Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مواقع التواصل الاجتماعي تسقط في اختبار "المسؤولية الأخلاقية"

تبدو معايير السوشيال ميديا وقوانينها عاجزة عن وقف شلال الكراهية والعنصرية المنتشر عبر التدوينات والتعليقات والإيموجيز

تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة لممارسة التنمر الإلكتروني ونشر الأفكار المضرة والمسيئة (مواقع التواصل)

تبدو "الأخلاقيات الإلكترونية" حازمة جداً وصارمة حينما نقرأها على أجهزتنا اللوحية، لكن على أرض الواقع يظهر الخلل الشاهق في التطبيق، فحينما يكتب أحدهم تدوينة ساخرة مضحكة عن موضوع عادي تقابل تدوينته بالحذف، بينما آخرون يقهقهون ليلاً ونهاراً تعليقاً على مصائب وأزمات ووفيات ومذابح، لكن تلك الضحكات تمر، وكأن الخوارزميات بذكائها الاصطناعي والموظفون بذكائهم الطبيعي يوافقون على نشر كل تلك الكراهية "والشماتة" في المآسي بأنحاء الفضاء الإلكتروني!

تغرق السوشيال ميديا في بحر من التنمر والعنصرية والسخرية على رغم المطولات التي تحدد قواعد مجتمعها، بخاصة "فيسبوك" الذي وضع شروطاً تبدو للوهلة الأولى حازمة للغاية لتنظيم استخدامه، حتى ينعم المشتركون بالحياة الافتراضية المثالية، بينما غير الملتزمين منهم يحرمون من هذا العالم أياماً أو أسابيع أو شهوراً، ويبقون محظورين بسبب تلك السياسة التي تكيل بمكيالين و23 أيضاً.

جهاد الـ"ها ها ها"

من أبرز الأمثلة هنا ما يسمى اصطلاحاً بين مجتمع الفيسبوكيين بجهاد الإيموجي، إذ جرت العادة بأن هناك فئة من رواد السوشيال ميديا تنظم نفسها وتطلق ملايين من الإيموجي "الصور التعبيرية" المتفق عليها وفقاً لخريطتها الأخلاقية، وهو أمر يبدو واضحاً للغاية في أخبار الوفيات، إذ حظيت مثلاً منشورات وفاة الكاتبة المصرية نوال السعداوي عبر "فيسبوك" بآلاف التعبيرات المضحكة والمتمثلة في الصورة التعبيرية المسماة بين المستخدمين "ها ها ها"، من بعض التيارات التي كانت ترفض أفكارها، إذ يعتبرون أن هذا الإيموجي الساخر وسيلتهم للتعبير عن آرائهم في إنتاج الراحلة الفكري.

ومثلها أيضاً التعليقات المتمنية مزيداً من المصائب لدول معينة تعاني حرائق أو فيضانات أو زلازل وغيرها من الكوارث الطبيعية، إذ يرون أن هذا غضب من الخالق على بلدان من وجهة نظرهم تحاربهم وتحارب معتقداتهم، وأيضاً تعبيرات "الغضب" التي تأتي مباشرة على أي منشور إيجابي يشيد بشخصية ما تعتبر مكروهة في هذا المجتمع، فمن يحترفون تلك التعليقات لديهم طرقهم في التحايل على شروط وقواعد المنصة والقفز على خوارزمياتها، بالتالي يعرفون كيف يفلتون من "العقاب" والحظر.

تشرح لبنى خيري أستاذ الإعلام الأمر منذ البداية بتأكيد أن الإيموجي "صورة مصغرة تستخدم للتعبير عن وجهة نظر ما بشكل مختصر بدلاً من الكتابة سواء عن الحزن أو التعاطف أو الضحك، ولها استخدامات شخصية كثيرة"، وتتابع "ما يحدد الاستخدام هو الموقف والثقافة وسلوك المتلقي، وفي ما يتعلق بشروط مجتمع السوشيال ميديا فلا يحاسب عليها المستخدم إذا كانت عبارة عن رد فعل مشتق من علامة الإعجاب الشهيرة، لكن في حال التعليق الكلامي الواضح المستقل الذي يحض على الكراهية والشر والتنمر هنا يمكن حظر صاحبها، أو في حالات أخرى تكون هناك مساءلة قانونية إذا ما تمادى المتضرر في إجراءاته".

