Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جعفر بناهي يحلق في البندقية رغم سجنه في إيران

"لا دببة" فيلم عن التعذيب والهروب يتخطى حدود الواقع والتخييل

جعفر بناهي أمام الكاميرا وخلفها في الفيلم (ملف الفيلم)

يحتاج الفن إلى خصم، لا بل إلى عدو أحياناً، هناك من يبحث عن ذلك العدو كي يستمر وينتعش فنياً، وهناك من لا يجد حلاً إلا في اختراع العدو. عدو المخرج الإيراني جعفر بناهي جاهز لا يحتاج لا إلى بحث ولا إلى اختراع، إنه النظام الإيراني الذي يعيش ويعمل بناهي في كنفه منذ سنوات، الذي طارده واضطهده ومنعه من العمل، وسجنه وصادر حريته وحقه في السفر، ومع ذلك كان بناهي يجد دائماً وسيلة لصناعة أفلامه ومواصلة الشيء الوحيد الذي يجيده في الحياة، الرواية بالكاميرا. في السنوات الأخيرة وتحديداً منذ 12 عاماً، تاريخ بداية الاضطهاد، تحول هذا العدو إلى موضوع أفلامه وشغله الشاغل، منه يستمد قوة وإلهاماً لتقديم أفلام استعارية عن الظلم والقمع والتضييق على الحرية، في إيران التي تحولت سجناً كبيراً، وظف بناهي العداوة والاضطهاد والظلم لمصلحته، ولا يوجد أحد مثله في جعل النقمة السياسية نعمةً سينمائية، عدم القدرة على صناعة سينما بات موضوع أفلامه وأتاح له صناعة سينما.  

سينمائي السجن

في يوليو (تموز) الماضي، حكم على بناهي بست سنوات سجن، وبعد مرور نحو شهرين ها إن فيلمه الجديد "لا دببة" يعرض في مهرجان البندقية السينمائي الحالي، وقد شاهدناه أمس من ضمن آخر عروض المسابقة، بناهي خلف القضبان في إيران، لكن أفكاره تحلق في "الموسترا" بلا رقيب أو حسيب، جرياً للعادة، تركت إدارة المهرجان كرسياً شاغراً خلال العرض الرسمي للفيلم تضامناً مع السينمائي البالغ من العمر 62 سنة، وكان المهرجان نظم قبيل العرض وقفة احتجاجية على السجادة الحمراء، شارك فيها زهاء 100 شخصية سينمائية، من بينها مدير المهرجان ألبرتو باربيرا، ورئيسة لجنة التحكيم جوليان مور، رفع المحتجون في الوقفة لافتات تدعو إلى الإفراج عن بناهي، لكن المهرجانات في واد والملالي الذين يعتبرون كل سينمائي مستقل غير خاضع لسلطتهم مجرماً، كما قال بناهي في مقابلة، في وادٍ آخر. 

بعيداً من كل هذه التجاذبات يمكن القول إن "لا دببة" هو من أفضل أفلام بناهي في السنوات الماضية، مشاهدته بددت القلق الذي كان يشعر به كثيرون، إذ ساد خوف من أن يكون اختياره من باب التضامن السياسي والإنساني فحسب، فتبين أن بناهي عاد إلى فنه، عمله هذا فيه شيء صادق وحقيقي يعبر عن حالة المخرج، ويظهر إلى العلن منذ المشاهد الأولى، لكن الصدق ليس وحده ما يجعل الفيلم الأفضل له منذ زمن طويل، فهناك السيناريو والإخراج اللذان عرف بناهي كيف يتقنهما هذه المرة خلافاً للمرات الماضية، فهو اشتغل بطريقة متهافتة تحت ضغط الحاجة إلى التعبير. و على رغم هذا الصدق وذاك الإتقان يبقى سر الفيلم في قدرته، وقدرة السينما الإيرانية عموماً على التعبير عن الحالة السياسية التي يعيشها الإنسان الإيراني بلغة غاية في الشفافية تختبئ خلف الاستعارة، وهذا ما صنع عبر التاريخ أهمية هذه السينما التي استطاعت أن تعيش وتنمو في بيئة رقابية صارمة، تمنع الحديث عن الأشياء مباشرة. هذا ما دفع بناهي وغيره إلى البحث عن بدائل لا يفهمها “أغبياء الرقابة”، كما كان يقول يوسف شاهين. 

