Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سمير درويش يعارض تجربة "ديك الجن" بقصائد أليفة

ديوانه الجديد يجعل من شعر النثر أسلوب حياة يومية 

لوحة إستشراقية تمثل ديك الجن الحمصي (موسوعة المستشرقين)

في ديوانه الجديد "ديك الجن"، يؤصل الشاعر سمير درويش (61 عاماً) خصوصية تجربته على أكثر من مستوى. فصدور العمل الشعري التاسع عشر لابن جيل الثمانينيات في مصر، يكرسه واحد من أغزر الشعراء المعاصرين إنتاجاً، وأكثرهم دفقاً وخصوبة. ومن جانب ثان، فإن ابن انزياحات تيار قصيدة النثر في السنوات الأخيرة، يؤكد، فنياً وجمالياً، انخراطه إلى أبعد حد في استيعاب مفاهيم هذا اللون الأدبي المغاير نوعياً ورؤيوياً وتكنيكياً، ويصل من خلاله إلى تعميق "النثرية" كفلسفة ومعايشة وأسلوب للحياة، بالتوازي مع تحريره القصيدة من كونها موضوعاً مهماً يتوقعه القارئ التقليدي، ذلك الذي يخاطبه موضحاً "أحيطك علماً أنك لست القارئ المستهدف/ ../ القصيدة تلك ليست دعوة للخيانة/ ليست مسماراً في جسد الكتابة اللين/ ليست طفلة سفاح تبحث عن دفء حضنك/ لكنها قصيدة، والسلام/ لا تحتمل الموضوعات التي تجول في ذهنك الآن!".

ومن جهة ثالثة، فإن آلية نشر "ديك الجن" قد حملت إشارات إضافية إلى تلك العناية بالفردانية، التي يتحراها الشاعر في كل كبيرة وصغيرة تخص تساؤلات مشروعه الشعري الرئيسة (ماذا يقول، كيف يقول، بأية صيغة، عبر أية وسيلة...)، فالديوان هو باكورة إصدارات سلسلة "كتاب ميريت الثقافية" (دار ميريت، القاهرة، يوليو 2021)، وهي سلسلة إبداعية تستهدف نشر إبداعات شعراء وكتاب مصريين وعرب، وتوزع رقمياً مع مجلة "ميريت الثقافية" الإلكترونية الشهرية، وورقياً، بسعر التكلفة، من خلال دار النشر وبعض المكتبات الأخرى، وذلك "استكمالاً لدور المجلة كمشروع ثقافي مجاني، يعمل به متطوعون، بهدف نشر الإبداع وتوصيله للقارئ عبر الوسائط الإلكترونية المتعددة"، وفق بيان دار النشر، فيما أشار الشاعر في منشور له إلى أن النسخ المطبوعة ورقياً لا تتجاوز مئة نسخة فقط، على نفقة المؤلف، وأن المقصود في الأساس هو تعميم تداول الديوان بالمجان بصيغة "بي دي أف".

تحطيم النخبوية

هذه الأمور الإجرائية تتخطى كونها إداريات وترتيبات شكلية، فهي لا يمكن فصلها عن مضمون قصائد الديوان، وطبيعة تجربة سمير درويش الشعرية ككل. إن ما يهدف إليه الشاعر هو تحطيم آخر ما تبقى من ظلال النخبوية الإبداعية على الأرض، ومحو آثار التعالي نهائياً من خريطة المشهد الثقافي، سواء في ما يتعلق بإتاحة المنتج الفني للمتلقي أينما كان، من دون أي مقابل أو عناء، وما يتصل بجوهر هذا المنتج الفني نفسه من حيث عناصره البسيطة ومفرداته القريبة من الذائقة، وهذا هو الأهم في طبيعة الحال "أفكر أن الشتاء لا يترك جدراني بسهولة/ الشتاء أليف كأنه صاحب بيت/ أفتح الشباك كي يزورني هواء الشارع/ لا أريد أن أسعل".

في هذا السياق، يمكن الاشتباك مع قصيدة النثر التي يكتبها سمير دوريش عموماً، ومع نصوص "ديك الجن" على وجه الخصوص، التي تعكس بشكل مباشر نظرته الناضجة إلى الكتابة الشعرية ومفهومها وغايتها وأثرها وعلاقتها التفاعلية بالمتلقي، ذلك الصديق الحميم الذي يقف مع المبدع فوق سطح واحد، ويشاركه انشغالاته ويومياته، وعذاباته وخساراته، في واقع صعب مزدحم، بات في حد ذاته أعقد الأزمات، وأخطر المواجهات "أنت تعرف أن قلبي ليس شارعاً/ وأنني لم أزرع زهرات في حياتي/ بعد أن أخذتني المدن وناسها والعمارات المتشابهة".

