يشرح للتلاميذ درساً عن القيم والمبادئ، كما يجد نفسه في ظروف مادية صعبة بشكل عام بسبب ضعف راتبه، فيقرر الاتجاه للدجل والشعوذة، وهي الشخصية التي قدمها باقتدار معتاد الفنان الراحل أحمد زكي عام 1990 في فيلم "البيضة والحجر".

والأمر كان أكثر قتامة مع الأستاذ إبراهيم في فيلم "انتحار مدرس ثانوي" 1989، إذ يرزق المدرس الذي جسد دوره حسين فهمي بعدد كبير من الأطفال، ونظراً إلى دخله المحدود يعيش تحت وطأة ضغوط معيشية صعبة، بسبب سياسة الانفتاح والغلاء المبالغ فيه، فيقرر الانتحار بإلقاء نفسه في النيل، فشخصية المعلم نظراً إلى ثرائها الشديد مرت على أغلب نجوم الصف الأول في مصر، بينهم عادل إمام الذي قدم في فيلم "على باب الوزير" 1982 دور مدرس يذهب لمنزل أحد الطلبة لإعطائه درساً بالمنزل، فيفاجأ بوالدة التلميذ تطلب منه مساعدتها في تجهيز الخضراوات لتحضير الطعام.

كما جسد قبلها بعام من خلال فيلم "الإنسان يعيش مرة واحدة" شخصية الأستاذ هاني المدرس المقامر السكير الذي لا يهتم بوظيفته وينام في الحصة، وتنشأ مشادة بينه وبين مدير المدرسة فيتم نقله للعمل بمنطقة نائية، والفيلم أخرجه سمون صالح، وكتبه وحيد حامد، والأخير كان مهموماً بتلك المهنة بشكل خاص، وقدم مع نور الشريف واحداً من أشهر الأفلام التي انتصرت للمعلم من خلال فيلم "آخر الرجال المحترمين" 1984، فالأستاذ فرجاني مخلص بشدة لعمله، ويراعي الطلبة الصغار كأنهم أبناؤه تماماً، فهو نموذج مثالي لمعلم متفان، وحينما يتمكن أخيراً من أخذ إذن بالقيام برحلة مع طلبته للترفيه عنهم في حديقة الحيوان تحدث أزمة كبيرة يحاول حلها بقلب وروح الأب والمعلم معاً.

معلمات مثاليات

السخرية اللاذعة كانت أيضاً طريقة مفضلة لتناول أوضاع المعلمين في السينما، وهو ما بلغ ذروته في أفلام مثل "الناظر" و"عسل أسود" و"الثلاثة يشتغلونها"، واستعرضت تلك الأعمال المشكلات المعاصرة التي تواجه المدارس في مصر ومحاولة التغلب عليها، بينها تأهيل المعلم نفسه.

وعلى رغم الاتهامات بالإساءة لتلك المهنة من خلال الشاشة فإن المؤكد أن الأعمال الفنية حاولت تقديم شخصيات درامية بحتة، وبالطبع لها أساس من الواقع، ومثلما كانت هناك نماذج سلبية أيضاً كانت هناك نماذج تمثل قدوة حقيقية، إذ دأبت السينما المصرية على إظهار شخصية المعلم من خلال عدد ضخم من الأعمال، بينها "زقاق المدق" و"السفيرة عزيزة" و"أبلة الناظرة"، و"غصن الزيتون" و"حب أكبر من حب" و"شارع الحب".

وفي التلفزيون أيضاً كان هناك حضور قوي للمعلمات المثاليات، وذلك في مسلسلات مثل "ضمير أبلة حكمت" و"أين قلبي" و"ماما في القسم". فيما تعتبر المعلمة الأشهر في المسرح هي أبلة عفت عبدالكريم التي واجهت مجموعة من الطلبة الأشقياء دائمي الرسوب بمسرحية "مدرسة المشاغبين" 1971، إذ جسدت سهير البابلي الدور بمنتهى البراعة، ولا تزال مشاهدها حاضرة ومثاراً للضحك على رغم مرور السنوات.

المزيد من فنون