اضطهاد شامل

في "لا دببة" نرى بناهي الذي جعله اضطهاد النظام له بطل أفلامه، يقيم في قرية نائية بعيدة من كل مظاهر التحضر، تقع القرية على الحدود مع تركيا، وهو قرر أن يلجأ إليها لكونها على منأى من أعين الشرطة ورجال الأمن. من هناك، يتابع بناهي تصوير فيلم عبر الـ"زوم" ويمد فريق عمله بالتعليمات، والفيلم الذي يصوره هو حكاية سجينين سابقين تعرضتا للتعذيب، وهما الآن تحاولان الخروج من إيران بجوازات سفر أوروبية مسروقة من أصحابها، هذه هي القصة الأولى التي تتطور بالتوازي مع القصة الثانية ومسرحها القرية التي يقيم فيها شاب وفتاة يحب أحدهما الآخر، يحاولان الفرار من زواج مدبر، لكن أهالي القرية الغارقة في الخرافات والجهل يعلمون ذات يوم أن المخرج الذي يختبئ في ربوعهم، التقط صورة للحبيبين وهما تحت شجرة، فيطالبونه بالصورة التي تثبت اللقاءات بينهما، ترى هل يعطي بناهي الصورة إلى ناس يؤمنون بعادات وتقاليد بالية؟ من مثل أن البنت عند ولادتها تكون محجوزة لأحد أقاربها، ولا أحد غيره يمكن أن يقترن بها؟ 

الفيلم يحمل أفكاراً كثيرة ومتداخلة، ويتطرق إلى مسألة الحدود بين الأشياء، والحدود بين البلدان، وبين التقاليد والجهل، وبين الواقع والخيال. والخيال هو الموضوع الأعز على قلب السينما الإيرانية وتحديداً على بناهي وكيارستمي وأفلامهما التي تشعرنا في لحظة أو في أخرى بأننا داخل سينما نشاهد فيلماً ولسنا في الواقع نفسه. والقرية التي تقع على حدود إيران، تحولت بسبب جغرافيتها وتراجع المحصول الزراعي وانعدام الفائدة التي كانت تدرها سابقاً على المزارعين إلى بؤرة للتهريب والأعمال غير الشرعية والفساد، في هذه البيئة يرتب بناهي أحداث فيلمه هذا واضعاً نفسه في قلبها كشاهد متأملاً عمل السينمائي ووظيفته، مخربطاً الأجواء ومعكراً صفاء العيش المزعوم أينما حل بكاميراه التي تغدو شيطاناً في نظر الآخرين، وبهذا المعنى، الصورة التي يلتقطها والتي تحمل دلالات معينة رمزية بامتياز يريد الجميع انتزاعها منه، أي إنهم لا يريدونه أن يرى وأن يشهد، يريدونه شاهد زور على الواقعة وهذا تماماً ما تطلبه منه السلطات الإيرانية التي يعيش تحتها. ولهذا يبقى كثير من المآسي التي تحدث في الفيلم خارج الكادر غيابها يعزز حضورها، ومع هذا يأتينا بناهي بدرس في الحياء السينمائي، حيث أحياناً القليل يعني الكثير. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بناهي في "لا دببة" شخصية خيالية وهو أيضاً المخرج الذي نعرفه في آن. الكاريكاتور مزيج من كليهما، ويقدمه الفيلم بوصفه شخصاً يحارب على كل الجبهات، ليكون شاهداً على ما يدور من حوله، وعليه أن يتعامل بشكل يومي مع عقبات أخلاقية وسياسية لينقل الواقع، بيد أن أكثر ما يثير الاعجاب في بناهي هو سينماه الهادئة، على رغم الظروف التي يعيش فيها، فكل شيء يبدو محاصراً جغرافياً ومعنوياً وسياسياً، يحافظ الرجل على برودة أعصاب ولا ينجر خلف سينما نضالية سهلة، بل يواصل تقديم قصص بتفاصيل كثيرة موحية ولماحة ودالة في وقت واحد.

المزيد من سينما