Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نبيل سليمان يروي وقائع وغرائب بعيني حمار

"تحولات الإنسان الذهبي" تستعيد أحداثاً ووقائع تاريخية ومعاصرة على ضوء التراث العالمي

لوحة للرسام الفرنسي جيرار غاروست (صفحة الرسام - فيسبوك)

علاقة مغايرة مع التراث الديني والسردي والفلسفي يخوضها نبيل سليمان في روايته الجديدة "تحولات الإنسان الذهبي" الصادرة حديثاً عن دار "خطوط وظلال"، معتمداً لعبة تخييلية فريدة، ولغة روائية اشتغل عبرها الر وائي والناقد السوري على الذات والجسد في آنٍ واحد. وقد نهل من معين تراثي للسرد، تمثل في أدب الرحلة التي يقطعها بطل روايته كارم أسعد بين أنطاكيا وأزمير واللاذقية، وصولاً إلى الرقة والكويت والمغرب، ونتابع عبرها سردية متراكبة زمنياً ومكانياً على لسان حمار استحال إنساناً.

يقود هذا التحول بطل الرواية إلى النبش في مركزية الحمار في الفلسفة والحكمة والتاريخ والأحدوثة والمعاجم وكتب الأسفار. فكارم الذي يعتقد أنه كان حماراً في حياة سالفة يسعى إلى كتابة رواية عن الحمار، وقد حشد لذلك مخزوناً تراثياً وسحرياً وأدبياً لأقوام وشعوب متعددة على مدار ثلاثين عاماً من البحث المضني في بطون أمهات الكتب. فمن الكتب الدينية، مروراً بـ "كتاب الحيوان" للجاحظ ومعجم "لسان العرب" لابن منظور، وصولاً إلى عديد من الكتب والروايات والمسرحيات والأغاني والأفلام السينمائية التي تأتي على ذكر الحمار وسيرته.

مراجع تاريخية

وفي رأس من اقتدى بهم سليمان في روايته الجديدة هو القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي (939-994) صاحب الموسوعة الشاملة لأحوال عصره، وعنوانها "نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة" طامحاً إلى أن يكتب "موسوعة حمارية" تنظر إلى هذا العصر بعيني حمار. يقودنا السارد عبر عدة أصوات في الرواية إلى عجائب الإقامة والترحال، وقصص حبه التي تقاسمها مع أربع نساء على امتداد الرواية التي وصلت إلى (400 صفحة). تحضر هنا زلفى الفتاة التي أحبها عندما كان شاباً غريراً، وماتت بلدغة أفعى في جبال قريته الساحلية، والتي ستصبح فيما بعد - وعبر تقمص أرواح - هي ذاتها غنوة الشابة الناشطة في الحراك السوري 2011. وتولاي سيرجين المرأة التركية التي كان قد تعرف إليها عام 2006 في مؤتمر الرواية في الرقة السورية. وهي المدينة التي ستجمعه كذلك بأريام، المرأة التي فر زوجها إلى العراق كلاجئ سياسي، والتي ستكون علاقته بها سبباً لمغادرته الرقة عاجلاً بعد افتضاح أمرهما، وغليان رؤوس أفراد عشيرتها ذوداً عن الشرف والعرض. وأخيراً لوزية الأرملة الأربعينية التي ستنقطع علاقته بها بعد عودة أخيها حامد، رجل الأمن من دمشق برفقة عائلته، وحيلولةه بين لوزية وكارم الذي سيتعرض لمضايقة حامد، وهجومه في ما بعد على بيته، وتخريب أثاثه ومكتبته وصوره ولوحاته التي تختص بالحمير ورساميهم.

 

الحدث الذي واجهه الروائي السوري شخصياً في صيف 2011، حين هاجمته في منزله الريفي زمرة من شباب القرية الذين ربما لم يقرأ واحدهم له حرفاً، وربما كان قد علم آباءهم في مدرسة القرية قبل قرابة نصف قرن، فدمرت الزمرة سيارته وسور البيت ونوافذه وعرائشه، وذلك احتجاجاً على مشاركة سليمان وقتها في ملتقى "سميراميس" للمعارضة السورية، أو رداً على مقالة أو اثنتين، وتوقيعه على بيانين في الحراك السوري.

