Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما يصبح الشاعر فزاعة في حقل العالم

قصائد المغربي عثمان دردابي تعبر عن القلق المعاصر

"فزاعة الحقل" صورة للفنان الأميركي جون فاشون (مكتبة الكونغرس)

سبق للشاعر المغربي محمد السرغيني (92 سنة) أن صرح بأنه مرتاح لمستقبل الشعر في المغرب، وهو الشاعر الذي عمل لأعوام طويلة في محترف الشعر في جامعة فاس على الإصغاء إلى الشعراء الشباب ومواكبتهم والاحتفاء بهم وتيسير سبل الحضور لهم. بالتالي فحدسه ناجم عن تجربة وعن وعي وعن معرفة كبيرة بالأراضي التي يجوسها هؤلاء الشباب.

وما يقترحه الشاعر المغربي عثمان دردابي (26 سنة) في مجموعته الشعرية "ثلاثة وعشرون عاماً في الوحل" الصادرة حديثاً عن دار النهضة هو امتداد لتنبؤات السرغيني صاحب "من فعل هذا بجماجمكم؟". فمن يطلع على الصفحات الأولى من كتاب دردابي سيفاجئه أن هذا الشاعر بدأ بما ينتهي إليه آخرون، إذ اختار أن يستهل مجموعته الشعرية بنصوص شذرية بالغة الحكمة والتكثيف. وهذا على عكس معظم الشعراء الذين ينزحون في كتاباتهم الأولى إلى نصوص وجدانية وذاتية تبطنها حرارة القول والرغبة في الإسهاب والاعتراف، بالتالي الخروج عن كل أشكال التكثيف في الكتابة.

يلجأ الشاعر إلى تقنية التعريف في نصوصه الشذرية، فنقرأ منذ البداية، "النسيان محاولة تذكر شيء ما في اللحظة الخاطئة"، "الموت أن ترى الرصاصة التي تقتلك"، "ساعة الجدار المتوقفة حائط فقد الذاكرة". ويواصل كتابته الشذرية في نصوص موضوعاتية قصيرة جداً تحتفي بالتيمة الواحدة، الضوء والضياع والشجرة والقلب والنساء والرحيل، "ألوح للرحيل/ كمن يمسح غبار شاهدة". وتحسب لعثمان دردابي قدرته على التعبير عن الحالات الشعورية بصور مبتكرة وأخاذة، ويمكن الوقوف عند هذا النموذج، "كلكِ عطش، وإني/ جرةُ ماء مكسورة"، أو نموذج آخر، "وحيداً هنا أنتظرك/ كثقب في جورب/ خجول وأرتجف".

تتخلص شذرات عثمان دردابي من كل طابع حكمي، إنها تهرب من فخاخ الفلسفة وتقع في مساحة الاعتراف والمكاشفة. يذكرنا هذا بشاعر الشذرات أنطونيو بورشيا حين قال، "لا أحب أن يسمي أحدٌ ما أكتبه حكمة. سيجعلني ذلك أشعر بالإهانة". الشاعر هنا لا ينشد الحكمة، بل ينقل إلينا ما يعتمل في داخله بشكل مكثف غير ملتزم بالضرورة بالموازين العقلية. إنه يشير ويومئ ويترك للقارئ مساحات التأويل بكامل شساعتها. وهذا الوعي بالكتابة لا يتأتى للشعراء في بداياتهم إلا لماماً.

من التكثيف إلى الإسهاب

ليست النصوص الشذرية هي فحسب ما تضمه المجموعة الشعرية الأولى لعثمان دردابي، إنه يفاجئنا في نص "أسميكِ أرجوحة"، المكتوب بتقنية قصيدة النثر المقطعية، بالجملة الطويلة والمركبة، والمبنية على سابق ولاحق، وبالإسهاب في السرد والتوصيف. كأنما يريد أن يقنعنا بأنه قادر على الكتابة وفق أكثر من شكل وصيغة. ثم بالإسهاب ذاته يبني نصه "تعالي صغيرتي أحبك كما يليق بكهل أرهقته الحياة"، ويكشف من خلاله عن مرجعيته القرائية، مما جعل النص يبدو كما لو أنه يحمل فوق طاقته الشعرية والدلالية، إذ تزدحم فيه أسماء الفلاسفة توما الإكويني وديكارت وباسكال وابن رشد وأرسطو وأفلاطون، وأسماء المتن الديني والروحي عيسى وإبراهيم وكونفوشيوس وبودا، وأسماء الأدباء المتنبي ولوركا، وأسماء أبطال الروايات آنا كارينينا ولوليتا وراسكولنيكوف، فضلاً عن مفاهيم تبدو غريبة على الاشتغال الشعري، الفيزياء الكوانطية وميكانيكا الكم وميتا ما وراء النيل وغيرها من الدوال التي تنحو بالنص إلى دلالات مبهمة. ويمكن فهم هذا المقترح الأدبي عند عثمان دردابي في سياق رغبة فردية في التجريب على نحو يجعل المفهوم الشعري قابلاً على الدوام للمساءلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالموازاة مع هذا التعقيد يكتب الشاعر نصوصاً أخرى في غاية البساطة، تقطع مع الخلفيات القرائية ومع البلاغات بمختلف أشكالها وتستمد مشروعيتها الشعرية مما وراء السطور، بحيث تظهر للقارئ في خلفية النص تلك الصورة العميقة التي تتشكل بالدلالات لا بالدوال. يمكن الوقوف عند نص يحمل عنوان "صورة جماعية" باعتباره نموذجاً لهذا النوع من الكتابة، "لما أخذنا صورة جماعية/ لم نفكر لحظتها/ أننا عندما سنفترق/ ونمزق الصورة قطعاً صغيرة/ سيبقى وجهانا معاً/ في قطعة واحدة".

من حياة واقعية إلى حياة متخيلة

من يقرأ نص "أرصفة" يطرح سؤالاً حول المسافة التي يعبرها الشاعر بين حياته الواقعية وحياة أخرى متخيلة. وجنوح الشعراء إلى تقمص حيوات الآخرين يمكن تبريرها بالرغبة في البحث عن تجربة عميقة تجعل النص الشعري أكثر تأثيراً في القارئ، لذلك حين لا يجد الشاعر ما يكفي من الحزن في حياته للكتابة عنه فإنه يجلب إلى نصه أحزان الآخرين. أليس الحزن هو التيمة الأثيرة لدى معظم الشعراء؟

والمشاهد التي يحملها نص "أرصفة" لا نعرف إن كان الشاعر عاشها أو لا، غير أنها تؤدي وظيفتها الجمالية بشكل يعلي من القيمة الأدبية للنص، "من فرط ما نِمتُ على الرصيف/ نَمَتْ على جسدي/ آثارُ أقدام/ وأعقاب سجائر". في النص الموالي يكتب دردابي ما يشبه الامتداد لتساؤلاتنا، "لستُ شاعراً/ حتى ينبت لي/ كل هذا الحزن/ في صدري"، كما لو أن الحزن هو قدر الشعراء وهو الصفة الرديفة لكل من اختار هذه الطريق من طرقات الكتابة.

عطفاً على الحزن، يعبر عثمان دردابي عن توتر العلاقة بينه وبين العالم، أو ما دأب النقاد على تسميته بالقلق الوجودي بصور شعرية آسرة "فاتحاً صدري للوجود/ لكن لا أحد يريد احتضاني/ كأني فزاعة في حقل العالم".

المزيد من ثقافة