وتضرب خيري مثالاً بمنشور يتعلق بحادثة مرورية على الطريق خلف ضحايا كثراً، فهنا يبدو رد الفعل الضاحك مستهجناً للغاية، لكن قد يبرر صاحبه استعمال هذه الصورة التعبيرية بأنه يعبر عن وجهة نظره في أن هذه النتيجة المتوقعة في ظل تردي أوضاع الطرقات على سبيل المثال ونتيجة طبيعية للاستهتار، بالتالي فالدلالة القوية والأكثر حسماً ومباشرة تكون للكلمة والتعبير اللفظي الواضح.

أخلاقيات "فيسبوك" الـ"مطاطة"

وبعيداً من الكلمات المعروفة التي تعاقب عليها منصات السوشيال ميديا مثل "تويتر" و"فيسبوك" اللذين "عرفهما الجمهور عام 2006" بشكل مباشر والمتعلقة بالقتل والانتحار، وتلك التي تتحدث عن الجماعات الإرهابية والفيديوهات الدموية، تبدو معايير مواقع التواصل الاجتماعي عاجزة عن وقف شلال الكراهية المنتشر عبر التدوينات والتعليقات والإيموجيز، أما عبر "تويتر" مثلاً فتبدو شروط التفاعل والنشاط على الموقع تحمل تضييقاً إضافياً.


لكن في النهاية هناك من يجيد تجاوز كل تلك الممنوعات، فنظام التغريد يتضمن كثيراً من المحاذير، بينها أمور تتعلق بالملكية الفكرية، ونشر معلومات عن طريق القرصنة، والفيديوهات الإباحية والعنيفة والترويج لأنشطة غير مشروعة، حتى الأسماء المسيئة في ما يتعلق بحسابات المستخدمين، وكذلك منع المنشورات التي تحض على الكراهية والعنصرية، سواء لأسباب دينية أو عرقية، والسخرية من المرض والتقدم في العمر، واستعمال الشارة الزرقاء الموثقة بشكل مزيف "بعكس ما يجري في ’فيسبوك‘ المليء بحسابات موثقة بشكل غير شرعي".

ورغم ذلك تبدو مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام ساحة واسعة لممارسة التنمر الإلكتروني ونشر الأفكار المضرة والمسيئة، والسخرية السوداء حتى في أحلك الظروف، فالممثلة نادين الراسي تتعرض لحملة مستمرة من التهكم والانتقادات والتنمر منذ ظهورها الأول بعد وفاة شقيقها المغني جورج الراسي في حادثة سير مروعة، لم يهدأ المعلقون الذين يبدون ضيقهم من ملابسها التي يجدونها من وجهة نظرهم لا تليق بمراسم العزاء والجنازة، ويطلقون التعليقات الضاحكة والكوميكس التي تشكك في صدقية حزنها على أخيها، وبالطبع عشرات الآلاف من الوجوه الساخرة على أي خبر أو صورة من الحدث، فالقواعد المجتمعية في الحياة الطبيعية لا تزال حتى الآن جادة في ما يتعلق بطريقة التعامل في الوفيات والكوارث، فالضحك ممنوع والسخرية من المصيبة في حضور المبتلين بها أمر لا يغتفر، بينما إلكترونياً الاستباحة هي الأساس كما هو واضح.

الإعلانات أولاً

وقبل عامين تعرض مارك زوكربيرغ مؤسس "فيسبوك" ورئيس الشركة التنفيذي لانتقادات بسبب عدم اتخاذ المنصة أي إجراءات ضد الصفحات التي كانت تحرض على العنف في مقاطعة كينوشا الأميركية، إذ ظل من يديرون تلك الصفحات يدعون الجماهير إلى حمل السلاح حتى وقعت حوادث إطلاق نار راح ضحيتها الأبرياء.

