Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما هي الخريطة الافتراضية لروسيا المقسمة؟

تحقيق طموح الغرب بتقسيم موسكو أسهل من عزلها وما يترتب عليه من أخطار توسعها الدولي

جنود أميركيون في قاعدة عسكرية برومانيا للانضمام إلى قوات الـ "ناتو" وسط التوترات بين روسيا وأوكرانيا (غيتي)

منذ تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991 توقع محللون أن تذهب روسيا الاتحادية في الطريق ذاته، ومع أن ثلاثة عقود تفصل ما بين ذلك الحدث والتنبوءات الحالية، لكن هذه الفترة الزمنية لم تكن ساكنة تماماً بل استشرت فيها الانتماءات خصوصاً الأيديولوجية والإثنية جنباً إلى جنب مع الديكتاتورية الفردية، وربما لا تكون الصورة واضحة عما سيكون عليه مستقبل روسيا المقبل بقدر وضوح مخاوف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي اتهم الدول الغربية وحلف شمال الأطلسي (ناتو) بأنهما يدفعانه إلى الخسارة في الحرب الأوكرانية والسعي إلى تفكيك روسيا وتقسيمها إلى 10 دول، بل من وجهة نظره أن الدول الغربية ظلت تروج لهذه الفكرة منذ سنوات لتحقيق هذا الهدف.

وما يؤكد هذه المخاوف هو أن بوتين ردد خلال مناسبات عدة، ومنها كلمته خلال القمة التي عقدتها أخيراً منظمة "شنغهاى للتعاون" في سمرقند بأوزبكستان، أن "الغرب حاول تأسيس جيب معاد في أوكرانيا من أجل انهيار روسيا".

وفي مقابل الاتهامات الروسية توالت ردود الأفعال الدولية ومن الـ "ناتو" تحديداً، بأن "روسيا تقوم على الدوام باختلاق مجموعة من الروايات الكاذبة والمعلومات المضللة التي يضخها إعلامها المسيطر عليه من قبل كيانات عسكرية واستخباراتية باستمرار في بيئة المعلومات العالمية". 

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي جدد الـ "ناتو" دحضه للاتهامات بحسب التعديل الروسي الدوري للمعلومات منذ أن بدأت الحرب الروسية - الأوكرانية، وكان أبرز الروايات الروسية الخمس التي سماها الـ "ناتو" أساطير، هي أن "حلف الـ ’ناتو‘ يطوق روسيا ويحاول احتواءها"، فرد بأن "الحقيقة هي أن الـ ’ناتو‘ تحالف دفاعي هدفه حماية الدول الأعضاء، وهذه الأسطورة تتجاهل الجغرافيا أيضاً لأن حدود روسيا البرية مع 14 دولة، منها ستة في المئة فقط [خمسة منهم أعضاء في الحلف] تمس دول الـ ’ناتو‘"، بينما انتقد امتلاك روسيا قواعد عسكرية وجنوداً في جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا، من دون موافقة حكوماتها.

 

 

استراتيجية الاحتواء

لا تشكل روسيا تهديداً سياسياً لحلف الـ "ناتو" بوضع حد لتوسعه باتجاه الشرق وحسب، وإنما وقفت ضد تدخل الولايات المتحدة في مناطق أخرى من العالم وفي الشرق الأوسط مثلما حدث في سوريا بدعمها بشار الأسد ضد المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة، وتحالفها مع دول معادية للولايات المتحدة مثل إيران والصين وفنزويلا، وهو ما فسرته الدول الغربية بقيام روسيا بأنشطة تأثير سياسي ضدها لتحقيق أهداف استراتيجية أهمها إضعاف الـ "ناتو" والاتحاد الأوروبي والهيمنة على المجال الحيوي لأوروبا باستخدام القضايا الخلافية داخل هذه الدول والعمليات السيبرانية وقطاع الطاقة والأعمال ونشر الفساد والقوة العسكرية إن اضطرت إلى ذلك، فبعد إعلان قمة الـ "ناتو" التي عقدت في بوخارست برومانيا عام 2008 رغبة أوكرانيا وجورجيا في نيل عضويته، شنت روسيا الحرب على جورجيا وضمت إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ثم تبعتها بحرب أخرى عام 2014 ضمت على إثرها شبه جزيرة القرم الأوكرانية.

