Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زمن الحرب... العمل قبل التعليم في سوريا

تسرب زهاء مليوني طفل والحياة المعيشية وغلاء تكاليف الدراسة زادت الأمر سوءاً

أبعدت نار المعارك في سوريا قرابة 2.4 مليون طفل عن التعليم (اندبندنت عربية)

بين متثاقلة ومسرعة، خطا التلاميذ والطلاب السوريون في الرابع من سبتمبر (أيلول) أولى خطواتهم نحو مدارسهم، مع انطلاق العام الدراسي الجديد، الذي ينكأ جراح التعليم في البلاد بعد عقد من زمن الصراع الداخلي المستعر إلى اليوم.

ثلاثة ملايين وستمئة ألف تلميذ وطالب توجهوا إلى مقاعد الدراسة، وفق ما أعلنت عنه وزارة التربية، وهذا الرقم يتوزع على مدارس تقع تحت سيطرة السلطة، بينما ينتهي العام الدراسي في النصف الثاني من مايو (أيار) عام 2023 المقبل.

انطلاق العملية التعليمية في بلاد أوجعتها الحروب والمعارك الطاحنة، بعد أن أزهقت الأرواح وشردت الملايين لينتقلوا كنازحين إلى العيش بخيام إثر دمار أصاب البيوت، يواجه صعوبات منها تصدع المرافق التعليمية، وتشي إحصائيات للمنظمة العالمية "اليونيسف" عن خروج مدرسة واحدة من أصل ثلاث مدارس عن الخدمة بسبب الصراع.

يعد البناء المدرسي وتجهيزه أبرز تحديات التعليم، حيث بلغ عدد الأبنية المدرسية غير المستثمرة ما يناهز 8700، منها ما يفوق 450 بناءً متضرراً بشكل كلي، وفق ما أعلنه وزير التربية دارم طباع.

وقال طباع "نعمل على تأهيل 400 بناء مدرسياً خلال العام المقبل لاستثمارها ضمن العملية التربوية بهدف استيعاب التلاميذ والطلاب والتخفيف من الكثافة الصفية وأعباء الوصول إلى المدارس".

مخاطر موجعة

بدا اليوم الأول اعتيادياً لدى العائلة السورية، فأغلب الأطفال يتجهون إلى مقاعد الدراسة في تلك المناطق الآمنة، التي توقفت بها لظى الحرب، بينما أبعدت نار المعارك قرابة 2.4 مليون طفل عن التعليم، بحسب إحصائيات أممية، منهم 40 في المئة من الفتيات، كما خلفت مخاطر تتهدد الأطفال والناس العائدين إلى قراهم وبيوتهم.

لعل ما عكر اليوم الأول، بحسب معلومات وردت لـ"اندبندنت عربية"، إصابة ثلاثة أطفال على الأقل بسبب انفجار لغم أرضي في مدينة القصير، الواقعة بريف حمص الجنوبي وسط البلاد، وهي منطقة آمنة توقف فيها الصراع المسلح.

الآباء يضرسون

يتوق أرباب الأسر السورية إلى تقديم كل ما يلزم لفلذات أكبادهم، سعياً منهم لنجاحهم وتوفير ما يحتاجون إليه، لكن المثل الشعبي "العين بصيرة واليد قصيرة"، في تعبير عن ضيق ذات يد أولياء التلاميذ، الذين بالمقابل يرسلونهم بعد أن تكبدوا أعباء مالية طائلة، أحد الآباء لديه أربعة أولاد في مراحل عمرية متفاوتة اقترض ما يقرب 200 دولار لتجهيز أطفاله بالملابس والكتب المدرسية اللازمة.

 

لعل الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي قد أثر منذ اندلاع الحرب على الآباء، وباتت المصاريف في كل عام تزداد مع التضخم الحاصل، ولا سيما تدني القوة الشرائية، علاوة عن ارتفاع ثمن الكتب هذا العام للضعف بعد أن كانت شبه مجانية.

بالمقابل، يعزو المدرس جلال الأيوبي ارتفاع تكاليف ومصاريف الدراسة لأسباب مالية صعبة، لكن الحكومة باعتقاده قد وضعت في حسبانها توفير قرض مالي بقيمة 500 ألف ليرة للقرطاسية.

وثمة تخفيضات وحسومات في صالات السورية للتجارة (التجزئة) سابقاً، وهي مؤسسة حكومية تسعى لمنافسة القطاع الخاص وتجهد لخفض ارتفاع الأسعار في الأسواق والآخذة بالارتفاع، منها المواد الغذائية والاستهلاكية بحيث وضعت بيع القرطاسية بأسعار مخفضة.

زهور في سوق العمل

إزاء هذا الواقع المتردي للحياة المعيشية، يلمس السوريون مفارقة شاسعة في قطاع التعليم، الذي بات يتجه إلى الخصخصة، مع تزايد عدد المدارس والمعاهد الخاصة وانتشارها.