أسماء ووقائع

النزعة السيرية واضحة في معالم "تحولات الإنسان الذهبي" ومنعرجاتها، وفيها يورد السارد أسماء حقيقية، ولقاءات جمعته بعبدالسلام العجيلي، والطيب صالح، ومؤنس الرزاز، وأحمد رجب، ونادية لطفي، إذ تسير رحلة السارد عبر أربعة فصول، ومن دون أن يستدعي التقمص إشارة دينية باطنية، بل أسهم اختيار سليمان لهذا التحول في اجتراح آفاق جديدة للعب بزمن الرواية، وللتعبير عن وحدة الوجود، وعن فكرة الخلود، وعن علاقة مختلفة بالجسد والروح، والتماهي بين المخيلة والواقع. وهذا كله جعل من صوت راوي سليمان مصراً على كتم طبيعته "الحميرية" والنظر بعين السخرية والتهكم إلى مآسي البشر وحروبهم ونزاعاتهم، والتي يعبرها سليمان برشاقة عبر سردية تنقلت بين هزيمة حزيران 1967، ورحيل جمال عبدالناصر، وصولاً إلى تسلم حزب البعث للسلطة في سورية، ورحيل حافظ الأسد إلى ما يطلق عليه الروائي تسميات متشابهة كعناوين لفصول روايته، على شفا زلزال، على شفا الزلزال، وزمن الزلزال. وجميعها تقاطعت مع تسميات وتصنيفات كان الروائي سليمان نفسه قد أطلقها على الأحداث التي وقعت في بلاده في أكثر من لقاء، وفي أكثر من مناسبة.

 

يفجر صاحب "مدارات الشرق" في سرديته الأحدث، مخيلة روائية خصبة، بات فيها للصورة الروائية المفردة أو البسيطة تركيب آخر، كأن يتفاعل الروائي مع استثمار المكنون الصوري التراثي والسردي والشفوي والشعبي للحمار. فابتدع جديده الرمزي لهذا الكائن، محققاً بذلك نصاً موازياً لأبحاثه واشتغالاته النقدية التي كان قد عمل عليها في كتابه النقدي "الكتابة والاستجابة" (دار الحوار، 2019) الذي شرح فيه مفاهيم من قبيل العجيب والغريب والخارق في الرواية العربية، مميزاً بين كل منها، ومفنداً ذلك باعتماده على النظرية الأدبية للفيلسوف الفرنسي - البلغاري تزفيتان تودوروف (1939-2017) في كتابه الشهير "مدخل إلى الأدب الغرائبي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رواية تمور بأحداثها ووقائعها ومسرودها الذي يؤلف تناصاً سلساً مع كتب ومراجع ومصادر متنوعة وكثيفة لا تنتهي بسيرة الحمار السوداني في كتاب "الجامع المسبوك بين الساسة والديوك" لمؤلفه كامل إبراهيم حسن، ولا بحمار نيتشه في فصل "عيد حمار" من كتاب "هكذا تكلم زارادشت"، أو حمار الشاعر سليم بركات في ديوانه "بالشباك ذاتها بالثعالب التي تقود الريح"، بل تخوض "تحولات الإنسان الذهبي" في مقاربات ما وراء الطبيعة، ناهلة من مناكفة سردية مع رواية "تحولات الجحش الذهبي" للكاتب الأمازيغي لوكيوس أبوليوس (125-170) التي تعدد ألقاباً وصفات وأسماء لا تحصى للحمار.