وفي شهادته أمام اللجنة القانونية بمجلس الشيوخ الأميركي استخف زوكربيرغ بالاتهامات، ووصف ما حدث بأنه مجرد "خطأ تشغيلي"! مؤكداً أن بعض الموظفين لم يتدربوا بما يكفي على كيفية التعامل مع صفحات الميليشيات، لأن مناهضة تلك الجماعات كانت تعتبر أمراً جديداً آنذاك بالنسبة إليهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التبرير الضعيف لم يبد مقنعاً فكيف لم يلتفت شخص واحد من بين 50 ألف موظف بالشركة لما يجري، وهو ما تفسره لبنى خيري بتأكيد أن شركة "فيسبوك" أعلنتها بشكل صريح بأنهم "مؤسسة تكنولوجية وليسوا جهة لصناعة المحتوى"، وذلك للتملص من أية مسؤولية أخلاقية، لافتة إلى أن مسؤوليها يعتبرون أنهم ينشئون منصات تكنولوجية بغرض أن يستخدمها الجمهور، بالتالي فالمحتوى يخص المستخدمين أنفسهم، لكنهم من باب المسؤولية المجتمعية ولتأمين أنفسهم، وضعوا بعض السياسات المحددة المنوط بالجمهور استخدامها، فهم يتركون للأشخاص القرار عن طريق خاصية الإبلاغ.

وتلفت خيري النظر إلى أن المؤسسة "لا تهتم فقط سوى بمراقبة الإعلانات التجارية عن كثب، بينما على المشتركين أن يحموا أنفسهم من أي محتوى يجدونه ضاراً ومسيئاً"، وهو أمر بالطبع ينطبق على كل المفاهيم السلبية التي يجري الترويج لها وممارستها علانية.

وعلى رغم أن المعايير "المكتوبة" تبدو إيجابية وواضحة ومبشرة، لكن التطبيق يصطدم بعوائق لا تنتهي، بخاصة في ظل وجود طرق كثيرة للتلاعب، فمثلاً تبدو ممارسة العنصرية أمراً مستهجناً للغاية في كل المجتمعات، بخاصة أن محدداتها واضحة إلى حد ما، فهي تتعلق بسلوك يقلل من شأن الآخر وفقاً للون بشرته أو عرقه أو أصوله أو دينه، ويندرج تحتها التعنيف والمضايقة والترهيب وفقاً لتلك الصفات، فيما التنمر الأكثر انتشاراً في المجتمع الإلكتروني والواقعي يتعلق عادة بممارسة سلوك بصفة دائمة ومتواترة ضد الشخص والسخرية منه بطريقة عدائية سواء بسبب مظهره أو قوامه أو ملامحه أو مستواه الاجتماعي، ومن أشهر الأمثلة هنا ما يحدث من مجموعة من الأطفال في المدارس ضد زميل لهم، مما يجعله منعزلاً وقليل الثقة في نفسه، وهي تصرفات يترتب عليها كثير من السلبيات تؤثر بشدة في نفسية المتنمر عليه ويكون وقعه أشرس إلكترونياً، نظراً إلى إمكانيات مشاركة آلاف المستخدمين دفعة واحدة في هذا الفعل.

ثغرات وتبريرات

ترى لبنى خيري أستاذ الإعلام أن الارتباك هنا يأتي من أن أخلاقيات مواقع التواصل الاجتماعي تبدو "وافية جداً للوهلة الأولى"، لكنها في الحقيقة "مطاطة"، فهي إجمالاً تنص على أن المستخدم العادي "يجب أن يعبر عن رأيه باحترام من دون توجيه السباب والألفاظ الجارحة والنابية التي لا يختلف عليها أحد، ضاربة المثل بتعبير (هذا شخص متخلف)". معتبرة أن هذا الوصف عليه جدل، مشيرة إلى أنه عند الإبلاغ عنه بأنه مسيء قد يأتي التبرير من كاتبه أنه لا يقصد الإعاقة، لكنه يقصد الرجعية والعيش في عصر قديم، وتتابع "لكن تعبيرات مثل نصاب أو مختلس فهي ألفاظ لا لبس فيها، فاللفظ الذي لا يختلف عليه اثنان هو الذي يمكن للمتضرر منه أخذ حقه قانونياً من دون أن يخضع الأمر للتفسيرات".