وينفق جمهور من ميسوري الحال أموالاً طائلة كأقساط لتلك المدارس الخاصة المرخصة من الدولة، التي يرتفع أقساطها عاماً بعد عام مواكبة لأحوال التضخم الحاصلة، وكل ذلك على حساب جودة المدارس الحكومية فراتب المدرس لا يتجاوز 150 ألف ليرة، (ما يعادل 30 دولاراً).

تعلق مديرة وصاحبة إحدى هذه المدارس على موضوع التكاليف الباهظة بقولها "إننا نعطي رواتب للمعلمين أضعافاً، لكن لا تنسى تأثير غلاء البنزين والوقود اللازم لمواصلات الطلاب، ومادة المازوت للتدفئة شتاءً، وكلها تكاليف تزداد كل عام".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن جهة مقابلة تفترش ثلة من الأطفال الأرض بثياب متسخة يعملون بإحدى الورش الصناعية، بدلاً من الجلوس على مقعد الدراسة.

يقول أمجد (12 سنة) في رده عن استنكار عدم التحاقه بالمدرسة في اليوم الأول من افتتاحها "لا أستطيع، إني المعيل الوحيد لعائلتي بعد وفاة أبي في الحرب، لا أعرف من الكتابة إلا رسم اسمي، وهذا يكفي باعتقادي".

يحصل الأطفال في عمر أمجد وحتى الـ18 سنة جمعية كل أسبوع، ما يقارب بين 50 لـ100 ألف ليرة سورية، أي 25 دولاراً، وهذا بالكاد يسد احتياجات أسرة مكونة من شخصين بشق الأنفس، في وقت تشير التقديرات الأولية عن دائرة التعليم الأساسي التابعة لوزارة التربية إلى أن نسب التسرب المدرسي تصل إلى 12 في المئة.

يقابل هذا النزوح من التعليم قوانين رادعة بحق مشغلي الأطفال بالمهن والورش أو الأعمال التجارية والصناعية، ويمكن رد عجز الجهات التنفيذية تطبيق هذه القوانين إلى ما يعيشه الشارع من واقع معيشي صعب برأي المحامي السوري معتز الأشقر.

وقال الأشقر "لقد شدد قانون العمل السوري على منع تشغيل الأحداث من الذكور والإناث قبل إتمام مرحلة التعليم الأساسي، أو إتمام سن الخامسة عشرة"، كما أن القانون ذاته "اشترط في حال تشغيل الأحداث إلى ما دون ست ساعات تتخللها ساعة واحدة للراحة".

من جهة ثانية انتشرت طريقة للتحصيل الدراسي تعرف باسم "الدراسة الحرة"، وبها يتسرب الطلاب بعد الصف التاسع بمرحلة التعليم الأساسي ليدرسوا ويعملوا في الوقت ذاته، وكان لهذه الطريقة جمهورها على نطاق ضيق قبل الحرب، لكن دائرتها باتت تتسع، إذ يتاح لمن بلغ 18 سنة التقدم إلى الشهادة الثانوية بشكل "حر"، وأغلب من يتبع ذلك من رواد الفرع الأدبي كونهم لا يحتاجون إلى كثير من الالتزام وحضور الدروس.

الدراسة في الخيمة

ومهما بلغت التحديات، التي يعانيها رواد المدارس بالمناطق التي يطلق عليها "آمنة" بعد هدوء المعارك، لا يمكن أن تقارن بما يعانيه أطفال الحرب في مخيمات الشمال السوري، فالتعليم هناك في ذيل قائمة مطالبهم ليس لشيء، بل لأن أبسط مقومات الحياة من صحة وغذاء وماء وغيرها غير متوافرة.

ومع أسف بالغ الشدة، يعبر الناشط الإغاثي محمد الشيخ، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، عن أحوال الأطفال على مدار عشر سنوات من دون تعليم بشكل نهائي، ينكبون لتحصيل لقمة العيش، بينما الجهل والمرض ينخر بشدة.

وقال الشيخ "نشهد مبادرات متقطعة من أصحاب الشهادات العليا لتعليم الأطفال في بعض المخيمات غير المسجلة على كثرتها، التي تكثر بين الحقول أو الأبنية الفارغة، وأخرى دائمة في بعض المخيمات النظامية يقدمون للأطفال النازحين دروس الكتابة والقراءة والقليل من تعليم اللغات الأجنبية، لكن الأمر يحتاج لدعم كبير يفوق التصور".

واعتبر الناشط الإغاثي أنه على الرغم من ذلك ضمت كثير من الخيام أطفالاً لديهم الدافع للتعلم، بل حرص أهاليهم على إتمامهم للتعليم ونتج من ذلك خروج طلاب علم من تلك الخيام في سنوات سابقة كانوا فتية يافعين قد غادروا بمنح دراسية إلى تركيا وغيرها من الدول الأجنبية بعد تفوقهم بكليات طبية وبمختلف الاختصاصات العلمية والأدبية.

المزيد من تقارير