ويمكن أن يعيدنا تنامي هذا التهديد إلى "استراتيجية الاحتواء الأميركية" التي وضعها جورج كينان أحد أبرز رواد الفكر للنظرية الواقعية الكلاسيكية في العصر الحديث خلال ثمانينيات القرن الماضي لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفياتي وعزله، وضرورة الاستمرار في احتواء الخطر الشيوعي ومواجهته لإضعافه تمهيداً لانهياره، وبعد تفككه حذر كينان من توسع الـ "ناتو" لأنه بحسب ما ذكر عام 1997 "يمكن أن يؤجج النزعات القومية والمعادية للغرب والعسكرية في روسيا، ويكون له تأثير سلبي في الديمقراطية الروسية الناشئة ويعوق اتفاقات الحد من التسلح".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومنذ تحذير كينان وإلى عام 2020 انضمت حوالى 14 دولة لحلف الـ "ناتو" الذي تأسس عام 1949، وذلك لأن استراتيجية "الاحتواء" التي كانت حجر الأساس في السياسة الخارجية الأميركية لم تكتف بانهيار الاتحاد السوفياتي، وإنما أثرت في تحركات الـ "ناتو" شرقاً حيث انطوت على قوة إجرائية تمثلت في ضم جمهوريات التشيك والمجر وبولندا للحلف عام 1999، ثم تبعتها إستونيا وبلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا ولاتفيا وليتوانيا عام 2004، ثم ألبانيا وكرواتيا عام 2009 ومنتينيغرو (الجبل الأسود) عام 2017 ومقدونيا الشمالية عام 2020.

تصورات التقسيم

ينبع إصرار بوتين على أن الغرب خدع روسيا بموضوع توسع نفوذ الـ "ناتو" شرقاً بعد نهاية الحرب الباردة، وأن عدم التزامه بوعده هو سبب الحرب الأوكرانية، مما ظل يتردد في ردهات الكرملين بأن وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر وعد الرئيس السوفياتي وقتها ميخائيل غورباتشوف عقب سقوط جدار برلين عام 1989 حول الحد من اختصاص الـ "ناتو" بعد توحيد ألمانيا عام 1990، بأن الـ "ناتو" لن يتوسع في أوروبا الشرقية، كما ظلت الولايات المتحدة والـ "ناتو" ينفيان وجود وثيقة تفيد بتقديم مثل هذه التعهدات بالحد من التوسع شرقاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

 ولكن صحيفة "دير شبيغل" الألمانية نشرت في الـ 15 من فبراير (شباط) الماضي ما يفيد أن "مثل هذه الوثيقة موجودة بالفعل، إذ تم توقيع الاتفاق في عام 1991 من قبل ممثلي أميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا في إطار الاتفاق المتعلق بإعادة توحيد ألمانيا"، وأضافت أنها "كانت بمثابة محضر جلسات تم اكتشافه في الأرشيف الوطني البريطاني بواسطة أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بوسطن جوشوا شيفرينسون، وكان قد تم تصنيف المستند في السابق على أنه سري ولكن رفعت السرية عنه لاحقاً".

ومهما تكن طبيعة تلك التعهدات الشفهية إن صحت، فإنها قد تكون مجرد تلاق تكتيكي جاء وفقاً لظروفه خلال موجة الدبلوماسية التي أعقبت تلك الأحداث التاريخية التي استهدفت تأمين امتيازات متساوية للطرفين، روسيا من جهة والـ "ناتو" من جهة أخرى.

 وخلال استمرار روسيا في إدانة عدم الوفاء من قبل الـ "ناتو" يحاول بوتين أن يثبت فرضية أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة يحاول فرض القيم الليبرالية باعتبارها قيماً عالمية، بإشارته إلى استخدام "الأيديولوجيا الليبرالية" لإطاحة دول وأنظمة حكم في القوقاز وأوروبا والشرق الأوسط، ولا يساور الدائرة المحيطة ببوتين من طبقة الـ "أوليغارشيين" شك في أن هذه إحدى أدوات التوسع الغربي بهدف تفكيك روسيا وتقسيمها إلى دول عدة، ولهذا تبدو مجابهة هذه الأيديولوجيا ذريعة لروسيا لإضفاء الشرعية على تدخلها في أوكرانيا.

 

 

عوامل التصادم

يمكن تقدير مخاوف الكرملين والتذرع بالتعهد الشفهي غير المؤكد بأنهما نابعان من وجود عدو لبوتين بحجم الـ "ناتو" على مشارف روسيا يبرر تمسكه بالحرب الأوكرانية وتهديده بالهجوم النووي، مما سيكسبه سمعة تطغى على انتقادات سياسته الداخلية ويساعده في الحفاظ على السلطة، ويمكن تبين ذلك من عوامل عدة أولها أنه

منذ توليه رئاسة الاتحاد الروسي بالإنابة بعد استقالة بوريس يلتسين في الـ 31 من ديسمبر (كانون الأول) 1999، بدأ يحفر صورته كزعيم على صخور أمجاد الإمبراطورية الروسية، وظهر ذلك بين ثنايا حديثه المتكرر خلال فتراته الرئاسية عن "روسيا التاريخية" كقوة عالمية عائدة وراجحة، وتنوء هذه الفكرة بحمولة كثيفة من مهددات الأمن القومي الروسي.

ووفقاً له فإن أي تحرك باتجاه الشرق هو مشروع موجه لتقسيم الإمبراطورية.