نماذج التعرض للابتزاز والتنمر الإلكتروني تكررت خلال الفترة الأخرى، إذ تطورت في بعض الأوقات إلى جرائم وأدت إلى حوادث انتحار، فيما نجح آخرون في الحصول على حقهم قانونياً، وقد جرى تناول ذلك المفهوم بالدراسة الأكاديمية أخيراً في عدة أبحاث ودراسات، وبينها دراسة بعنوان "استخدام المراهقين لمواقع التواصل الاجتماعي وإدراكهم لأضرار التنمر الإلكتروني" لأسامة محمد عبدالرحمن الأستاذ بمعهد الإسكندرية العالي للإعلام بقسم العلاقات العامة والإعلان، وكان مجتمع العينة بها مجموعة من المراهقين في عام 2020.
ومن أبرز ما خلصت إليه الدراسة أن المشاركين يعتبرون أن أضرار التنمر الإلكتروني التي يرونها أكثر انتشاراً هي التشهير بالآخرين والسخرية منهم، عن طريق صفحات تستخدم كمنصات للتنمر، ونشر الفضائح بسبب الحقد والغيرة والتنافس غير الشريف، إذاً فانتشار تلك الأفعال وتوغلها في المجتمع يؤكد ضرورة التوعية القانونية والأسرية في المقام الأول.

شروط العقاب

وفي ما يتعلق بمحددات تعبيرات مثل العنصرية والتنمر والكراهية، تقول أستاذ الإعلام لبنى خيري إنها مسميات بالنسبة إلى المنصات "مبهمة للغاية"، مشيرة إلى أن حتى الشرح التفصيلي المطول الذي يضعه "فيسبوك" و"تويتر" في شروط الاستخدام باعتبارهما أكثر حزماً في تلك الأمور من "إنستغرام"، "لا يفرق بينها بشكل حاسم".

وتابعت خيري "الأمر كله يتوقف على التفسير للرسالة التي قد تكون بالنسبة إلى بعض إهانة أو عنصرية، فتلك المفاهيم ليست موحدة، لأن الإشكالية تأتي من التبرير، فبعضهم يعتبر تلك الكلمات مجرد رأي ووجهة نظر، طالما التعبير المستخدم ليس متعارفاً عليه بشكل واضح ومصنف على أنه عنصري، فقد يقول صاحبه عنه إنه مجرد وصف حالة، مثلا كلمة (زنجي) معروف أنها تستخدم للدلالة على العنصرية، لكن بعضهم قد يستخدم بديل لها مثل (مجتمع السود) في جملة ما فتعطي معنى عنصرياً، لكن مع ذلك لا تصنف عنصرية بل يعتبرها صاحبها مجرد وصف، بالتالي حينما يقوم أحدهم بعمل إبلاغ حول تدوين أو تعليق معين، يجب أن يكون مرفقاً بشرح لوجهة النظر التي تحدد الإساءة وفقاً للسياق، لأن التحديد متروك للتفسير وللشعور الذي وصل إلى المعنيين".

وتختتم لبنى خيري عضو لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة كلامها بتأكيد أن هناك قواعد أخلاقية للتعامل على السوشيال ميديا، وتشير إلى أن المجلس القومي للمرأة "قدم ما يعرف بكود الاستخدام الآمن للمرأة، وهو يتضمن تفاصيل كثيرة لتوعية النساء وحمايتهم من الابتزاز والتنمر والإساءة وسرقة المعلومات والصور الشخصية، وكل ما له علاقة بالجرائم الإلكترونية".

لكن في ما يتعلق بمفاهيم مثل التنمر والتعصب وخطاب الكراهية فهي غير جازمة، وهي تحدد وفقاً لإيحاء التعبير في كل مجتمع وفي كل ثقافة، منوهة إلى أن الشخص حينما يقرأ تدوينة وهو في حال نفسية معينة يختلف تفسيره لها حينما يكون أكثر هدوءاً، بالتالي يجب أن تكون الكلمات واضحة، ففكرة أن الإيموجي المستخدم غير لائق لا يمكن الإمساك بها واتخاذ قرار عقابي بناء عليها.