لا تتعدى قصائد "ديك الجن" مئة صفحة، فلا مجال للثقل والإثقال، ولو بزيادة عدد الصفحات على المطلوب. وإن تقليص النفقات هنا، إلى جانب وجهه الاقتصادي المنطقي في إعداد إصدار مجاني، له وجه جمالي كذلك تفصح عنه القصائد المقتصدة فنياً ولغوياً، بمعنى أنها تتخلى عن الحشو والزوائد، وتتحلل من الزينة والبهرجة وسائر وسائل الترف والرفاهية، بل إنها تتخلص من كل ما لا تحتاجه في البناء والتعبير، بما في ذلك عناوينها. فهي مجموعة مشاهد وتفاصيل تقتحم الأحداث، وتقتحمها الأحداث بغتة، من غير تمهيد ولا توطئة، ومن دون عناوين ولا براويز. كذلك، فإن عنوان الديوان نفسه لا يحمل إحالة تعسفية أو توجيهاً جبرياً إلى تأويل بعينه، كالتناص مثلاً أو التقاطع مع تجربة الشاعر العباسي "ديك الجن" (777م-850م)، المعروف عنه انهماكه في اللهو والملذات المادية والمباهج الحسية، حيث تكاد تمضي قصائد درويش في الاتجاه المعاكس، محتمية بالحقيقي والباقي والروحاني، حتى في تعاملها مع المرح والموسيقى والغناء والطعام والشراب. وهي تتآزر في تقشفها وبراءتها واكتفائها بذاتها مع الإخراج غير المتكلف للكتاب، والغلاف الهادئ الشجي الذي صممه أحمد اللباد، وبلوره فنياً عادل سميح "كان الضوء قليلاً بحيث لا نرى أحزاننا/ لكننا نعرف أننا حزانى لسبب لا نعرفه/ نعرف أننا خائفون".

الإقامة في القصيدة

يلغي الشاعر الحدود بين الكتابة (قصائد النثر)، ومواقف الحياة (النثارات اليومية)، ولذلك فإنه يحكي عن الشعر كثيراً، باعتباره عملية حيوية دائرية لا تخلو منها الأوقات جميعاً "تلك قصيدتي، التي لا يكتبها الفراغ، رغم أن مسافة فارغة ترقص في رأسي". كما أنه يستقي القصائد، في الأوقات جميعاً، من ثنايا المعايشات اللحظية الاعتيادية، التي يألفها كل أفراد المجتمع، ويصوغها أنفاساً سحرية بلغة دارجة، من مثل ما يجري على ألسنة البشر، ويتردد في قنوات الميديا ومواقع الإنترنت. وهي لغة ممسوسة بمبتكرات العصر الحديث، ومنجزات ثورة الاتصالات، وتقنيات العالم الرقمي، لكنها لا تستغني أبداً عن نبضها الإنساني، المفطور منذ الخميرة الأولى على تذوق العشق كغاية عليا "كيف أستخلص ملامح محبوبتي من أصوات السيارات، والأغنيات الشعبية، وماكينات الصرافة المعطلة دائماً، ومن الدماء التي تفترش خريطة الشرق؟".

وفي هذا المعترك الوعر الصخب، الذي يخوضه الشاعر على مدار رحلته، منذ مطلع الفجر إلى نهاية العمر، ووسط الخيوط المتشابكة والأصوات المتداخلة، والعلاقات الاستهلاكية التي لا تنتهي، يظل يسكنه هاجس خفي، بأنه سيبقى بخير ما دام وحده، صديقاً وفياً للأسى، وللصمت العميق. كذلك، فإنه يراوده في يقظته وفي كوابيسه أن الإفلات من المصير المأساوي المحتوم هو المستحيل، حتى ولو تم الاحتماء بالقصيدة، التي يسكن فيها دائماً، بوصفها المعنى الكامل للوجود الحاضن "ستكون القصائد محبوسة في الحاسوب، حين أشرع في الدخول إلى الموت، أو مرصوصة على رفوف المكتبة، وفي الخزانات المغلقة، التي تحميها من التراب، والبلى/ ستكون شاهدة على ما مر، لكنها عاجزة عن مد يد بدواء ما، ينتشلني من حتفي".

المزيد من ثقافة