وثانياً وصلت حال الاتحاد بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى تقوية قدرات الـ "ناتو" وعدم تردده في ضم مزيد من الدول إلى التحالف، فقد تقدمت السويد وفنلندا بطلب الحصول على عضوية الحلف على إثر شن روسيا الحرب على أوكرانيا، وبعد مصادقة الرئيس الأميركي جو بايدن على انضمامهما إلى الـ "ناتو" في التاسع من أغسطس (آب) الماضي بعد موافقة مجلس الشيوخ الأميركي وتوقيع أعضاء الـ "ناتو" بروتوكول انضمامهما في يوليو (تموز) الماضي، فستصبح حدود فنلندا البالغ طولها أكثر من 1330 كيلومتراً هي الأطول لدولة في الـ "ناتو" مع روسيا.

وثالثاً فقد استمر عهد بوتين وسط نمو متزايد للمشاعر القومية المتطرفة وسط دائرة من القوميين المتطرفين المؤثرين والمرتبطين بالأجهزة الأمنية الروسية، وكانت هذه الدائرة توفر حماية كبيرة لبوتين بإثارة المشاعر المناهضة للاستعمار، ولكن مع تدني مستويات المعيشة واستشراء الفساد وازدياد قبضته على السلطة فإن هذه المشاعر يمكن أن تنعكس إلى نزعات انفصالية يغذيها الغرب، أما رابعاً فنمو الفيدرالية المشوهة كحال بين اللامركزية الإدارية والاتحاد الكونفيدرالي أفشلت محاولات روسيا في احتواء جميع أطرافها تحت ظل الخدمات والإعانات الفيدرالية، على رغم تدبر الوحدات الفيدرالية لشأنها المحلي وإسهامها في الاقتصاد، وقد شكا اقتصاديون من أن المنطقة الفيدرالية المركزية التي تضم موسكو إضافة إلى سانت بطرسبرغ وسيفاستوبول تبتلع معظم موارد روسيا.

 

 

طموح الإثنيات

يستند الترويج للوعي القومي الحديث للإثنيات الساعية إلى الانفصال عن روسيا إلى جذور تأسيس الاتحاد السوفياتي وارتباطه بـ "الثورة البلشفية" وهي أول ثورة شيوعية في القرن الـ 20، وعليه أتت مناهضة بوتين لتلك التحركات بردها إلى "البلاشفة" الذين دعموا الجماعات الإثنية آنذاك، ويعتقد بوتين أن التجربة السوفياتية التي منحت جنسيات مختلفة حق الانفصال هي التي مهدت لتفكيك إمبراطوريتها، ولا يخفي توجسه من طموحات هذه الإثنيات كما لا يخفي رغبته في تغيير النظام الفيدرالي إلى نظام مركزي.

وهناك اختلافات جوهرية في ظروف الإثنيات الروسية، فبعد ضم شبه جزيرة القرم أصبحت 22 جمهورية عرقية من إجمال 85 وحدة إقليمية من الاتحاد الروسي، وهو عدد وافر بما يمكن الغرب من تفكيك روسيا وإعادة تقسيمها بالاستفادة من المشاعر المعادية لبعض الإثنيات، وتحالف بعضها ضد أخرى.

الخريطة الافتراضية

ومن هذا الواقع يمكن أن يصمم الغرب تقسيماً مبنياً على التوزيع الاقتصادي وبإضمار التقسيم الإثني، إذ تشمل الخريطة الاقتصادية الحالية عدداً من المناطق الفيدرالية، وهي المنطقة المركزية وعاصمتها موسكو، والمنطقة الشمالية الغربية وعاصمتها سانت بطرسبيرغ، والمنطقة الجنوبية وعاصمتها روستوف، ومنطقة شمال القوقاز وعاصمتها بياتيغورسك، ومنطقة الفولغا وعاصمتها نيجني نوفغورود، والمنطقة الأورالية وعاصمتها يكاترينبورغ، والمنطقة السيبيرية وعاصمتها نوفوسيبيرسك، ومنطقة الشرق الأقصى وعاصمتها فلاديفوستوك.

أما الافتراضية فستتكون من دول قوامها إثنيات الروس والتتار والأوكرانيين والبشكير وتشوفاش والشيشان والأرمن وموردوفان وأفار، وربما دولة أخرى تضم إثنيتي الشركس والأكراد، وهما من أبرز الأقليات الموجودة في الكيان الإداري جنوب روسيا وعلى خط التماس مع البحر الأسود الرابط بين روسيا وتركيا موطن هجرة الأقليتين.

وأخيراً فإن هذا التقسيم المفترض وعلى رغم احتماله إلا أن روسيا ابتدرته بأسبقية مثلما افترضت حظر توسع حلف الـ "ناتو" شرقاً وراحت تحذر منه، ومع ذلك يذهب هذا الافتراض باتجاه أن يكون متعمداً لجر القوى الغربية نحو هذه الخطة، وتكون بمثابة ذريعة لروسيا لتصعيد نشاطها العسكري في المنطقة والذي بدأته بأوكرانيا وربما يتسع نطاقه، ومن هنا يقف الغرب أمام هذه المعضلة بمناهضة روسيا الاستبدادية التي وقفت في وجه الديمقراطيات الغربية بطموح مواز بأن تقسيمها أسهل بكثير من عزلها الذي ربما يولد أخطار بناء ستار حديدي جديد يحفزها لابتلاع مزيد من الدول.

المزيد من تحلیل