تأويل لغوي

ولا يبخل الكاتب على قارئه في تعداد أسماء الحمار وصفاته وألقابه فيقول "أنا حمران، وحمير، وحمار. أنا الهنبر، الكسم، اللكع، الأعر. الجليد، الهمهيم، العكموس. أنا الفنان وأبو زياد، وأبو نافع، وأبو صابر. أنا التولب والعير، والناهق الذي ينهق وينهق نهقاً ونهيقاً ونهاقاً. أنا من تسمى باسمي الصحابي عياض ابن حمار، والصحابي سهيل ابن حمار، والصحابي حمير ابن عدي. والصحابي حمير ابن أشجع، والشاعر يزيد ابن حمار، والشاعر مالك ابن حمار، والشاعر معقر ابن حمار، وأنا جحش الإذاعة محمد عبدالمطلب، وحمار الإذاعة صالح عبدالحي. وأما من ستكون حرمي المصون، فستكون أم تولب وأم جحش وأم نافع وأم وهب" (ص267).

ولكن لماذا بخل "لسان العرب" بأسماء الحمار بينما أكرم الحمار؟ سؤال يسوقه الروائي على لسان شخصيته الرئيسة، والتي تروي بضميري المتكلم والغائب، أحداثاً لا تهدأ حتى تعود وتضطرم، بينما لا يلتزم الكاتب بمسافة مع المبالغة الكاريكاتيرية، أو اللامعقول، متجاوزاً ذلك إلى الأفعال التي تصعد بالواقع والمنطق في مواضع عديدة من الرواية، والتي تنهل من الواقع، لكنها تزيد من أسطوريته. وهكذا نكون أمام أثر أدبي يتحرر من الأنماط التقليدية للسرد، والاعتماد على إطلاق سراح الخيال، والمضي في إعادة ابتكار الواقع، وجعله صنواً لعالم الأحلام التي تجيز للروائي مقارنة حياة البشر بحياة الحمير.

يورد صاحب "تاريخ العيون المطفأة" هوامش لروايته التي أكثر منها في شرح مصادره ومراجعه، إضافة لهوامش تختص بشرح أو توضيح عن شخصيات روايته، وطبائعهم ومذاهبهم السياسية، وأحلامهم المهدورة. ومنهم شخصية الدكتورة المصرية منصورة علوان زوجة غالي لبلابي صديق كارم، وشخصية أصلان ابن لواء إسكندرونة، الرجل المعارض للنظام التركي، وشخصيات عديدة أخرى يروي سليمان على ألسنتها أحداث روايته، مستعيداً أزمنة وأمكنة ومنامات يتواشج فيها المرئي باللا مرئي، والمتخيل بالواقعي. يسري الراوي من مطار صبيحة التركي إلى مهرجان بني عمار في المغرب، طاوياً الزمن بجلاء بصيرة، وقدرة على استقراء ما سيأتي من أحداث سياسية ضاربة، فبعد أن ناقش سليمان في رواياته السابقة المشاريع الكبرى للقرن الـ 20 في العالم العربي (الشيوعي والقومي العربي والبعثي والناصري والإسلامي والقومي السوري)، يطل عليها الكاتب هذه المرة من زاوية نظر مختلفة، مدفوعاً بكل قراءته وتأملاته التي كانت قد تركزت في النصف الأول من القرن الـ 20، وبأسئلة النصف الثاني منه، ومما عاشه الروائي، ومما حفل به من أسئلة المستقبل، ومما حلم بأن يعيشه.

أسئلة الكتابة بالنسبة لصاحب "سمر الليالي" ظلت هي أسئلة الرواية بخاصة، وهي أسئلة الهزائم الشخصية العميقة، وأسئلة السياسة والأحزاب والديكتاتوريات والنخب المعطلة. أسئلة الحب والجنس ربما، وهذا ما يجعل من "تحولات الإنسان الذهبي" جسراً بين ثلاث مراحل من عمل الروائي والناقد السوري الذي انبرى منذ نصف قرن لتقديم أجوبة مختلفة ومدهشة عن واقع بلاده، وأزماتها المتلاحقة.

المزيد من ثقافة